بسم الله الرحمن الرحيم
J'accuse
إني أتهم
في الثالث عشر من كانون ثان 1898 كانت الاجواء عصيبة و الريح تنذر بعاصفة ستعصف بالفرنسيين و تشطرهم الى شطرين فقد سبقت هذا التاريخ بوقت قليل محاكمة الضابط الفرنسي -من اصل يهودي- درايفوس و اتهمامه بالخيانة العظمى لصالح الالمان و نفيه الى جزيرة نائية على الرغم من قناعة المحكمة ببرائته و قناعة الكثير من مثقفي ذلك العصر بذلك و انه ما كان الا كبش فداء .
عند ذلك خرج ذلك المقال في جريدة الفجر (لورور) و الكاتب هو إميل زولا- الذي دفع حياته فيما بعد ثمنا لكلمة حق - و بالبنط العريض كان الاتهامات تتوالى عبر مقالاته التي ألبت الشارع الفرنسي بعد مقالات اخرى لمثقفي ذلك العصر و لم تتوقف تلك المقالات الا باعادة محاكمة درايفوس و تبرئة ساحته من التهم التي وجهت اليه و كانت صرخة اميل زولا سببا في الافراج عن ذلك الضابط و اصبح ذلك المصطلح فيما بعد رمزا لمهاجمة الانظمة السياسية و قصورها و تعبيرا عن رفض الفساد المستشري في المجتمع .
لذا فإنني أتهم أولياء الامور -بعيدا عن الحكومات الان - بإنهم باتوا يشكلون دورا لا يستهان به في الازدياد المضطرد للبطالة في اوساط الشباب العربي و عاملا اساسيا في هجرة العقول و الادمغة العربية .
فمع انتهاء المرحلة الثانوية بنجاح تبصر الطالب و قد وقع في حيص بيص و تخبط ما بعده تخبط في اختيار الطريق الذي يسلكه و التخصص الذي يرتاده و سيبقى ملازما له طوال حياته المهنية ,بين مطرقة الاباء و سندان المعدلات يضيع الطالب , فاصحاب المعدلات العالية هم الاشد تعرضا لهذه الضغوط و يقعون تحت تأثير الوجاهة الاجتماعية التي تعني ان ابننا يجب ان يصبح دكتورا او اصبح انا ابو المهندس و ام المحامي ضاربين بعرض الحائط ما يحتاجه سوق العمل بالفعل و متطلبات كل مرحلة اقتصادية و التي تتغير دائما .
فطفى الينا على السطح العديد من الكفاءات التي باتت لا تجد متنفسا او مكانا داخل البلد فتشق طريقها تباعا الى الخارج نحو مستقبل افضل و فرصة قد تكون في متناول اليد و تحت نظر الحكومات تتسرب هذه العقول و تختفي و لا يرى منها الا العملة الصعبة التي تقوم بتحويلها الى البلد .
في بلد كجمهورية مصر العربية ترى مكاتب التنسيق و قد تحولت الى مجال فسيح للتندر و الفكاهة , احيانا كثيرة تقوم هذه المكاتب بارسال تخصصات بعيدة كل البعد عن مجال المتوفر كأن تجد خريج الاداب يعمل في وزارة البيئة و المهندس الزراعي يعمل في البنى التحتية و غيره , فكهذا تتعامل حكوماتنا مع اعراض المشكلة لا مع الحل الجذري للمشكلة ذاتها و تبقى المشكلة قائمة الى ان يشاء الله.
البطالة المقنعة باتت الان متفشية بشكل سرطاني في الاجهزة الحكومية و المؤسسات التابعة لها لدرجة ان مديرية الزراعة في محافظة من محافظات فلسطين كان لديها في عام واحد اكثر من ثلاثة عشر مديرا عاما و يشغلون نفس المنصب و لكن واحد منهم من يتمتع بالصلاحيات الضرورية لشغر هذا المنصب ! و على الطرف الاخر ترى جامعاتنا كالنجاح مثلا تخرج لنا سنويا اكثر من 100 صيدلي و صيدلانية و طبعا هؤلاء لا يملكون المال اللازم لفتح صيدلية و لا توجد لهم وظائف فتراهم يبيعون تراخيصهم الى راتب شهري يتقاضونه من بعض اصحاب الاموال و في النهاية لم يضيفوا شيئا للبلد.
و على النقيض من ذلك ترى مدراسنا و جامعاتنا تشكو من نقص غريب في اصحاب التخصصات العلمية كالرياضيات و الفيزياء ...الخ , فاين هو التوجيه النظم من قبل اولياء الامور و الحكومات للجامعات و المدارس و البحث لابنائنا عما يحتاجه سوق العمل بالفعل بعيدا عن المسميات الاجتماعية و الالقاب البغيضة , فهل سينفعني ولدي دكتورا و هو عاطل عن العمل؟؟ ام اتركه ليهاجر الى حيث يجد فرصته و مستقبله , يجب ان يكون هناك توازن بين كافة التخصصات و دراسة ما تتطلبه المعطيات الحالية و القادمة و الاسهام بشكل اكبر من اولياء الامور في ظل غياب الحكومات في المساعدة على حل هذه المعظلة و ايجاد سبل لتوفير الوظائف للمعظم لا للجميع حتى لا نكون طماعين !
هذا ما يحتاجه ابناؤنا منا الان في هذه المرحلة فلنمد لهم يد العون و نبتعد عن الانا فالمظاهر الاجتماعية لا تغني و لا تسمن من جوع
اياك ان تجني سكرا من حنظل فالشيء يرجع في المذاق لاصله !