لا يجد المرء ردًّا على ما وُجِّه للنبي محمد، صلي الله عليه وسلم، من إهانات وشتائم تارة، وكذب وتدليس تارة أخرى، أبْلَغُ مِن عَرْض آراء المعتدلين من أصحاب النظرة الحيادية والمنهج الموضوعي، والأمانة العلمية والأخلاقية، من بني جنسهم، ودينهم، في شخصية الرسول، صلي الله عليه وسلم، ومكانته، ذلك أن أعداء الدين الإسلامي قد سدوا آذانهم، وأعموا قلوبهم، وقنعوا بما تلقوا من أوهام عن الإسلام وأهله، حتى صار الأمر عندهم كأنه من المسلَّمات التي لا تقبل المناقشة.
ومن هنا كان من المناسب أن يكون الردُّ عليهم من كتابات أبناء جلدتهم من كتابهم ومفكريهم، أولئك النَّفر من المحايدين الذين أبوا على أنفسهم أن يلووا أعناق النصوص ويقلبوا الحقائق التاريخية، أو يختاروا منها ما يحقق غايتهم، هؤلاء القلائل الذين التزموا ما يقتضيه البحث العلمي من الأمانة العلمية والأخلاقية في العرض والأخذ والرد.
* وفي 1720 نشر "هنري دي بولونفيرس" كتابه "سيرة حياة محمد" وفيه دفاع عن سيرة النبي، ورد على المطاعن والانتقاصات السابقة من شخصيته، صلى الله عليه وسلم، موضحًا أن محمدًا مبدع ديني عقلي يستحق التقدير حتى في الغرب.
وكان لكتاب"بولونفيرس" الأثر البالغ في تفكير "فولتير"، وتغيير نظرته للإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم، فقد ألف فولتير كتابًا بعنوان "التعصب أو النبي محمد" وصف فيه النبي، صلى الله عليه وسلم، بأنه منافق وخَدَّاع ومحب للملذات الجسدية ومستبد، وقد كان فولتير بهذا النعت غير المنصف والطعن في شخصية محمد يستهدف دحض الأفكار الدينية المتعصبة بصورة عامة في فترة سادت فيها حملة عامة واسعة لدحض الأفكار الدينية المسيحية؛ تجاوبًا مع مبادئ عصر النهضة والتنوير العقلي.
لكن فولتير بعد أن طالع كتاب "سيرة حياة محمد" ألف كتابه (بحث في العادات) سنة 1765 مدح به الإسلام وأشاد بنبي الإسلام محمد وبكتابه القرآن، وقد نعت محمدًا بأنه مع "كونفوشيوس" و "زرادشت" من أعظم مشرِّعي العالم.
* الشاعر الألماني الكبير "جوهان فولفجاج فون جوته" أحد رموز الثقافة الغربية، شاعر وروائي عملاق يعترف بقَدْرِه الجميع هنا وهناك، كان شديد الإعجاب بالإسلام، وقد استوحي العديد من آيات القرآن الكريم، ومن شعر المعلقات في أشعاره قرأ جوته "ألف ليلة وليلة" في طفولته، وفي شبابه ترجم عن الفرنسية كتاب "محمد" لفولتير، وكان يحفظ أشعار الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي.
كان جوته شديد التدين وكان منذ طفولته يشارك في خدمة القداس الكنائسي، ويقرأ يوميًّا الكتاب المقدس، وقد اعترف بأنه مدين له بثقافته الروحية والعقلية، ولم يَحُل ذلك دون أن يعرب عن إعجابه الشديد بالرسول محمد عليه الصلاة والسلام، وبالإسلام، وكان يزمع تأليف مسرحية عن النبي محمد (صلي الله عليه وسلم).
ويا ليت الذين يتهجمون اليوم على الإسلام وعقيدته، ورمزه الأعلى محمد، يقرؤون شعر جوته الذي حاول أن يعبر الجسر بين الشرق والغرب، وأن يقيم توازنًا روحيًّا بينهما، وقد أخرج ديوان شعر اسماه "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" يقول في إحدى قصائده، التي ترجمها د.عبد الرحمن بدوي:
من حماقة الإنسان في دنياه
أن يتعصب كل منا لما يراه
وإذا الإسلام كان معناه أن لله التسليم
فإننا جميعا، نحيا ونموت مسلمين.
*
وقد أشاد "هيردر ولايبنيتز" في كتابه "أفكار حول فلسفة تاريخ الإنسانية"، بشخصية النبي محمد، وحماسه العالي لفكرة "وحدانية الله"، وحكمة عبادته، بواسطة الطهارة والتأمل والعمل الصالح.
