![]() |
![]() |
||||||||
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
||||||||

|
|
#1 |
![]() تاريخ التسجيل: Sep 2004
الدولة: مصر - المعادى
المشاركات: 87
![]() |
وقفت السفينة في الميناء الذي لا نعـرفه ، ولا نعرف أهـله ، نزلنـا مبهورين من تلك الرائحة النفاذة التي اخترقت أنـوفنا ، رحنا نتجول في أزقة وشوارع المدينة الصغيرة ، وجدنا الدخان يتصاعد بقوة و يلف أدمغتنا ، تحركنا كالطائرين في الهواء في اتجاه يبعدنا عن الميناء ، صعدنا إلي تل بدا من بعيد كفوهة بركان قديم .
في الطريق كنا نرى ذلك الدخان وهو يتلوى ويتموج في السماء كبخار يتصاعد من مرجل عملاق ، وكانت عيناي مشدودتين إلي تلك النقطة البعيدة التي في السماء المشعة في وضح النهار .. رحت أنظر حولي فلم أجد الرفاق ، اندهشت ، حاولت أن أعود ، لكن قدميَّ دفعتاني في اتجاه التل . ***** ما أراحني أنني نظرت ورائي ، فوجدت السفينة ما زالت واقفة ، فأدركت أنه ما زال هناك الكثير من الوقت كي أتجول في تلك المدينة التي لم أعرفها من قبل . حين وصلت إلي التل رأيت ملكة في السماء تفتح لي أبوابها ، والابتسامة على خديها ، ففتحت ذراعيَّ عن آخرهما وانطلقت في اتجاهها .. انطلقت منفضاً عنى كل ما تراكم بداخلي بفعل الزمن ، أصبحت بدون قيود ، طرت محلقاً ، أخف من عصفور ، وأسرع من ريشة ، أصعد في اتجاه الملكة برفق ونعومة . ***** رأيت على الطريق الصاعد إلى التل رجالاً منهمكين في أعمالهم وتجارتهم ،كانوا يبيعون ويشترون ويجملون بضاعتهم ، من أوان فخارية ونحاسية وقماش وحرائر وأطعمة .. اندهشت منهم فكيف لا يرون ما أراه .. وكيف لا يبصرون وجه الملكة التي في سمائهم .. أشرت إليهم بيدي أن ينظروا إلي هناك ، إلي أعلى ، حيث الملكة ، ولكن إشاراتي ضاعت بين نظراتهم الجامدة وانشغالهم عنى .. شعرت بإحباط شديد من عدم مبالاتهم ، وانطلقت مسرعاً في اتجاه التل ، أحتضن الملكة بين ذراعيَّ ، وأنتظر اللحظة التي سأصل فيها إلي ذلك الدخان الكثيف ، وتلك الرائحة النفاذة التي تخدر الحواس . ***** كالمهووس حملني قلبي وطار بي في رحاب الملكة التي ملأت السماء ، فلم أر غيرها في تلك المدينة التي لم يعرفني فيها أحد .. ولأنني غريب في تلك المدينة حاولت أن أفتح أبوابها وأقف على أسرارها . ***** ولما رأتني الملكة هائماً في محبتها ساعدتني وسمحت لي بالدخول ، أغدقت علىَّ من كنوز قربها ، فارتويت وانتشيت ، دخلت في ذلك الدخان الكثيف فطار عقلي من الخدر الذي غلبني . حبست أنفاسي في داخلي ، وأغلقت عينيَّ على ما أنا به من نِعم ، ورجوت الله ألا أخرج مما أنا فيه . ***** كم من الوقت مر .. كم من العمر انقضى وأنا هكذا .. لا أدرى ، فالأيام السعيدة لا ليل ولا نهار لها ، كل ما فيها إحساس بالراحة والفرح ،كأنك خارج الزمن . ***** جلست في حضرتها وحكيت لها عما كان من أمري ، ومن حالي ، وعما مررت به في مسيرة حياتي ..