مقال جدير بالقراءة... نقلته لمن يريد الاستفادة وفهم معنى الليبرالية..من مفهوم ليبرالي وبعقلية متفتحة تستطيع قبول الرأي الأخر..
أخي القاريء... تستطيع المشاركة برد او رأي دون التعرض لكاتب الموضوع بأي شكل من الاشكال.. الموضوع ليس لي ولست كاتبته فلست مضطرة هنا للرد على كل رأي...او رد..وسأتركه مع متابعته حتى لا يخرج عن اطاره الصحيح
متطرفون في الزمن الليبرالي [ محمد المحمود ]
تتميز الليبرالية عن غيرها، أنها رؤية حاضنة، كما أنها تيار حاضن، بل هي حاضنة حتى لأعدائها التقليديين؛ ما داموا على استعداد في الرؤية والواقع للتنازل عن مفردات الوصاية. نزع الوصاية هو الخطوة الأولى للتحرر الليبرالي. ومن ثم، فالتقليدية التي تمارس تقليديتها كخيار من خيارات، بحيث لا تلزم أحدا بها، بوسعها أن تسعد بالزمن الليبرالي؛ لأنه زمن يمنحها أن تجرب ذاتها من خلال التنوع، بوصفها أحد تنويعات الاجتماعي، وليس الاجتماعي ذاته أو كله.
هذا في حال تنازلت التقليدية عن مبدأ الوصاية التي تتعمد فرض المفردات التقليدية قسرا على الجميع. وهو أمر مشكوك فيه، على الأقل في سياق الأزمة التي تمر بها الآن. ما يرجحه كثير من المفكرين اليوم، هو أن التقليدية غير قادرة على تجاوز الروح الوصائي فيها؛ بوصفه جوهر كينونتها من جهة، وبوصفها الأشد دغمائية، والأقدر على تحقيق الرواج الجماهيري من جهة أخرى.
لقد استطاع الخطاب التقليدي أن يمارس مستويات من التجهيل، تصل بالمتماهي معه إلى درجة سؤال من نوع : إذا كانت الليبرالية قادرة على احتضان التقليدي، فلماذا لا تكون التقليدية قادرة على احتضان الليبرالي؟. سؤال غبي، يتكرر كثيرا. لكنه يمتلك نوعا من الوجاهة في سياق خطاب الجهل الذي لا يستطيع أن يمايز بين الرؤيتين : الليبرالية والتقليدية؛ إلا من حيث كونه يكفّر الأولى، ويؤسلم الثانية.
كون الليبرالية (تشريعا للحرية)، ومن قبل خطابا في الحرية، بحيث تعترف بالتنوع، وتعتبره حقا اجتماعيا، لا يلفت نظر التقليدي المعجون بخطاب الجهل، والذي يدرك - قدرما يجهل! - أن التقليدية تعتمد تجريم التنوع، وتسعى لمصادرته ونفيه، ليس من حقول الحقيقة فحسب، كما يتوهم محسنو الظن، وإنما من حقول التعايش المدني أيضا.
وللتوضيح أكثر. يستطيع التقليدي (بوصفه فردا لا يمتلك الوصاية هنا) أن يعيش في مجتمع ليبرالي، بل إن هذا المجتمع سيوفر له الكثير في سياق تقليديته، مما لم يكن ليحصل في ظل مجتمع تقليدي !. بينما لا يستطيع الليبرالي (حتى بوصفه فردا لا يؤمن بالوصاية أصلا) أن يعيش في مجتمع تقليدي، بل إن أبسط حقوقه (حق الوجود) سيتعرض للمصادرة. ولعل في التقليديين الذين يعيشون في الغرب الليبرالي، خير مثال على إشكالية القبول المتبادل.
هنا ندرك أن الليبرالية تسع الجميع، بينما التقليدية لا تتسع حتى لذاتها، فبعضها يكفّر بعضا، أو يضلله، أو يفسّقه، أو يبدعه، أو - على الأقل، وفي حالة تسامحه الديني! - يتهمه بالخيانة. والكتب التي تعدها التقليدية أصولا، أو مراجع معتمدة، هي بالدرجة الأولى قائمة على تكفير الآخرين، ورميهم بصفات سلبية لا حصر لها، ليس أقلها التبديع والتفسيق.
في إطار الرؤية الليبرالية؛ لن يصبح لهذه التهم التقليدية معنى، بل لن يكون هناك من يمتلك حق إصدارها أصلا. فالليبرالية تتويج للرشد الاجتماعي، والمجتمع الليبرالي مجتمع راشد، يتجاوز هذا السباب الطفولي، وإن اضطر في سياق الخطاب اللاهوتي إلى شيء من ذلك - كحق في التعبير عن الرؤية - فإنه يطرحه في سياق موضوعية صارمة، لا يسمح لها بالإساءة المباشرة إلى أحد.