وقد رد هيردر على التقاليد اليهودية والمسيحية البالية، وأشاد بسيرة محمد والثقافة الإسلامية، وأطرى تعاليم الدين الإسلامي التي حرمت الخمر والمأكولات النجسة والربا والقمار والميسر، وبيّن أن تأثيرات العبادة اليومية وأفكار الرحمة، والطاعة لإرادة الله التي نص عليها القرآن تمنح المسلمين اطمئنانًا نفسيًا.
*ألويس أشبرنجر: مستشرق نمساوي الأصل، اشتهر بكتابه عن حياة النبي محمد.. وقد حضّر له بسفره إلى الدول العربية فأصدر القسم الأول بعنوان: "حياة محمد، من المصادر الأصلية" عام 1851، ثم أصدر كتاب "حياة محمد وتعاليمه" في ثلاثة أجزاء باللغة الألمانية.
ومن الكتابات التي تميزت أيضًا بالإنصاف والموضوعية في هذا المقام:
* ما كتبه "مايكل هارت" عالم الفلك الشهير في الرياضيات وصاحب كتاب "العظماء مائة" حيث قال في مقدمة كتابه: "إن اختياري محمدًا، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي.
فهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدؤوا رسالات عظيمة، ولكنهم ماتوا دون إتمامها، كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم، أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكنَّ محمدًا هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته.
ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضًا، وحّد القبائل في شعـب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم. فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها".
* "توماس كارلايل" هذا الرجل المنصِف الذي اخذ يدافع عن محمد، صلى الله عليه وسلم، ويَذُبّ عنه كل الافتراءات التي حاول أن يلصقها به أعداؤه، وذلك من خلال مجموعة من المحاضرات تحت عنوان (الأبطال وعبادة الأبطال).
وقد ناقش "كارلايل" مواضيع من أخطر المشكلات التي يثيرها الغرب، وقام بالذّب عن الإسلام حتى كأننا إذ قرأنا الكلام بدون اسمه فكأننا بداعية إسلامي كبير يدافع عن الإسلام ويَذُبّ عنه كيد الأعداء، ومِنْ أبرز التهم التي يَذُبّ عنها كارلايل تهمة "حد السيف" وتهمة "الخداع".
وفي كتاب الأبطال وصف كارلايل محمدًا صلى الله عليه وسلم بأنه "كان واحدًا من هؤلاء الذين لا يستطيعون إلا أن يكونوا في جَدٍّ دائمًا.. هؤلاء الذين جُبلت طبيعتُهم على الإخلاص... فلم يقم هذا الرجل بإحاطة نفسه داخل إطار من الأقوال والصفات الطيبة ولكنَّه تفرد مع روحه ومع حقيقة الأشياء يستمد منها ما نطلق عليه الإخلاص... شيء يملكه اسمى من طبيعة البشر، فَقَد كانت رسالة هذا الرجل تنبعث من فطرة قلبه وروحه"، ولهذا يجب أن يستمع ويعمل الرجال وليس لأي شيء آخر، فكل شيء غير ذلك إنما هو هباء تذروه الرياح.
وهذه مقولة له عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "رجل واحد في مقابل جميع الرجال" [المصدر: "محمد الخليفة الطبيعي للمسيح" للداعية أحمد ديدات].
وأيضا ما قاله في كتابه (الأبطال وعبادة الأبطال): "لقد أصبح من أكبر العار على كل فرد متمدِّن في هذا العصر أنْ يُصغي إلى القول بأنّ دين الإسلام كذب، وان محمدًا خدّاع مزور، فإن الرسالة التي أداها ذلك الرجل ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنًا لمئات الملايين من الناس أمثالنا، خلقهم الله الذي خلقنا".
أكان أحدهم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والعد أكذوبة وخدعة؟ أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدًا، فلو أن الكذب والغش يروّجان عند خلق الله هذا الرواج، ويصادفان ذلك التصديق والقَبول، فما الناس إلا بُله ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث، كان الأولى ألا تخلق".
