السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
*
*

اختفاء طــالــب
جلس على مقعد الرحلة بانتظار دخول الاستاذ الى الصف , ضم كتبه داخل الرحلة وتحسس بظاهر كفه اليمنى ورقة قبضها براحته أخرجها وكانت منكمشة معقفة متكورة ,, ثم وضعها على فخذه واخذ يفتحها بباطن أصابعه حتى اتضحت له سطورها وكانت رقيقة .......
اظهر الورقة لصديقه الصدوق على انها قصيدة .. الا انه لم يوازره على ذلك بل اكد له بأنها رسالة غرامية موجهة له هو بالذات وقد كُتبت بأنامل طالبة في المدرسة المسائية .... ولكن لماذا كتبتها وتركتها في منضدته !!, ربما سـطرت هـذه الكلمات الجميلة لتعبر عن وجدها لشخص آخر ولكنها نسيتها وها قد وقعت بين يديه .. ويحسب صاحبه ان الفتاة تعمدت تركها في رحلته كي تصل اليه على وجه السرعة .
شغلته هـذه الرسالة وأبعدته عن المذاكرة فقد امسى يسهر متفكرا بأمر كاتبها حتى راودته الشكوك ولكنه حينما ينظر الـى شكله في المرآة لا يرى ما لا ترغب فيه الفتيات او يجعلهن يتجاهلن شبابه وهيأته الرجولية لا سيما وسامته واهتمامه المستمر بهندامه ودقة انتقاء الملابس والالوان التي تتلائم ولون بشرته ... ,, تخيل وجه العاشقة وتحير في لون عينيها وفي كيفية تصفيف شعرها ولونه .. قد تكون شقراء او ذات شعر اسود شلالي وربما تحمله بشكل ؛ ذيل حصان ؛ ..
ترك وصفها ليحاول التركيز على نغمة صوتها وظنهِ ساحرا صافيا كأنوثتها .. صار مرتابا من بنات الجيرة اللواتي يحطن بداره وأصبح يراقب كل فتاة ترتقي سلم السطح لتنشر الغسيل او لتطالع دروسها او لربما تكون بأنتظار ان يصعد سـطح داره ثم تتوارى عن ناظريه كي لا يكتشفها فهي انثى على أية حـال وشيمتها الحياء ....
لحظَ بضع نظرات من صبية تُكرر زيارتها لمنزله لتلتقي بشقيقته ولكنها ليست بذات حاجة كي تقتحمه في المدرسة بل من اليسير عليها ان تتحدث اليه بكل حرية وبامكانها ان تترك له الرسالة في اي مكان من زوايا بيته الكثيرة ولكن نظراتها بريئة لا اكثر .
وانتخبَ اخرى وهي جميلة الحي برمته وهو من المعجبين برقتها وغنجها الا انها لا تبالي به البتة .. اما شقيقتها الاقل جمالا منها فهي ما ان تراه يخرج حتى تدخل متوترة وتغلق بابها بعصبية تثير السخط .
اخيرا أتعبه التقصي بين وجوههن حتى صرفَ التفكير من ان تكون من هذا الحي الذي يصول فيه ويجول كل يوم . اذن فهي من حارة أخرى ومن فتيات الازقة القريبة من المدرسة وهذا ما ارتاح له قلبه وبددَ حيرته ولكن جواب السؤال ما يزال عالقا ترى من هــي بحق السماء .. ؟؟ !
كرسَ ما بقي لديه من الوقت يستعد لامتحان نصف السنة لا سيما وان درجاته الفصلية قد تراجعــت لانشغاله بتلك الرسالة التي يجهل كاتبها ... وكلما يفتح الكتاب ليقرأ ما يلزم عليه التحضير للامتحان له تتقافز بين سطور الصفحة كلمات الغرام المدونة في الرسالة حتى حفظها واصبح يشعر بالملل من محاولة التركيز وحروف الوجد تطارده , عرج الـى كراس كان قبل اسابيع يكتب فيه ما يرجح من اسئلة مدونا فيه الجواب الاصح .. فتحه ووضع القلم على السطر الرأسي للصفحة الناصعة وكتب : ـ
الى من جعلني في حيرة طوال اسابيع الوجد التي جذبتني برسالتها .. اسطر حروفي اليتيمة علني اجد لقلبي من يشفي لوعته ويطفىء لظاه وفي الختام سلام .......
