أعـــود ..
حيث يعود كل مشتاق ..
وأهلوس بما يجود به قلمي
على صدر الأوراق ..
أحبتـــــي الأفاضل ..
كل يوم أقترب فيه منكم أكثر ..
وتقل غيبتي عنكم أكثر ..
وتحفني السعادة الغامرة ..
وأنا أتلذذ بنسائم حروفكم ..
وأحتسي روعتها بما أقرأ ..
أحبتـــــي الأفاضل ..
محاولة قصصية .. خرجت من قلمي منذ
عدة شهور ..
اشتاقت لأعينكم الصافية ..
فقررت التمرد والخروج عن الأوراق !!
تحكي حالة بدأت تتخلل لمجتمعنا للأسف ..
أحاول أن ألفت النظر إليها بقلمي الصغير
وحروفي الخجله من العمالقة ..
أحبتـــــي الأفاضل ..
لم يعد لي أن أقول .. سوى أني أشتاق لحروفكم
كما تشتاق أوراقي للتمرد ولأعينكم الصافية ..
كلي أملي .. أن أنال جزأ من رضاكم ..
وأن أسمع بكل صراحة الرأي والنقد ..
أحبتـــــي الأفاضل ..
عذرا لأني أطلت عليكم .. كما يطيل الشوق
على قسمات وجهي المرهق !! ..
فتقبلوني بسعة صدوركم .. التي هي ملجأي
بعد اللــه ..
أترككم مع الحكاية ..
يوميـــات الحـــزن العـــــادي ..
على نفس حالها بقيت دامعة العين حتى وهي تجلس على مقعدها عند مصففة الشعر .. كانت أمها تلهيها بأي شيء .. تمنيها بالأحلام .. تصور لها جنة حنان .. وضياء مستقبل بين كفيها .. وقبل هذا وذاك لا يغيب عنها ذكر ما سيكون في ملكها يوما من الأيام ..لكن ذالك لم يسكت طفلة الأربعة عشر ربيعا .. عفوا .. ليست طفلة منذ هذه الليلة .. ستغدو سيدة بالرغم من أن مجرد حروف هذه الكلمة ثقيلة على عمرها ومفزعة لها ..فهي نفسها لا تعي معناها.. ولا تعرف ما لها وما عليها .. وبالرغم من دموعها التي لم تتوقف عن السيلان لم تتخلى أم (نادية) عن عزيمتها في الإسراع بتجهيز فتاتها لزوجها أو لمشتريها إن صح التعبير ..
على الطرف الآخر كان (علاء) ابن سعادة السفير مبتهجا بليلته .. ويخطط فيها لكل ملذة
فهذه التجربة الأولى له.. ليس في الزواج وإنما في الزواج على سنة الله ورسوله .. لا يستطيع أحد أن ينكر مدى وسامة (علاء) ولكن لا يستطيع أحد أن ينكر أيضا أنه يخفي خلف وسامته أسنان ذئب .. كان ابن سعادة السفير يظن أنه سيستطيع أن يغير عاداته ويتنازل عن نزواته وقد اعتقد أنه سيتحمل رؤية وجه نادية كل ليلة في فراشه على خلاف عادته في التبديل والتغير .. ولكنه نسي أن زواجه منها تعني مسؤولية .. وتعني على خلاف العادة أن يزرع طفلا في رحم امرأة ليخرج ويعكر صفو سكونه كما اعتقد ذالك ..
وعلى النقيض من( أم نادية) ..كان( العم فرج )والد العروسة مسود الوجه دامع العين كظيم .. كأنه حمل هموم الجبال .. فقد أرغم على هذه الصفقة تحت قوة سطوة زوجته التي تعشق أبناء الفلس والدينار وتهيم في ألوان الذهب وتسعى في طلب المال كما يسعى العابد للجنان..
وما هي إلا لحظات حتى تقدمت( والدة نادية) صوب ابن سعادة السفير وأومأت إليه أن العروس جاهزة لجلوتها .. وبدأت مراسم الجلوة ..حينها توقفت (نادية) الطفلة عن البكاء .. فقد أبهرتها الأضواء وشتت فخامة المكان ما بها من الكدر .. وانقضت الليلة على خير حال في ظاهرها ..
تتابع الليل مع النهار وأسرعت عجلة الزمان .. وانقضى على زواج (نادية) شهران كانت خلالها على أحسن ما يكون وأسعد حال .. وسر سعادتها يكمن في أنها فهمت لغة أمها .. المال والهدايا .. أما بالنسبة لمشاعرها فلم تكن تحفظ في قلبها لعلاء سوى قيمة الهدايا التي يتحفها بها .. أما (علاء) الذي تعود على ألوان الملذات تاضيق وتتململ فهو لم يعتد على رؤية وجه واحد ولون واحد .. وبدأ يعود على حاله قبل ذالك .. سعادته القديمة ويرجو كأسه التي تلعب برأسه .. بالنسبة لنادية لم يكن الأمر هاما لها .. فهي على أية حال تحظى بهدية قيمه في عودته ..