* أما "تساريس وادي" المستشرقة الإنجليزية فتقول في كتابها (العقل المسلم) فقد أدركت إنسانيات محمد ليس في حجم الكلمات والتصرفات التي كان يتصرف بها فقط، بل في تعبيره عن الحق بأنه الصراط المستقيم، وهو تعبير عدل وصدق، أيضًا في سعيه لأن يساوي بين البشرية في تدينها.. لقد دافع عن صلات الرحم والعقيدة بين الرسل، وآمُل أن يكون تعاونًا بين أهل الأديان، وعندما خاب أمله ظل على احترامه للأديان الأخرى.. لقد أنضج (محمد) ثقافة السلام، ووضع الفقراء، والعبيد، والمرأة في صف الأغنياء، والأحرار والرجال، لقد أعاد تنظيم السياسة والاقتصاد وحافظ على سمتها الإنساني، وأشاع حياة المساواة بشكل لم يكن معروفًا ولا مقبولاً في ذلك الوقت
.
* ويحدد "جولز ماسيرمان" المحلل النفسي الأمريكي، وأستاذ في جامعة شيكاغو، ثلاثة أسس لاختيار القائد الأعظم لجميع الأزمنة، وهى:
1- يجب أن يتوفر في القائد التكوين السليم للقيادة.
2- يجب أن يوفر القائد أو من يكون قائدًا نظام اجتماعي يشعر فيه الناس نسبيًّا بالأمن والطمأنينة.
3- يجب على القائد أن يوفر لشعبه مجموعة واحدة من المعتقدات.
وعلى ضوء هذه المتطلبات الثلاثة السابقة يبحث "ماسيرمان" في التاريخ ويقوم بالتحليل والتمحيص ليقرِّر أنّ أعظم قائد كان على مر العصور هو محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي جمع الأعمال الثلاثة، وقد فعل موسى نفس الشيء بدرجة أقل".
* كما قال "باول شمتز" صاحب كتاب (الإسلام قوة الغد العالمية)، لقد جاهدت البشرية كثيرًا لتضع ما سماه علماء القانون والسياسة، الحقوق الطبيعية للإنسان.. لقد فعلها محمد- صلى الله عليه وسلم- بعفوية وبساطة عندما وقف حاجًّا في مكة فيما يعرفه المسلمون بحجة الوداع وقرر حق الإنسان في الحياة والتدين والحرية والثراء الحلال والمساواة وحرمة الدم والعرض والكرامة.
*وقال عنه "لامارتين": "رجل أسَّس عشرين إمبراطورية دنيوية وإمبراطورية واحدة روحية".
*وقال عنه أحد المفكرين الغربيين أنه لو أعطى لمحمد زمام الأمور في هذا العالم المليء بالملابسات والمشكلات لقاد البشرية إلى بر الأمان. [راجع كتاب الداعية أحمد ديدات الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم]
* في أوائل القرن التاسع الميلادي، كتب المؤرخ القسطنطيني (ثيوفينيس) عن رسول الله (محمد بن عبد الله) عليه السلام، ورغم أن هذا المؤلف كان يكنّ الحقد للإسلام، إلا أنه وصف الرسول الكريم بـ(شفيع الشرقيين ومخلصهم العظيم).
* "ألفونس إينين دينيييه" مستشرق فرنسي عكف على دراسة الإسلام وتعاليم الرسول عليه السلام؛ حتى وجد نفسه يقتنع بدين (محمد) فيعلن إسلامه عام 1927 وعمره ستون عامًا، وقد أطلق على نفسه اسم (ناصر الدين).. كما كتب عدة مؤلفات عن الإسلام منها: (السراب)، (ربيع القلوب)، (الشرق كما يراه الغرب)، (رسالة الحج إلى بيت الله الحرام).. وكتابه الأخير هذا قد تناول فيه بعضًا من سيرة النبي عليه السلام، وقد وضعه بالاشتراك مع صديق له اسمه (سليمان بن إبراهيم).
*ولم يستطع المستشرق الأمريكي (أرفنج) الذي ألف كتابًا عن حياة الرسول الأعظم، بالرغم من تحامله الشديد على الإسلام أن يغفل عظمة الرسول الكريم (صلي الله عليه وسلم) ونزاهته وإيثاره ودوره العظيم والأساس في تأسيس الدولة العربية الإسلامية.
وأمثال هؤلاء كثر من المستشرقين الذين كانت دوافعهم مخلصة، وأهدافهم نزيهة ومقاصدهم خدمة العلم وقول الحق عن الإسلام ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو الأعظم، إنه بحق الأعظم، فإذا كان في البشرية من يستحق العظمة فهو محمد، هذا كان كلام علماء الغرب المنصفين عنه صلى الله عليه وسلم، والذي حفل بالحقائق التي لا تقبل الشك فهل يعي هؤلاء الذين سولت لهم أنفسهم الإساءة لخير الناس وإمام الرسل؟!