فتحت حقيبة أحزاني بين يديها ، رويت لها ما لم أكن قادراً على البوح به من قبل ، فضحكت في وجهي وربتت على ظهري ، فشفيت من حزني وتبخرت شجوني في ذلك السحر الذي يحيط بها . سألتها : -كيف لم يرنى الناس في مدينتك ؟ فضحكت وقالت : - أنت قادم لي وحدي . وروت لي ما كان من أمر أمها معها ، حكت لي ما لم أسمعه من قبل ..كانت حكاياتها كالأساطير التي لم أعرف عنها شيئاً ، وكنت مندهشاً إلي أقصى حد بتشويقها وطريقة سردها التي كانت تلقائية كأبرع ما يكون الحكى ، الذي يصيب العقل والقلب في آن واحد . ***** من قبل كان اهتمامي بالعِلم يحملني بعيداً .. بعيداً فيما وراء الواقع ، وكانت أمواج الحياة تعلو بي بسرعة ، وتنخفض بأقصى ما يمكن ، كبساط يتقاذفه الريح هنا وهناك ، فلا أقدر على الثبات أو الإمساك بشيء واقعي يعيدني إلي الأرض . ***** جلست فوق التل وشردت بعيداً .. عاد رأسي إلي موطني ، فوجدتني كما أنا .. لا شئ تغير ، ولا شئ حولي سوى حكايات يتناقلها الناس بعيون مدهوشة ، وملامح متعجبة من ذلك الفتى الذي صال وجال في رحاب الملكة . ***** كنت هائماً وشارداً لا ألقى بالاً لأحد ، أطير في مشيتي وكأنني لا وزن لي ، ولا قيد يلزمني بالركون إليه . ***** عدت إلي الملكة فوجدتها حائرة ومرتبكة ، سألتها عما بها فأمعنت في صمتها ثم فاجأتني بضحك هستيري ، حاولت أن أُسكتها ، وأقف على حقيقة الأمر فلم تستجب . رأيت الضحك و هو ينتشر مع الدخان و يصعد إلي السماء ، رأيت المدينة كلها تضحك وراء ضحك الملكة ، وسمعت الجواري وهن يمسكن آلات الموسيقى ، يعزفن ويغنين ، رأيت جو المرح والحبور وقد خيم على المدينة ، ملأ أزقتها وحواريها وشوارعها . ***** أعلنت الملكة أنها ستُزف إليَّ في تلك الليلة ، فأغمى علىَّ من الفرح ، ومن وقع الخبر وسرعة إعلانه . ***** وبمجرد أن عدت إلي الوعي ، لم أجد التل ، ولم أجد الملكة ، ولم أشم تلك الرائحة التي خدرتني . وجدت السفينة التي بها أهلي ورفاقي في الميناء تتأهب للرحيل ، فوقفت على الرصيف أتأملها وهم يحثونني على الصعود إليها ، وجدتني بلا إرادة منى أستدير إلي الخلف متجاهلاً نداء السفينة ، أعود إلي تلك المدينة ، وأبحث عن طريق يؤدى إلي ذلك التل الذي لا أراه ، وأتبع تلك الرائحة التي ما زالت عالقة بصدري ، أصول وأجول في الشوارع باحثاً عن الملكة التي لا أعرف الطريق إلي بيتها ، ولا يعرفه أحد من الناس الذين قابلتهم في كل اتجاه سلكته . ***** أصبحت أسيراً لما يمليه على هواي ، باحثاً ، وناسكاً ، وزاهداً ، لعلى أعثر على ممر يؤدى إلي ذلك السرداب المليء بالأسرار في ثنايا القلب . *****
__________________
[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] |
|
|
|
|
#2 |
![]() ![]() تاريخ التسجيل: Mar 2004
الدولة: ليبيا
المشاركات: 1,071
![]() |
مشاركة: البحث عن ملكة .... قصة: محمد العشرى
تتوالي الروائع علي أطياف ....
