سهيلة والغاوي
لا بأس، أجري وأضاعف الجري.. لن يثنيني شيء ولن يجرفني حائل.. تواصل العدو، وكلما أحست بالظمأ ارتشفت من ورود أحلامها، ومما منَت به نفسها رحيقا سائغا وبلسما شافيا. تكالبت الجروح بلا هوادة.. ولكن حمدت الله أن انفرج أديم سمائها الغائم، وانساب بصيص من نور أعاد الدعة للذات الحيرى وبسط على وجهها رداء الصفاء. انفتح أمامها باب عزَ عليها مفتاحه. ومن أين لمفصولة من شجرة أن تنعم عليها الحظوة الهاربة بمفتاح سحري يشرع في وجهها الباب على مصراعيه، لولا أن زاغ الحظ عن جادة طريقه ونفخ في كيانها سحرا منعشا كأمطار الصيف؟ انتشت زهوا أن ضمن لها بهاء الدين مفتاحا من مفاتيحه السحرية يحفزها على التسلل إلى الحدائق الغناء المزهرة... هنالك في الضفة الأخرى فيما وراء البحار.. ها سهيلة تعدو في غفلة عن العياء.. إنها على وشك الإمساك بحبل متين الفتل، ينتشل من جحيم درب ما مفتوحة فيه غير أبواب الانكسار والاندثار والتلاشي.. وراء أسواره الشاهقة تتأجج نيران الخيبة والهوان، تشوه صورة الآدمي بحروق من الدرجة الثانية.. حقا هذا نصيب سهيلة شحرور وأخواتها في مقبرة الحياة بدرب لاحونا"، ولا مهرب من جحيم أقفاصه المحرقة صيفا، المغرقة شتاء ما دام جواز الولوج إلى عالم الأحياء الحقيقيين بعيد المنال. شمرت الفتاة على ساعد الجد منذ وارت والديها التراب تباعا.. احترق ربيع عمرها، ذبلت أوراق طفولتها الخريفية.. ليال متلاحقات شقت خلالها الأرض بمعاول الكد والصمود، ولو بطعم السم.. طوعت التربة.. روتها بمزيج الدموع والعرق.. أينعت وأزهرت، وحان قطافها.. يا لسوء الخيبة وضنى الانتظار !.. زهد المشتري وسرى الشلل في جسم الحركة بطيئا، مهددا الفاكهة الطازجة بالنفوق والبوار.. ما فتئت تعدو مخلفة وراءها أطياف الأسر المرير تسبح هنالك في الآفاق النائية.. تسابق ظلها متوجسة كحال سجين تجرع سكرات حكم جائر فاغتنم الفرصة وأسلم ساقيه للريح لا يلوي على شيء، خوفا من أن تمسك به يد الرقيب فتعيده لمعتقل الموت.. وعلى ربوة غناء، عند مشارف باب الرحمة، ثوت لحظات تستعيد الأنفاس.. تجتر أطوار التلاقي.. في ذلك الصباح الربيعي الرائق.. في قلب ميرا مار، ذلك الفندق المتماهي على شط البحر. هنالك جلس السيد بهاء الدين الغاوي يترقب حلولها.. أخلص كدأبه لموعد الصفقة. ركن في شرفة الفندق، أمام طاولة الفطور يتصفح جرائد الصباح على إيقاع أمواج البحر المتلاطمة وهبات نسائمه المتدفقة. بدا في جلسته مغمورا بفورة الشباب، مفعما بقوة الشخصية، فضلا عما حازه من حظوة ونفوذ مكناه من خاتم سحري ينطق الأخرس ويبصر المكفوف و.... ذلك ما تناهى إلى علم الفتاة قبل أن تعقد العزم على إبرام الصفقة.. وخرقت أسوار الحي الصفيحي مخلفة وراءها عالم درب لاحونا النائم في قذارته.. شكرت من أعماقها عمي حميدة السمسار رابط خط الاتصال.. خاطبها يوما محفزا "الغاوي شخص لا يشبه البشر يا ابنتي.. حلاَل أعوص المشاكل وفكاَك أعقد النوائب .. منقذ عشرات البراعم من براثن الضائقة والضلال..
وأقبلت عليه تتأبط سلاحا مزدوجا، عملة بوجهين متناقضين؛ ما اتفقا عليه من قيمة نقدية اعتصرت من مزارع القطن الشائكة، وما تسربلت به من بهاء طلعة زانها طرف مكحول وثغر دقيق باسم ورشاقة تحاكي الظبية خفة وسحرا.. كل ذلك نظير أن تجد لنفسها متنفسا في ما وراء البحار. وتوهمت، وقد غدا الوهم في عرفها حقيقة، أن جمالها سلاح فارع أبواب الشهرة والثراء، وقارنت نفسها بشابة غادرت درب لاحونا قردة عجفاء ونزلت هناك فأمست ظبية هيفاء، ولا يهم إن هي رهنت نفسها بشيخ طاعن، فالغاية تبرر الوسيلة.. والأهم أنه يبيض ذهبا وفضة.. ونهض الغاوي من مقعده باشا مرحبا.. ودعاها للجلوس قبالته أمام طاولة توشح أديمها بأشهى الفطور.. وعلى أنغام الموج الهادر تمت مراسيم الصفقة، أحصى الغاوي الأوراق النقدية.. تفحصها من قمة الرأس حتى أخمص القدمين..
