السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه قصة حدثت لأحد الشباب المكافح الذي لم يجد له وظيفة يتحصل منها على ما يعينه لتوفير لقمة عيشه بعد أن أتم دراسته الجامعية فما كان منه إلا الرضوخ للظروف من حوله والعمل كفلاح في إحدى وزارات الدولة لحين يأذن الله له بالفرج .
وقد كتبتها بعد ما شاهدت أحداثها مباشرة بينما كنت واقفاً أمام النافذة في مكتبي مع مزجها بقليل من مخيلتي التي سترونها واضحة في مخاطبة طرفي القصة لنفسيهما .
فأرجو أن تنال إعجابكم لتسألوا من الله التوفيق لهذا الشاب الذي شد انتباهي بطلاقة لسانه .
بعد أن استنفذ كل قواه في انجاز العمل المكلف به من قبل المسؤول المباشرعنه جلس برهة ليستريح ثم قام وامسك خرطوم الماء الذي يستخدم لري الحشائش والشجيرات وادناه من فمه وهم بان يشرب رشفة ماء إلا أن صوتاً بغيضاً ناداه :-
- يـ .. حـ .. بـ .. يـ .. ب .
التفت حبيب جمعة إلى مصدر الصوت قبل أن يشرب الماء أحس بشيء في صدره واستشعر المضايقة وقال لمسؤوله:-
نعم يا أستاذ ؟
ابتسم المسؤول بخبث فبانت أسنانه الطويلة المتباعدة المغطاة بطبقة صفراء تدل على القذارة وقال بلهجة آمره :-
انته بتعمل آيه ؟
اخذ حبيب جمعة نفساً وحدث نفسه ) أف لقد بدأنا ( ثم قال :-
- كما ترى!
- ا شوف آيه!؟ أولت لك انته بتعمل آيه ؟؟
قالها المسؤول بصوت مرتفع
فقال حبيب جمعة مستسلما :-
- سأشرب ماء!
قال المسؤول والثقة تملئ صوته :-
- انته بتشرب ميه كتير ليه ؟
بالرغم من أن حبيب جمعة اعتاد مثل هذه المواقف أصبحت هذه الأسئلة الاستفزازية سمة ظاهرة في علاقته بمسئوله المباشر إلا أنه لم يخفي استغرابه لهذا السؤال وقال مندهشاً :-
- ماذا!
ازدادت ثقته المسؤول بنفسه عندما رأى الدهشة واضحة على وجه حبيب جمعة فقال :-
- لما بصيت عليك ابل شويه كنت بتشرب ميه ودلوئت كمان بتشرب ميه وربنا العالم كم مره شربت وآنا مشفـتكـش .
تمالك حبيب جمعة أعصابه التي أصبحت متوترة بمجرد رؤيته للمسؤول ناهيك عن الأسئلة الاستفزازية المتكررة له وقال :-
- وماذا في ذلك يا سيادة المهندس ؟
كان السؤال عادياً في مجرى الحديث إلا أن غطرسة المسؤول وعجرفته وغبائه جعله يشتاط غضباً ويصرخ عالياً بعد أن ظهرت على وجهه تجاعيد أحقاد عميقة :-
- آيه ياله ؟! ازاي تؤل لي وفيها آيه ؟ آنا بسألك انته بتشرب ميه كتير ليه فالمفروض انك تجاوب إجابة وافية على طول فاهم ولا لأه .
- إني اشرب الماء عندما اشعر بحاجتي لذلك .
يعني آيه ؟
شـد حبيب جمعـة أعصابه واصبح كالواقف على أطراف أصابعه وتأمل المسؤول . وجه طويل صدئ اللـون غلبت عليه العتمة و الاحمرار ذو جبهة كبيرة حوت خطوط عرضية كثيرة وراس لم يبقي فيه الصلع سوى بضع شعيرات وعينان بدت إحداهما كعين البرص ولحية كثيفة قذرة اختلط فيها الشعر الأبيض بالأسود وزادت في قبح شكله وبشاعة مظهره تلك التجاعيد التي أصبحت بارزة على وجهه وثارت تساؤلات في نفس حبيب جمعة (( هل من الممكن أن يكون تذكيري له حينما ذكر الموت بأنه هو الأخر ميت مثل الآخرين سبب ما أعانيه الآن ، نعم معقول جداً إن من اعتقد نفسه سلطان زمانه حينما عين خلفاً لمسئوله لا يستبعد عنه هذا الأمر بل ولا يجب أن يذكر بالموت أبدا )) ثم ولعلم حبيب أن المطلوب منه إلقاء محاضرة بدل من الإجابة كي لا ترفع فيه مذكرة ثانية إلى السيد المدير يذكر فيها انه حين سئل من قبل مسئوله المباشر لم يعطي الإجابة الوافية وهذا تقصير في العمل يستحق عليه الخصم كما في المرة السابقة حين زعم انه قصر في إجابته قال :-
- حسناً انك تعلم يا سيادة المهندس أن الجو حار جداً فنحن في شهر أغسطس وهذا الشهر تكون فيه حرارة فصل الصيف في ذروتها ومن الطبيعي أن تفرز أجسامنا العرق من اجل تلطيف وتخفيف الحرارة علينا وبما آنا نعمل تحت أشعة الشمس المباشرة ونبذل مجهود كبير وهذا بدوره يزيد من إفرازات الجسم للعرق فآنا نحاول أن نعوض ما نفقده من ماء وأملاح وذلك بشرب المياه والسوائل الأخرى لنحافظ على صحتنا ولياقة أجسامنا لكي نتمكن من إنجاز الأعمال المناطة بنا من قبلكم على أتم وجه.
