المفكر الكبير تركي الحمد في المقال التالي يثير الكثير من التساؤلات حول بعض البداهات والمسلمات التي أصبحت في بعض المواطن جزءا من ثقافة المجتمع الذي سلم بها تحت سطوة العادة والتقليد:
تركي الحمد............الشرق الأوسط
سلطان المفاهيم
في أحد برامج المسابقات الثقافية التي تكثر هذه الايام، كان السؤال حول ماهية شاعر «إباحي» عربي كبير، وكان هنالك العديد من الخيارات امام المتسابق الذي اختار اسم أحدهم، وكان هو الجواب الصحيح الذي صاح به مقدم البرنامج، مهنئا المتسابق على «ثقافته» وعلى المبلغ الذي حصل عليه.
حقيقة الامر توقفت كثيرا عند هذه النقطة، وبدأت تساولات غير بريئة تحوم في الرأس: من الذي قرر ان هذا الشاعر هو شاعر اباحي، ومن الذي حدد وفرق بين الاباحية والفضيلة، او لنقل الفضيلة والرذيلة في هذا المجال؟ من خلال هذه المسابقات وغيرها من امور الحياة، نجد دائما ان هنالك نوعا من الاتفاق حول امور معينة، ومسلمات محددة، لا يرقى اليها الشك، رغم ان الشك هو الحاضن لمثل تلك المسلمات، ومن ضمنها تقرير بالاحكام حول هذا او ذاك، او التسليم بهذا المعنى او ذاك، لهذا المفهوم او ذاك. امور تبدو وكأنها من البداهات او من طبائع الامور. فابن برد زنديق، وابن عبد القدوس ملحد، وابو نواس ماجن، وابن المقفع مانوي، وهكذا. ليست المسألة هنا هل تنطبق هذه الصفة او تلك على هذه الشخصية او تلك، بقدر ما أن التساؤل يدور حول من يقرر، ومن يحكم، ومن يصف، ومن يصنف.. والقضية الاكبر التي يثيرها مثل هذا الموقف البسيط ان الامر يتجاوز الشعر والشعراء، الادب والادباء، والعلم والعلماء ليدخل في كل تفصيل من تفاصيل حياتنا، فيكون من المسلمات والبداهات ان يكون هذا السلوك فاضلا وذاك منحلا، أن يكون هذا الموقف إباحيا، وذاك ملتزما، دون ان يكون هنالك تساؤل حول من حدد الالتزام ومن قرر الاباحية. صحيح ان كل مجتمع من المجتمعات، وكل ثقافة من الثقافات تحكمها مجموعة من البداهات الاجتماعية والمسلمات الثقافية، ولكن ذلك لا يعني ان هذه «البداهة» او تلك «المسلمة» هي حقيقة بحد ذاتها، بقدر ما يعني ان العادة قد جرت، والتقليد قد سار على ان هذه بداهة وتلك مسلمة، ولكن لا العادة ولا التقليد جزء من الحقيقة المجردة.
وصحيح ايضا ان المجتمعات والثقافات لا تعيش تاريخيا الا بحكم عادة او مسلمة تقليد، وتحت رعاية بداهة معينة ومسلمة محددة، ولكن المشكلة هي في استمرار سطوة العادة والتقليد، البداهة والمسلمة الاجتماعية حين ينتفي الظرف الاجتماعي التاريخي الذي خلق العادة وانشأ التقليد وفرض المسلمة، فيتحول كل شيء في الثقافة والمجتمع الى أسير لمثل هذا الوضع، وذلك على حساب ذات المجتمع وذات الثقافة، من حيث التحول الى جمود ـ كبركة ماء آسن.
والسلوك البشري بصفة عامة انما يقاد بتصورات ذهنية مبدئية عن المعنى، والحقيقة فيما حولنا وفيما نتعامل معه وبه، وذاك يتجسد في النهاية عادة او تقليدا او بداهة او مسلمة اجتماعية، او لنقل حقيقة اجتماعية معينة، تفرض نفسها وتتحول الى حقيقة اقوى من ذات الحقيقة. والتصورات الذهنية هي في النهاية مجموعة من المفاهيم التي تتيح القدرة على التصرف والتقرير ومن ثم اصدار الاحكام، المطلق منها والنسبي، رغم انه في النهاية لا يبقى الا المطلق من هذه الاحكام، حتى وان لم تكن مطلقة في جوهرها. السلوك مرتبط بالتصور والمفهوم اللذين يمنحا للاشياء والمعاملات التي لا معنى لها دون تصور او مفهوم. فالبهيمة لا تصور لديها ولا مفهوم، ولذلك فإن سلوكها غريزي الطابع مرتبط بما يجب أن يفعل من أجل استمرارية الحياة: الطعام، الشراب، والجنس، ولا معنى لأي شيء آخر محيط.