المتطرف في المجتمع الليبرالي، سيكفل له حقه في التعايش المدني. لكنه لن يكون خطرا، لا لأنه سوف تنعدم رؤى السلب من أعماق ضميره، أو من فلتات لسانه، وإنما سيصبح منزوع الأظافر والأنياب. وبهذا يصبح تطرفه خيارا فرديا، لا يتجاوز ذلك إلى إيذاء الآخرين، حتى ولو حاول ذلك؛ لأن النظام الاجتماعي - ببعديه : القانوني والثقافي، لن يسمح له بذلك، فضلا عن أن يستجيب له، أو يتضافر معه على الإيذاء المعنوي أو المادي.
عندما تتلبس المجتمع المسلم ثقافة ليبرالية، وتصبح هي الروح التي تحرك وعيه بإسلاميته وبالعالم من حوله، لن يكون للمتطرف - بعد تضاؤل وجوده النوعي والكمي - الخطر الذي يمثله، أو كان يمثله في مجتمع تقليدي. نعم، قد يوجد متطرف ما، في مجتمع ليبرالي، وقد تعتوره حالة هياج، فيرمي بتهم التكفير والتبديع ضد هذا وذاك. لكن - وهذا هو المهم - لن يعيره المجتمع أدنى اهتمام، وسيبتسم الناس من هكذا تهم بلهاء، وربما رفع بعضهم سماعة الهاتف للاتصال بمستشفى الأمراض العقلية، للتبليغ عن مجنون هارب !.
هذا هو الفارق الجوهري والهام والحاسم، بين متطرف يتحدث في مجتمع تقليدي، مندغم في مفردات الإقصاء التي يتشدق بها هذا المتطرف، ويستخدم العواطف الدينية لتهييج المجتمع بعضه على بعض، وبين متطرف يتحدث في مجتمع ليبرالي؛ فيتهمه الجميع بالجنون. فرق بين أن يكون المتطرف موضع حفاوة اجتماعية؛ نتيجة الاشتباك معه في بعض مفردات المقدس، وبين أن يكون موضع تسفيه؛ نتيجة الوعي بأن مفردات المقدس لا يمكن أن تكون ألعوبة للمتطرفين.
وهنا، لا بد من التأكيد على أن هذا المجتمع (أي التقليدي) مجتمع مسلم، وهذا المجتمع (الليبرالي) مجتمع مسلم أيضا. لكن، ذاك (أي التقليدي) مجتمع مسلم غير واع بخداع الخطاب المتطرف، الذي يستثمر العاطفة الدينية لأبناء المجتمع المسلم؛ كي يمارس خداعه باسم الدين. بينما المجتمع المسلم الليبرالي واع تمام الوعي، بخداع الخطاب المتطرف، ومدرك تمام الإدراك، أن دين الله - عز وجل - لا يمكن أن يكون على هذا النحو من العنف الموجه ضد الإنسان.
يدرك المجتمع المسلم الليبرالي أن كل خطابات العنف خطابات زائفة، تتلبس الديني زورا وبهتانا، كما يدرك - في الوقت نفسه - أن أي خطاب يريد أن يسلبه حريته وتسامحه وإخاءه الاجتماعي، إنما هو خطاب احتيال، خطاب لصوصي، يسعى لتحقيق مكتسابات شخصية، أو شبه شخصية، على حساب عواطف الجماهير الدينية، وأنها (خطابات العنف) ضرب من ضروب الاتجار بالدين، على طريقة الحروب الصليبية، وصكوك الغفران.
رفع الوصاية عن الفرد، ومنحه حريته، وتهيئة البيئة الحرة التي تطلق مكنونات طاقته الخلاقة من عقالها، كل ذلك تمنحه الليبرالية للمجتمع الليبرالي، مجتمعات وأفرادا. ولا شك أن أفرادا على هذه الصفة، ومجتمعات صادرة عن هذه القيم الإنسانية العليا، يصعب، بل يستحيل خداعها، أو اختطاف شرائح منها، بحيث تقاد دهاليز الخطاب الأصولي. قد تخدع فئة ما، وفي فترة ما، لكن، لن يحدث هذا إلا في حال غياب وعي المجتمع بليبراليته، أو أن تمثل الأفراد لها لم يكن تمثلا كاملا. وهذا ليس عيبا في الليبرالية، وإنما هو عيب في الأفراد من جهة، أو في طريقة التمثل الاجتماعي من أخرى.
لا يمكن أن يقتاد المتطرف، أو الفكر المتطرف، إنسانا حرا واعيا تمام الوعي بحريته، ومؤمنا باستقلاليته الفردية، وبأن الفردانية - كسياق - هي جوهر وجوده، ولا معنى للوجود ذاته بدونها. المتطرف لا يقتاد إلا (القطيع) التقليدي الذي تم ترويضه على الخنوع، وعلى الطاعة العمياء، وعلى التسليم اللامتسائل لهذا الفرد أو ذاك. بيئة كهذه، يجد المتطرف فيها أرضا خصبة؛ لأن الإعداد الأولي قد تم، والمقدمات الضرورية أصبحت من المقدسات.