وطوى الورقة الوحيدة التي حفرَ عليها للمرة الاولى في حياته عما يشعر به وما يجول في خاطره ليعبر عن الهيام الذي اغرقه في يمِ هواها المجهول ... ,, ودس المكتوب في جيبه وابكرَ في النهوض بعد طول سهر ليلة ليلاء وعند انتهاء الدرس الاخير تركَ الورقة الى المعشوقة في داخل المنضدة او الرحلة وامله يكبر في كل ساعة تمر .
في مدرسة البنات المســائية ومع الدقائق الاولى للدرس الاول جلست الفتاة مسرعة على رحلتها ومدت كلتا يديها تبحث عن جواب لرسالتها كما في كل يوم فلامست اناملها سطح الورقة الناعم فأهتز قلبها فرحا واحمرت وجنتاها وتذكرت انها تتوسط الطالبات .. فأمسكت بالمكتوب وصارت تزحف يديها حتى أخرجتهما وفتحتها بهدوووء وقرأت متلهفة سطورها التي صارت ترددها مع نفسها .. لكن الفرحة لم تكتمل فقد أمسكت بها المعلمة وجذبتها من شعرِ رأسها وانتشلت الرسالة من يدها وانتزعتها بعد مقاومة ناعمة وصارت الفتاة تتلقى اللعنات والشتائم والصفعات على خديها ورأسها وهبطت السلالم وصراخها ملأ ارجاء البناية حتى خرجت طالبات الصفوف بمختلف مراحلها وتوقفن عند الابواب يتفرجن على المعلمة وهي تستعرض عفتها امام الحضور الانثوي بفضح هذه العاشقة المعذبة حتى جذبتها بشدة الى داخل غرفة المديرة التي شاركت المرشدة في شوط آخر من الضرب والشتم والتهديد بالفضيحة بل وعليها ان تعترف باسم صاحب الرسالة ومن يكون ويجب ان تختار ما بين الفضيحة وبين أهلها او البوح باسمه .. فاختارت الاخير .
خرج الفتى الشاب مع صديقه يسيران بالقرب من البحر ولم يشعر بالبرد بالرغم من الهواء الرطب والمطر ورذاذ نثيثه الذي اثلج الوجنات وألانوف واحمرت له الأذان ولم يأبه بشي بل كان سعيدا جدا وخائفا في ذات الوقت الا ان بهجته كانت اكثر وضوحا لا سيما عيناه الحالمتان وأمست الليلة اطول ليلة في حياته .. وحينما اشرقت الشمس كان قد اتعبه السهر فتسللَ الى فراشه ودثرَ جسده المرتجف وغطى رأسه ونامَ حتى ايقضته شقيقته ليمضي الى المدرسة المتوسطة .....
ما ان وصلَ الى المدرسة حتى خرجَ المدير ليحثَ الطلاب على الالتحاق بالمعلم الذي سبقهم ودخلَ الصف وابتدأ بالقاء المحاضرة على مسامع الطلبة . وفي الاستراحة ما بين الدرس الثالث والرابع نادى المدير على الطالب الحالم وبعد ربع ساعة اوقف الولد عند باب المدير مرتعدا حائرا لا حيلة له بينما المدير راح يتصل بجهة مجهولة وما ان مرت بضع دقائق توقفت سيارة مظللة .. فتح ابوابها الاربع اربعة اشخاص بزي مدني تتشابه هيئاتهم ويتطاير من اعينهم الغضب والحقد وحينما دخلوا بال المدرسة وجدوا الشاب واقفا وكأنه بأنتظارهم والقوا القبض عليه باشارة من مدير المدرسة واحاطوه وساقوه الى داخل السيارة وغابوا به .. الا ان الجارة العاشقة انتظرت حتى المساء عودته ثم اغلقت الباب بهدوء وهي حزينة .
وانا جالس مع صاحبي الذي يعمل بمقر الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الانسان دخلت امرأة متوسطة العمر وبيدها ملف تطالب صاحبي بمصير الطالب المجهول بعد مرور خمسة عشر عاما عن
غيابه
اختفائه
اختطافه
اغتياله

تم 1 \ 12 \ 2004
.
.