وهي تترقب في لهفة أن يسلمها عقد العمل، نبس مطريا على شخصيتها الوديعة وقدها المستوفي شروط اللياقة والوسامة.. ارتسم على شفتيها ابتسامة أيقظت نزوته الحمقاء، وتوجست خيفة أن يرهقها بمطالب أخر لا طاقة لها بها.. عرف الغاوي بدهائه المعهود كيف يضرب عصفورين بحجر واحد.. فالحجر الذي عبد السبيل للمال فأتاه منقادا قادر على الإطاحة بالشحرور من فوق السور.. تحدث في نفسه غير مبال بما طفح على وجهها من الانزعاج.. دواؤك جاهز أيتها الظبية الغر...
وأخيرا هنأها وزف خبرا لا محالة مسكرها إلى حد الثمالة.. اعتبري نفسك من الآن مقيمة دائمة على متن أرقى طائرة! اليوم بعد الظهر تتسلمين أوراق الاعتماد..
لم يدع لها مجالا لأن تعقب، فأنبأ: وصيفة! أجل وصيفة .. وشد على راحتها، وجذبها من على الكرسي فانجذبت بسلاسة يبللها عرق الذهول. طوق خصرها بساعده وسارا جنبا إلى جنب.. دب معتق النبأ في دمائها، ولم يكف لسانها عن ترديد: وصيفة!.. وصيفة!... وغار شبحهما في جوف الغرفة.. أطبق الفخ بفكيه على الشحرور، وكانت اللسعة جارحة، وعلى وقعها عادت إلى دنياها فوق الربوة، كالنائم يستيقظ مذعورا من فعل الكوابيس. ورغم ما حدث وجدت لجرحها بلسما في الوظيفة الجديدة التي ظلت في سمائها حلما كالكوكب يسبح في العلياء. واصلت مسيرها والوقت ظهرا، وليس بينها وبين الفندق، رصيف محطة الأحلام و مثوى مالك المفتاح السحري الهمام، سوى خطوات... وجازت بهو المركب السياحي.. صعدت إلى الشرفة... ولت صوب الغرفة.. لا أثر للساحر سوى بقايا من مفعول سحره، وورقة معلقة صدر الباب الموصد، مكتوب عليها: "احذري أن تطرقي أبواب الفندق أو تتمسحين بأعتابه ثانية.. وإلا، فسوف تقذف بك أرواح خفية من على الشرفة، وتمسين طعما سائغا للقروش".
تملكها الذعر وعلا وجهها الاضطراب.. تروت برهة وقالت كأنما تناغي ذاتها.. سوف ألقنك درسا في الأدب لن ينمحي من ذاكرتك أيها القرش.. سأحيلك على سلطة الحق وصلابة الميزان.. سأهشم فكيك وأدمر أنيابك قبل أن تنال مني..
وفي ثبات توجهت إلى أقرب دائرة أمنية.. تتأبط هذه المرة مذكرة مدفونا في ثناياها المال المنهوب والدم المسفوح وعمي حميدة السمسار مشعل فتيل النار..
دلها الحارس المداوم على مكتب السيد الرئيس.. طرقت الباب في هدوء ودلفت.. كلها يقين أن شكايتها خنجر سيمزق قناع الغاوي ويطيح برقبته. تقدمت في خطى وئيدة نحو المكتب.. بدت الأجواء من حولها معتمة كأنما غزت سماءها سحب رواحل.. استسلمت واجمة مصدومة من حدة أصوات تقرع أذنيها، امتزج فيها عواء الذئاب وزئير الأسود وانتفاضة القروش في عرض البحر.. وبملامح صارمة ونظرات حادة فرضتها طبيعة المسؤولية، تفرس السيد الرئيس في وجهها مليا.. تمايل على كرسيه يمينا ويسارا وخاطبها:
ـ هل من خدمة يا سيدة؟
انعقد اللسان وغاض بالحلق الكلام، أمسكت بالمذكرة ومدت يدها تجاهه في حركة بطيئة، بيد أن المذكرة أبت إلا أن تنفلت من يدها وتهوي على سبورة صغيرة وضعت على المكتب أمامه، كتب عليها بخط أسود عريض: "معالي الرئيس السيد بهاء الدين الغاوي"....
المج القصصية: فرسان الجحيم
قصبة تادلة في 17 ـ 03 ـ 2007
محمد غالمي