لكن الذي تغير بالنسبة لها هو شهرها الثالث .. ففيه بدا جنين يمتد في أحشائها .. والطفلة الأم لم تعي يوما ماذا تعني الأمومة ؟! أما(علاء) فقد شعر أن ذالك الجنين سيكون قيدا في حياته .. لكنه اظهر فرحة باردة كالثلج من اجل( نادية ).. فهي بالواقع الوحيدة التي استطاعت أن تهز جزأ من أعماقه بطفولتها ..
وفي أحد الليالي .. كان ابن سعادة السفير يقود سيارته بنفسه وقد لعبت الخمرة برأسه فأصبح يتموج في قيادته تموجا أدى به إلى حادث بشع المنظر .. وحين نقل إلى المشفى قاموا بأخذ عينة من دمه ليعرفوا فصيلتها ويمدوه بمثلها ..وهنا كانت الطامة الكبرى .. وهنا كانت نتيجة العبث الذي ملأ به عمره .. حزن الجميع على وسامة هذا الشاب وعلى عمره الضائع ..
شاب بمقتبل العمر مصاب بالإيدز أمر خطير ..أتم الأطباء الأمر واستدعوا سعادة السفير ليخبروه بالحقيقة المرة .. التي لا تجيد أموال سعادة السفير منعها وإلغائها وللأسف فقد كان علاء في مرحة متقدمة من المرض مما استدعى أن يوضع في الحجر الصحي حتى يرحمه الله .. وبالتأكيد كانت صاعقة على ( نادية ) وذهبت مجبرة لتحليل عينة من دمها الذي كان ببداية مرضه .. حينها أنكرها سعادة السفير ورماها إلى أهلها ومعها حفنة من المال لا تخلصها مما هي فيه ..
هنا حطت الكارثة على رأس أمها .. مدبرة الصفقة الشنيعة .. فذهبت عنها السكرة وحضرتها الفكرة وولدت بها الحسرة ماذا تفعل بفتاتها الملوثة وكيف ستتصرف ببطن ابنتها المنتفخ وما يحويه وهو على وشك الخروج لدنيا أجبرته أن يكون ملوثا ؟! وأحاطت بها جدران الندم التي لم تنفعها وتجرعت كـؤوس الألم التي لم ترحمها ..واضطرت الشابة البهية ( نادية ) أن تتردد على المكان المشبوه الذي تخيم حوله أشباح الموت .. مركز مكافحة الإيدز.. لم يكن المرض سريع الظهور عليها .. وكان من الشاق عليها أن تتردد على المركز المشبوه بعد أن وضعت مولدتها الملوثة اليتيمة .. لكنها كانت مجبورة على كل فعالها .. فقد سرقت الحياة بسمتها بسرعة وأعطاها القدر هذا النصيب الذي لا تعلم له سبب أو ذنب اقترفته .. لكنها إرادة الله النافذة في مخلوقاته .. وقد شاء الله أن يجمع بينها وبين ملوث بالمرض ولكنها مثلها برئ من سببه وتم بينهما الزواج ليعجل كل منهما بأجل الآخر حتى ساءت حالتهما وأحيلا إلى الحجر الصحي .. أما البريئة الملوثة .. التي لم يرحم فيروس المرض صغر أعضائها كانت (صفاء ) ابنة ( نادية ) .. ( صفاء ) الطفلة التي حملت في وجهها البريء أروع ملامح الطفولة الجميلة
المحرومة من حلم العيش إلى الغد .. ( صفاء ) التي لا يورث النظر إليها سوى الحسرة والمرارة ( صفاء ) التي بدا المرض ينهش فيها ويحرمها اللعب مع مثيلاتها .. ( صفاء ) ذات العام ونصف أصبح تحت عينيها هالات سوداء .. وأصبحت بشرتها صفراء كالأرض الجرداء لا تنذر إلا بالموت .. ويستمر المشهد يوما بعد يوم وكل ليلة .. تمسح الجدة بيدها على شعر حفيدتها حتى يهدأ عليها الوجع وتنام وتمسح بيدها الأخرى دمعة لم تنتج إلا من صنع يديها .. فقد أورثت التعاسة لابنتها وحفيدتها بما اقترفت وأصبح مشهد الحياة القريبة من الموت مألوفا بين جنبات جدران ذاك البيت وأصبح الحزن عادة معتادة ..وأمنيات لا تستطيع الألسن نطقها ولكن تغنيها قلوب كل من رأى تلك الطفلة أمنية تدعو لها بالموت فربما هو أرحم من مرضها ومن يوميات الحزن العادي ..
النـــهاية ..
للأمانـــــــــة الأدبيــــة ..
ولكي تكون الذمة صافية لله ..
مخلصه في عملها ..
فإن العنوان قرأته على أحد كتب الشاعر
( محمود درويش ) وكانت رواية بهذا العنوان
لكنها تختلف تماما في مضمونها عما كتبت ..
من منشورات دار العودة ببيروت ..
لذا فإني أشتــرك معه بالعنوان فقط ..
وأما البقية فهو من أفعال قلمي الصغيــر ..
لكم كل الشكر على وقتكم الثمين ..
وإلى لقاء آخر .. مع مودتي وأشواقي ..
أختـــكم ..
وحـــــي القلمـــ ..