[size="5"]
: اسمح لي
( قالها صديقي (عاطف) و هو يرحل حاملا حقيبة سفره، يحتضنها لعلها تمنحه شيئا من الدفء في ليل الغربة البارد،قلت مودعا بينما أنا مستندا إلى باب الشقة)
: و عليكم السلام ، ألم يكن من الأفضل أن تبيت معي الليلة ؟
للنهار عينيان
: أحب السفر ليلا كما تعلم ، كما أنني أبلغتهم بالمبيت معهم الليلة ، سلام
: كما تريد ، و عليكم السلام
( أغلقت الباب جيدا خلفه
ولجت إلى دفء سريري ألتمس الراحة فلقد كان يوما شاقا
مالبث الدفء أن سرى بأطرافي الباردة الصلبة
حتى رحت في سبات عميق
فجأة
أحسست يدا تهزني ، توقظني
صوت صديقي عاطف قادم إلي من بعيد )
: محمــــــــد، محمــــــــــــــــــــد
( حاولت تجميع شتات الذاكرة المتناثرة هنا و هناك
لقد أغلقت الباب خلفه ، نعم
لقد رحل إلى البلد
نعم ، أنا واثق من أنني أغلقت الباب خلفه
كما أن عاطف لا يملك مفتاحا للباب ، رددت رغم قناعتي بسفره ، لكنني رددت كي أخرس هذا الصوت الذي يحاول التحرش بهذه الراحة التي بدأت تسلل إلى ثنايا جسدي المنهك )
: ماذا تريد ؟ دعني أنام فأنا متعب
: قم ، قلت لك قـــــــم
( التفت إليه مذعورا
فإذا به صديقي عاطف
فركت عيناي
ما هذا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
لا ليس بعاطف، هاتان العينان ليستا عينا عاطف
نعم هو عاطف طبق الأصل شكلا
لكن من أين له بهذه النظرة الشيطانية النابعة من عينين مائلتين لأعلى ذات حواجب الكثيفة ؟ )
: من أنت ؟
( ضحك ضحكة إرتجت لها جنبات الدار )
: ها ها ها ها ها ، ألا تعرفني ؟
: من أنت ؟ أنت ...............
( ضحك ثانية ‘ أغمضت عيني و أغلقت أذني
تمتمت)
: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
قل أعوذ برب الناس
قل أعوذ برب الفلق
الله لا إله إلا هو الحي القيوم
( لملمت ما تبقى لدي من شجاعة
فتحت عيني فجأة
وجدته أمامي مبتسما )
: أنا مسلم، ها ها ها ها ‘ نعم مسلم ، أي أنني أحب سماع القرآن ،
و مهما تلوت من القرآن فلن أرحل ، بل إنك بهذا تزيدني سعادة ها ها ها
( قمت مسرعا، اتجهت إلى دورة المياه أغسل وجهي بالماء البارد ،
لعلي أفيق من هذا الكابوس ، نظرت إلى المرآة كي أتيقن أنني مستيقظ ، نظرت لصورتي خلال المرآة ،
صفعت وجهي ، نعم مستيقظ ، و إذا بظل خلفي يقتحم الصورة في المرآة ، ما لبث أن تبدل إلى وجه (عاطف) ،
أغمضت عيني ، نعم إنه كابوس ، تحسست طريقي إلى المطبخ ، تحسست زجاجة الماء ، رفعتها أفرغ ما تبقى بها ،
لعلي ما زلت نائما ، فتحت عيني ، وجدته أمامي يضحك )
: ها ها ، صدقني أنت مستيقظ
( ترتعد أوصالي ، أنتفض )
: لا تخف
: نعم لا تخف ، نعم
( رويدا رويدا بدأت أستسلم للواقع )
: قلت لك لا تخف
: نعم، نعم، يبدو أنه لا فائدة
: نعم لا فائــــدة ، ، فإنما جئتك في مهمة رسمية
: و مالي أنا و ما لكم ؟ و ماذا تريدون مني ؟