صمت حبيب جمعة قليلاً ثم أردف :-
- هل هذه إجابة وافية ؟
قال المسؤول بشكل استفزازي :-
- آيه هو انته اؤلت لي حاجه مالي أنا ومال العرق والأملاح وأشعة الشمس والعراء والمجهود الكبير والهرج ده كله ، آنا بسالك انته بتشرب ميه كتير ليه ؟
- وماذا في ذلك يا أستاذ ؟!
كأن صاعـقـتاً نزلت على راس المسؤول فصرخ بأعلى صوته :-
- آيه ازي تؤلي وفيها آيه ؟ ميصحـش يا أستاذ حبيب ! آنا بسالك انته بتشرب ميه كتير ليه فالمفروض انك تجاوب على طول فاهم أدرك حبيب جمعة أن عليه الرضوخ إلى الأمر الواقع وتهدئة الوضع فقال بصوت يائس :-
- اعتذر لوقاحتي أرجو قبول أسفي يا أستاذ وأنا رهن إشارتك ؟
ابتسم المسؤول ابتسامة الظافر واصدر الأمر :-
- متشربش ميه كتير فاهم يا حبيب .
صدم حبيب جمعة بهذا القول فأبدا استفهامه
- عفواً وهل هذا الأمر من اجل ألا ينفذ الماء أو يضمحل عن الأشجار و الحشائش أم انه من اجل شيء أخر .
- بلاش تريئه عليه وانته مش اعتذرت بس خلاص بأه .
ابتسم حبيب جمعة بصعوبة بالغة ابتسامة خفيفة وقال :-
- نعم اعتذرت ولكن إن من حقي معرفة ما هي الترسبات التي بني عليها هذا الأمر أو هل يكون العذر هو انشغالي بشرب الماء عن تأدية واجبي في العمل ؟
سأم المسؤول هذا النقاش الذي بدأه أراد أن ينهيه بالأسلوب المعتاد له فهو يعرف انه لن يستطيع مجاراة حبيب جمعة في النقاش فقال:-
- وبعدين معاك يا بني انته ناسي إني مراعي لظروفك ومش عاوز أأذيك علشان مفيش مكان تاني حيأبلك بعد ما ارفدك من الشغلانه دي وبالمناسبة وريني الشغل إلي انته عملته النهارده .
تمتم حبيب جمعة بكلام غير مفهوم ثم أشار إلى قطعة ارض زراعية منسقة زرعت فيها الأزهار وقلمت فيها الشجيرات بعناية ورويت فيها الحشائش جيداً كما قلبت تربتها لتهوية جذور النباتات ووضعت مخلفاتها في أكياس خاصة لذلك .
وقف المسؤول ينظر في حيرة تدور الدوائر في رأسه (( هل انجز هذا العمل فعلاً هل ساعده أحد على إتمامه أم كان وحده )) داخلته فكرة جعلته يستدير إلى حبيب جمعة وبريق الخبث ينبعث من عينه كالشرار في فرن الحداد ة المملوء عن آخره بالفحم وقال بصوت من ظفر بجائزة قيمة :-
- الشغل ده من النهارده ؟! لآ مش من النهارده يا حبيب اؤل لي أنت كنت فين بصراحة وآنا ممكن أسامحك الـمرادي كمان
لم يعد هناك مجال يتمالك فيه حبيب أعصابه المشدودة فأمسك خرطوم الماء وشرب حتى ارتوى جوفه والمهندس يصرخ فيه :-
انته تتحداني ياله ؟ !والله لنا موريك .
وانتصب واقفاً رافعاً رأسه بكبر وغرور ، وما إن رآه حبيب جمعة حتى أنفجر ضاحكاً و برزت وجنتيه واغرورقت عيناه بالدموع من شدة الضحك فقد كان المهندس المسؤول أحدب الظهر وبدا بالشكل الذي أتخذه كالأرجوز .
ودمتم سالمين