لكن، أين منا المجتمع الليبرالي الحر؟. كوننا - في مجملنا العام - غارقين في رؤى التقليد، ومنخرطين - بدرجات متفاوتة - في التماهي مع خطاب الجهل، هل من أمل في مستقبل ليبرالي واعد؟. هل يمكن تجاوز ثقافة قرون وقرون، بثقافة عقود؟. إلى أين تتجه البوصلة، بوصلة الوعي الاجتماعي العام؟. ما بين التفاؤل بالغد، والتشاؤم منه، أين يقع الزمن الليبرالي.
في الواقع ان الزمن الليبرالي كان قد بدأ في التشكل منذ عقود، وفي بعض البلاد العربية والإسلامية، منذ أكثر من قرن. وكانت مؤشرات التحضّر تشير إلى حراك تنويري في مصيره لصناعة المجتمع الليبرالي، واستمر ذلك في حركة تصاعدية، قد تتعثر في زمن ما، أو مكان ما، لكن، المؤشر العام (بلغة الأسهم) كان يحقق قدرا لا بأس به من الأرباح. صحيح أن انهيار المؤشر في زمن المد الشيوعي، وفي زمن (الغفوة) كاد أن يقضي على البقية الباقية من الآمال، ويلغي المشروع من أساسه. لكن التاريخ الكوني المتحرك بفعل الحضارة الغربية، كان يشير إلى زمن ليبرالي كاسح.
وإذا كانت الليبرالية الغربية أفرزت - في بعض توجهاتها - نقيضها، وكاد هذا النقيض أن يلتهمها، فإن الروح الكامنة في عمق الإنسان الغربي - الإنسان ككل - كانت تعي وجودها من خلال مفردات الليبرالية. ولهذا كان العقاد - رحمه الله - يقسم على أن الحلفاء سينتصرون على المحور: النازي/ الفاشي، في الوقت الذي كانت فيه دول المحور تحقق أعظم الانتصارات. ولما سُئل عن ذلك قال : إنها - أي دول المحور - ضد حركة التاريخ. وكانت حركة التاريخ ليبرالية؛ لأنها وعي عال من درجات الوعي الإنساني، أو ما يمكن أن يتوصل إليه الإنسان من وعي.
القيم الليبرالية - بتقدميتها التي تعانق إنسانية الإنسان - هي مستقبل الإنسان المعاصر، ليس الغربي - كما يتوهم الرجعيون في مكان - وإنما الإنسان المعاصر، في كل زمان ومكان. صحيح أنها قيم غربية، أو - على الأقل - صنعها تاريخ التطور الغربي. لكن، يجب أن نتذكر أن الزمن - منذ قرنين إلى أربعة قرون - كان زمنا غربيا، وأن الآخرين لم يستطيعوا أن يقدموا شيئا ذا بال، في تدعيم الرؤية الإنسانية التي تصنع حضارة هذا الكون، والتي هي الآن حضارة غربية.
إذن، التاريخ - كحركة - يتجه صوب كل ما يعزز من حضور الرؤى الليبرالية في مواطنها الأصلية، كما أنه يضغط باتجاه عولمتها؛ بوصف العولمة التي أصبحت قدر الجميع، عولمة غربية، على الأقل في أساسها. وبهذا، فالزمن المعاصر زمن ليبرالي، ولا يستطيع أي أحد أن يزوّر عن الليبرالية - فضلا عن أن يحاربها -؛ في الوقت الذي يريد فيه أن يضمن المعاصرة، وأن يكون شريكا فاعلا في هذا العصر، والذي هو - شئنا أم أبينا - عصر ليبرالي.
اليوم - وبحمد الله - يجنح كثير من رموز العالم الإسلامي : في الفكر والسياسة والاقتصاد - إلى تبني الليبرالية؛ كرؤية، تستحيل المعاصرة بدونها. الليبرالية الإسلامية، أو الإسلام الليبرالي، هو الإسلام المتقاطع مع التصورات الليبرالية، والذي سيصنع - بالضرورة - ليبراليته الخاصة. وبدون صناعة هذه الليبرالية الخاصة، تفقد الليبرالية أهم صفاتها، وهي قدرتها الفائقة على التنوع، وعلى تطعيم الرؤى، بحيث لا تصبح (صورة طبق الأصل) من أية ليبرالية أخرى.
كثير ممن يحملون الهم الإسلامي، ويؤلمهم تخلف المسلمين، أخذوا يشتبكون مع الليبرالية في مفرداتها الأساس. مسألة التضاد بين الليبرالية والإسلام، لم يعد يتحدث عنها إلا الأغبياء، من سدنة خطاب الجهل، الذي يتصورون الليبرالية دينا، ومن ثم فهو - وفق هذا التصور القروسطي - دين إزاء دين، وليس تراكما هائلا لتجربة إنسانية ناجحة، إلى درجة أن أصبحت هي : العصر، وأن التعانق معها لا يعني التسليم لها بكل شيء، لأن هذا يعارض طبيعتها التي تريد من الإنسان أن يمتلك تجربته الخاصة، وأن يبتعد عن التقليد الأعمى، أيا كان مصدره. ولكن التقليدي لا يفهم الأشياء إلا من خلال التقليد ذاته، فيتصور أن الجميع في ممارساتهم الثقافية مقلدون؛ لأنه لا يجد للثقافة مفهوما إلا في هذا الإطار.
يتبع...