: لا شيء سوى أننا نعتقد أنك الشخص المناسب
: مناسب لماذا ؟ لماذا أنا بالذات ؟
: لدينا أسبابنا ، المهم هو أنك المنوط بهذا الأمر كل ما عليك أن تأتي معي
: إلى أين ؟
: فلنذهب أولا من هنا و سأحكي لك الموضوع برمته خلال الرحلة
( وجدتني محمولا على ظهره طار بي عاليا ثم هبط فجأة لأسفل حتى ولجنا في ظلام دامس ،
بعدها وجدتني داخل غرفة مظلمة إلا من رجل ذو لحية بيضاء كثيفة
له نظرة تفر العيون منها فرا لثقابتها التي ترتعد لها القلوب
تحاشيت النظر إليه ، كنت حريصا على عدم رفع بصري إليه مهما كلفني الأمر
كانت أمامه امرأة نائمة فوق الأرض
تكلم هذا الرجل بصوته الجهوري الذي ارتعد له قلبي
: هل جئت به ؟
: نعم يا شيخنا نعم ، ها هو
( وجدته يناديني باسمي و اسم أمي )
: تعال يا محمد يا ابن ستوتة
( من أين عرفني و عرف اسم أمي ؟ اقتربت ينتفض جسدي انتفاضا )
: نعم ، أمرك يا شيخ
:هل تعرف هذا الصوت ؟ ( نظر إلى المرأة النائمة أمامه و كأنه يكلم رجلا داخلها ) أمازلت موجودا ؟
( رد صوت رجولي من داخل المرأة )
: نعم ما زلت موجودا
( ما هذا ؟هذا الصوت أعرفه جيدا ، نعم إنه صوت أخي الصغير أحمد )
( سألني الشيخ )
: هل تعرف هذا الصوت ؟
: نعم إنه صوت أخي الصغير
: لهذا أتينا بك ها هنا ، أطلب منه الخروج من جسدها
: واد يا أحمد ، ما الذي أتى بك إلى هنا ؟ ماذا تفعل عندك ؟
: ليس لك دخل أنت يا محمد بهذا الموضوع
: نعم نعم و الله عال ، و من الذي له دخل إذن ؟ صدقني إذا لم تخرج من عندك لا أنت أخي و لا يخاطب لساني لسانك بعدها
: و لكنني أحبها
: حبك برص ، ألا يوجد غير هذه ؟أخرج و إلا ..........
: لا ، لا ، سأخرج و لكن بشرط
: و ما هو شرطك ؟
: ليس لها دخل بحياتي بعدها لا تؤذيني و لا أؤذيها ، لقد لبستني منذ سنتين ، و خلالهما فرقت بيني و بين زوجتي ، حولت حياتي جحيما
: هل سمعتم ؟
( رد الشيخ )
: من ملأ رؤوسكم بهذا الهراء ؟ أي لبس و مس هذا الذي تدعون أننا نقوم به
: و لكننا نسمع أحيانا عن المس و اللمس و اللبس
ألم تقرأ قول الله تعالى في ( سورة البقرة )
(الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس )
: أيها الأبله
هنا رب العزة يقرب لعقولكم القاصرة صورة آكلي الربا بأنه سيكون بعثهم يوم القيامة كمن ذهب عقله
فلقد كان الناس يقولون لمن ذهب عقله أنه مصروع من الشيطان أو أن به مس من الشيطان
فلقد شبه رب العزة في الآية الكريمة من سورة النور ،
شبه نوره العظيم بمشكاة ليقرب لعقولكم القاصرة الصورة
قـال تـعـالـى : (اللّه نـور السماوات و الارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري
يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لاغربية يكاد زيتها يضيء و لـو لـم تـمسسه نار نور على نور
يهدي اللّه لنوره من يشاء و يضرب اللّه الأمثال للناس و اللّه بكل شي ء عليم )
