نقلا عن صحيفة دي فيلت الالمانية :
عندما ستغادر القوات البريطانية في شهر مايو القادم مدينة البصرة في جنوب العراق، سوف يتم الإحتفال بذلك كنجاح على طريق دولة عراقية مستقرة. ولكن في الحقيقة يخشى الضباط البريطانيون أن تستولي إيران على مقاليد الأمور هناك. فمنذ أكثر من سنة هناك مؤشرات إلى أن الحرس الثوري الإيراني يدعم الميليشيات الشيعية، جيش المهدي وقوات بدر بالتقنية والتدريب والسلاح والمال، وأن العبوات الناسفة الغالية الثمن تأتي من إيران ليسقط جنود بريطانيون ضحايا لها. وتعزى دقة واحترافية الهجمات ضد قوات التحالف والعسكريين العراقيين بمدافع الهاون والصواريخ على الأرجح إلى التدريب الإيراني. القوات الأمريكية ألقت القبض قبل فترة وجيزة على خمسة إيرانيين في شمال العراق بتهمة أنهم رجال اتصال بين الحكومة الإيرانية والميليشيات. الميليشيات كانت قد تغلغلت إلى حد كبير في الشرطة والجيش في البصرة، والأمر ذاته يسري على بغداد، لكن المصالح في الجنوب ليست نفسها كما في العاصمة. التركيبة في المعسكر الشيعي غير متجانسة، فهناك حملة لسياسيين محليين يطالبون أن يكون للجنوب إستقلالا كالذي يتمتع به الأكراد في الشمال. لذلك يعتقد العسكريون البريطانيون أن صراعا على النفوذ في البصرة سيندلع بين الشيعة كسلطة مركزية من ناحية وبين المجموعات الشيعية الإقليمية التابعة لإيران من ناحية أخرى، فالموضوع يدور حول كميات هائلة من النفط. والسنة في البصرة البالغ عددهم 200 ألفا عليهم أن لا ينتظروا خيرا. وحسب تقارير بريطانية فقد تم تنظيمهم وتسليحهم من قبل المملكة العربية السعودية على عجل. فالخوف يدب في النفوس أنهم سوف يشردون من البصرة من قبل الشيعة في جنوب العراق بمجرد انسحاب القوات البريطانية. ونقلت محطة إن بي سي التلفزيونية الأمريكية عن مصدر حكومي سعودي لم تسمه أن الرياض تأخذ بالإعتبار إرسال قوات سعودية إلى العراق للدفاع عن السنة ضد الهيمنة الشيعية. إن مسألة النفوذ لن تقرر في البصرة. فحسب رأي النقاد السنة فإن المعركة قد بدأت في بغداد لتضمن السلطة والنفوذ لصالح الشيعة بشكل نهائي في العاصمة، وسيزج فيها الجيش العراقي برمته تقريبا -12 فرقة عسكرية – باستثناء فوجين كرديتين فإن غالبية الجيش من الشيعة، وإضافة لذلك تأتي الفرقة العسكرية الأمريكية لتقف ضد إرادة الحكومة. الهدف هم الإرهابيون، أي السنة وكذلك الميليشيات الشيعية. الأخيرون يبدون غير خائفين كثيرا، وصحيفة الزمان نشرت تقريرا بأن زعيم جيش المهدي مقتدى الصدر قد صدر أوامر إلى ميليشياته بعدم المقاومة وأنه من الأفضل للأفراد تسليم أنفسهم في الحالات المشكوك فيها، لأنه سيتم الإفراج عنهم بعد فترة وجيزة. وكذلك ذكرت الصحيفة أن القادة ذوي الرتب العالية قد لجأو إلى إيران أو إلى الجنوب، وفي الأحياء الشيعية في بغداد اختفت ملابس جيش المهدي السوداء وكذلك نقاط السيطرة كما تم إخفاء الأسلحة، وتوارى الجميع عن الأنظار في أزياء مدنية. إنهم السنة الذين يترقبون وطأة وعنف الهجوم، فقبل يومين قتل أكثر من 100 شخص من خلال اعتدءات بالقنابل. وحسب رأي المراقبين كانت خطة الهجوم على بغداد هي التي استنهضت السعودية على إعلان ذلك الإنذار أن العالم العربي سيتدخل ليقف إلى جانب سنة العراق. ولعل المبادرة الأمريكية المكثفة في بغداد هي من أجل تهدئة الشكوك السعودية. وهناك فصل آخر للخطاب في مدينة النفط كركوك شمال العراق، ففي نهاية العام سيقرر استفتاء عام فيما إذا سيتم ضم المدينة إلى المنطقة الكردية المستقلة أم لا. وهذا ما سيجعل دولة كردية مستقبلية قادرة على الحياة. تركيا أوضحت أنها لن تتغاضى عن ذلك، والبرلمان التركي يناقش خطط تدخل معينة. وحسب استطلاع للرأي في تركيا، يؤيد 78% من الأتراك التخل العسكري في العراق، وقد أعلن أوردوغان أن موضوع العراق يحظى بالأولوية وأنه أهم من التقارب مع الإتحاد الأوربي. وقد تم في الأسابيع الماضية عقد لقائين في تركيا بين سنة وشيعة عرب وتركمان من كركوك، وأجمع المشاركون على أن المدينة يجب أن لا تصبح كردية وأن الشعب العراقي بأجمعه يجب أن يشارك في الإستفتاء العام حول موضوع كركوك. وحتى الآن في النية مقاطعة الإستفتاء العام. كركوك في الواقع قد أصبحت كردية بسبب نزوح 200 ألف كردي إليها، وهم يعتبرون عائدين كانوا قد هجروا من قبل نظام صدام. وحسب رأي المجموعات العرقية الأخرى فإن عدد العائدين أكبر بكثير من العدد الذي كان قد تم تهجيره. والوضع في كركوك هو أكثر اضطرابا منه في المناطق الأخرى من العراق، فالقتل وعمليات الإختطاف كثيرة والكثير من الفاعلين هم من العرب والضحايا من التركمان الأغنياء. إن العنف المتزايد ضد التركمان يحتوي على عنصر محير، فالعرب سواء كانوا شيعة أم سنة يريدون أن يكون التركمان حلفاء لهم ولكن الأخيرين ليس لديهم اهتمام كبير في ذلك لأنهم لا يريدون إغاظة تركيا كقوة حماية لهم. كركوك، البصرة وبغداد هي ثلاث جبهات في العراق وهناك ستحسم ثلاث معارك. وفي نهاية الأمر سيتحدد كم سيكون حجم الحرب في السنة القادمة. وخبر اتفاق الشيعة والسنة والأكراد على توزيع إيرادات النفط لن يغير من شيء في هذا السياق.