أيها الجميل جميلُ أن نراك مرة أخري ....
__________________
وَلأِنَّي أُحِبُّكَ قَرَّرْتُ الصَّفْحَ مِرَاراً وَآثَرْتُ أَكُونُ فِدَاء!! |
|
|
|
|
#3 |
![]() تاريخ التسجيل: Jun 2005
الدولة: جمهورية مصر العربية
المشاركات: 219
![]() |
مشاركة: البحث عن ملكة .... قصة: محمد العشرى
محاولة للتعامل مع نص جديد للعشرى المبدع : محمد العشرى تحيتى وأمنياتى بإبداع عظيم كأن رحلة الحياة تشبه الحلم ، لا أقول تشبه الفانتازية .. إنها حلم .. تبدأ بعدم المعرفة ( وقفت السفينة فى الميناء الذى لا نعرفه ، ونعرف أهله ) - ثم يأتى الانسلاخ عن الجماعة ، ربما ليحقق حلمه الذاتى - والحياة لانكوص فيها ، والبطل يعرف ذلك ويصرح به ، مع وجود التاريخ الشخصى يحمله ويلاحقه رغم مسيرة الحياة للأمام دائما . - هل الملكة هى الحياة ؟! رغم أن البعض يعيشها إلا أنه يحياها .. يحاول البطل تنبيه الرجال إلى حقيقتها ، أو رؤية الجانب الآخر لها ، ولكنهم ينغمسون فى قيدها .. البيع والشراء ، دون التعرف على الجانب الآخر لها ، جمالها ، ورونقها ، وهو يحاول اجتلاء أسرارها ، ويبدأ يومه ، إنه يصطدم با لميتافزيقى يحيره ، ويؤرقه بين إقبال ، وإدبار ، علامة من علامات دهشته وحيرته ، ماهذا الدخان ذو الرائحة النفاذة التى تخدر الحواس ؟! كأن البداية تلتقى بالنهاية .. نص يمتلىء باحتمالات متنوعة مع ذلك ، وهو فى شمول معرفيته يعطى القارىء حرية التحليق والولوج إلى سماء النص لا أرضه . المبدع : محمد العشرى فى هذا النص يتكىء على تراثه من نصوص ألف ليلة ، والحكايات العجيبة فى البلاد الغريبة .. لا تأثرا لغويا كما نرى عند كثيرين من الكتاب ، أو تأثيرا للجو التى تعطيه ألف ليلة خاصة ، ولكنه الهضم الواعى لهذا التراث ، ثم الكتابة الجديدة التى تضع لها ناموسا جديدا ، ولغة جديدة ، وتفكيرا جديدا فى تناول العالم .. تهنئة خالصة للكاتب المبدع محمد العشرى مع تقديرى واحترامى محسن يونس |
|
|
|
|
#4 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: Dec 2002
الدولة: الرياض
المشاركات: 11,787
![]() |
مشاركة: البحث عن ملكة .... قصة: محمد العشرى
ابداع في الكتابة...من محمد العشري
تسحر القاريء في متابعته وتحليل رائع من محسن يونس فالشكر لكما.... استمرا في الابداع لنتعلم منكما
__________________
[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] |
|
|
|
|
#5 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() تاريخ التسجيل: Dec 2002
الدولة: KSA
المشاركات: 6,991
![]() |
مشاركة: البحث عن ملكة .... قصة: محمد العشرى
محمد العشري
توضأت من أريج حروفك .. وفانتازيا خيالاتك الخصبة وهذا الإبداع المتألق والنسيج الملتحم فيما بين التصوير الجميل .. والسرد الأجمل دمت مشرقاً باتجاه صحراءنا
__________________
نحن نختار حتى أحزاننا |
|
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
![]() |