فأين هذه المشكاة فعلا بهذه الأوصاف التي ذكرها رب العزة ؟؟
هل نأخذ هذه الآية دليلا على وجود مثل هذه المشكاة في الحقيقة
هل من الممكن هنا أن نقول أن رب العزة سبحانه و تعالى ذكرها بالقرآن فهي إذن حقيقة ؟؟
أين عقولكم أيها البشر ؟؟
و إذا كان هذا دليل على المس فما قولكم في الآية الكريمة
قال تعالى على لسان أيوب عليه السلام
( أني مسني الشيطان بنصب وعذاب )
فهل كان أيوب عليه السلام ( معاذ الله ) ممسوسا أو ملبوسا حينها ؟
و ما هو قولكم في المس في الآية الكريمة
قال تعالى
[ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون ]
فهل المقصود هنا أيضا اللبس و المس و اللمس ؟
أفيقوا
و كما ترى أخيك الإنسي هذا هو الذي لبسنا نحن معشر الجن و ليس العكس فأنتم أولى بلبسنا
ألم يقل الله عز و جل في القرآن الكريم
( و لقد كرمنا بني آدم ) أي أن رب العزة سبحانه و تعالى كرمكم عنا نحن معشر الجن
و الدليل أنه عز و جل سخرنا لخدمة سيدنا سليمان عليه السلام
هل سمعت يوما أن الله سخر إنسيا واحدا منكم يا بنو آدم لخدمة أحد منا معشر الجن ؟
: معك حق فأنا لم أسمع عن بشر سخره الله لخدمة الجن لكننا نحن الذين نسخركم ، فهناك من البشر من يسخركم في السحر و الشعوذة
و إيذاء البشر كما تعلم ؟
: ها ها ها ها ، من هذا الخبيث الذي استخف بعقولكم ليقنعكم بهذا ؟
لم يسخرنا ، و لن يسخرنا أحدا إلا بإذن الله عز و جل
: إذن هناك من يسخركم بإذن الله
: نعم ، و لكن من ؟ نبي الله سليمان عليه السلام فقط لا غير
: و غيره ؟
: لا طبعا ، بدليل دعوته عليه السلام عندما دعا ربه
( رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي )
فهل تعتقد أيها الإنسي بعقلك الصغير هذا
أن رب العزة لم يستجب لدعوة نبيه سليمان عليه السلام ؟
و جعل لمن بعده من البشر العاديون
و ضع مائة خط تحت كلمة العاديون و ليسوا الأنبياء
ما اختص به سليمان عليه السلام ؟
و إذا كان رب العزة ( و حاشا لله ) لم يستجب لسليمان عليه السلام
لكان الأولى بتسخيرنا من بعده الأنبياء ، أليس كذلك أيها العاقل ؟؟؟
: معك حق ، و لكنني أعرف جيدا أناس يسخرون الجن فعلا ، ببلدنا
و بلاد أخرى بالجوار
: أهم مسلمون ؟
: نعم مسلمون
: لنفترض جدلا أنهم كما تقول
و أنهم يملكون تسخيرنا كما تزعم أيها المغفل
(سليمان عليه السلام) عندما آتاه الله عز و جل هذا ( الذي لا ينبغي لأحد من بعده) ماذا فعل ؟
ملك الدنيا من المشرق إلى المغرب
حتى كان أحدنا معشر الجن يقول له بأنه يستطيع أن يأتيه بعرش (بلقيس) قبل أن يقوم من مقامه و الآخر يأتيه به قبل أن يرتد إليه طرفه
فماذا فعل سفهاؤكم ؟
هل جعلوا العرب و المسلمين يملكون الأرض من المشرق إلى المغرب ؟
هل يقدر أحدهم أن يسخر جنيا واحدا فقط منا معشر الجن و يجعله يحضر له مثلا ( قنبلة ذرية واحدة من تلك التي تمتلكها إسرائيل )
ها ها ها ها
( يتبع )]