(أبيات أصلها شرر)
كثيراً ما أقف عند هذا البيت لأبي الحسن التهامي في رثائه الشهير لابنه وهو يقول :-
وتلهب الأحشاء شيب مفرقي *** هذا الضياء شواظ تلك النار.
فأرى من هدوء التصوير ، وسرعة الانتقالية ، والمزاوجة فيها ما يبهرني حقيقة . فعند الإمعان في هذا البيت ترى وصفاً دقيقاً لحرقة الحزن، ولوعة الأسى ،ودوام المصيبة ، واستمراء الشجن ، مايجعلك تطأطأ رأسك إجلالا لروعة الشاعر ، ومشاركةً له في هذا الحزن الذي مضى عليه أكثر من ألف عام .وعند إعادتنا النظر لهذا البيت مرةً أخرى فلا شك بأن التهاب الحشا،ومشيب الرأس ،من علامات الحزن ،لكن أن يأتي الوصف الشعري بالرابط الفسيولوجي والمنغمس في الوقت ذاته بالإحساس البشري فهذا هو الابداع بعينه .
فكأنه يقول ان النار المظطرمة في أحشائه أوارها لم يكتف بالأحشاء موقداً له بل استطال الى مفرق الرأس ،ثم إن الشاعر يأبى أن يترك لنا حرية التصرف بحزنه، بل يزودنا بتعليل معبر عن هذه الاستطالة ،فيقول هذا الرائع الذي أطرق للحزن فأطرق الإبداع له:
( هذا الضياء شواظ تلك النار) ..اذاً ما هذا الضياء ويعني الشيب إلا شواظ نار الحشا المحترقة !!
لبعض الأحزان على مرارتها حلاوة ولبعضها على كآبته روعة ، واذا كان الابداع هو وليد المعاناة فإن الحزن هو الرحم الذي الذي يتسع لكل أمشاج العواطف !!
جميل مثل هذا الحزن على مرارته ،لأنه ينعش المشاعر ،ويحرك الأحاسيس ،ويعيد رسم تقاسيم الوجه ويجدد أطوالها،لكي تستعيد الروح إنسانيتها ونشاطها وسكينتها .وباعتقادي أن زيارة الحزن بين فترة وأختها هي حالة صحية للروح ،ومصل عظيم لتفاعلها ،يولد على إثره معرفة بقيمة الفرح ،وانتشاء الأنس .ويجعلنا نصل للنتيجة المناسبة لمشاعر المؤمنين من شكرٍ في السراء ،وصبر على الضراء !!