القضية إذن ليست فلسفية بحتة لا علاقة لها بفعل او سلوك، بقدر ما انها مسألة حياتية تمس تفاصيل العلاقة بين الانسان والانسان، والانسان والاشياء، وفي ذلك يكون ضرب المثل واجبا. فعندما يصنف العالم، وفقا لتصور معين، الى دارين لا ثالث لهما: كفر وايمان، فان المعنى غير الظاهر لمثل هذا التصنيف هو أن هناك عالمان مختلفان، وهذا شيء طبيعي، ولكنهما عالمان متناقضان، ومن ثم فان السلوك المتوقع والقابل للانبثاق هو ان الصدام في النهاية مسألة وقت وليست مسألة احتمال ضمن احتمالات، وذات الشيء يمكن ان يقال عندما يكون التصنيف مرتكزا على مفهوم او تصور مختلف، ولكن من ذات الطبيعة، كالقول بصدام الحضارات، او تقسيم العالم الى فريق خير وفريق شر، أهل الحرية واهل العبودية، وغير ذلك من تصنيفات نعيش معها وتعيش معنا.
والمسألة ليست قاصرة على الكيانات والقضايا الكبرى، بل هي داخلة في صميم العلاقة بين الافراد انفسهم، فعندما يصنف الافراد، ووفق تصور حصري معين، الى فاضل ومنحل، او وطني وخائن، فان ذات الشيء يكون هو النتيجة المنطقية: فرش الارضية الذهنية لسلوك ناف لكل ما عداه.
في نهاية المطاف، فان المفهوم، النابع من تصور ذهني كلي حول الحياة وطبيعتها، هو الذي يجعل من الاختلاف الطبيعي خلاقا ومثريا للحياة كما في الطبيعة الجامعية، او يحوله الى اختلاف مدمر ناف لكل جمال ودينامية في الحياة. إن تقسيم العالم الى عالم كفر وعالم ايمان، او عالم الخير وعالم الشر، شيء مناقض لأن تقسيمه الى «ذكر وانثى»، وشعوب وقبائل لتعارفوا، وكل ذلك انما يتحدد بالمفهوم المنظور من خلاله الى العالم، ومن خلال التصور الذهني الذي تتحدد المعاني بمقتضاه.
قد يحتج البعض هنا، وهو احتجاج صحيح، بأن المفهوم وأرضيته من التصور الذهني، انما تستند في النهاية الى مرجعية معينة، ثقافية كانت هذه المرجعية او غير ذلك، ولا حياة لكيان بدون «مرجعية»، والا فانها العدمية المطلقة. قد يكون ذلك صحيحا، وهو صحيح الى حد بعيد، ولكن حتمية المرجعية للثقافات والكيانات لا تعني ان تلك المرجعية أحادية المعنى، وحيدة التفسير، ذات درب واحد لا درب غيره. فالمجتمعات والثقافة الغربية مثلا ذات مرجعية تجد جذورها في العالم والعلمانية، الفردية والحرية، فكرة التقدم واخلاقيات العمل، ولكن ذلك لا يعني ان هنالك معنى واحد لكل هذه الاشياء التي تتكون منها المرجعية. فبالاستناد الى ذات المرجعية يمكن ان ينتقد السلوك السياسي الاميركي مثلا، وهو المستند الى ذات المرجعية وفق تأويل مختلف. والمرجعية الاسلامية مثلا، تتيح لك ان تكون مرجئا او خارجيا وما بينهما، والكل يستمد شرعيته من ذات المرجعية، ولكن سطوة المرجعية تأتي في حين تستند الى قول واحد لا قول بعده، كأن تجعل اميركا من نفسها الممثل الوحيد لليبرالية، او ان تقول ايران بأنها صاحبة الاسلام الذي لا صاحب له غيرها، وعلى ذلك يمكن القياس. المفاهيم والتصورات الذهنية المحددة للسلوك في النهاية، قد تكون منتهية الى ذات المرجعية، ولكن ذلك لا يعني ان تكون بذات التكوين او ذات التوجيه. ففرق كبير بين مفهوم «التعارف» ومفهوم «وقاتلوا» رغم ان المفهومين ينتميان الى ذات المرجعية، ولكن التأويل، والتفسير، والظرف.
وفوق ذلك كله الاختيار: هل نبحث عن التكامل ام نبحث عن الصدام، وهذا هو سؤال العصر، وأقصد به عصرنا نحن.