حين يكون المنتخب نموذجاً..
حزنت كثيراً لخسارة المنتخب السعودي كأس آسيا، ولكن من جانب آخر، فرحت أن الذي فاز باللقب هو فريق عربي، وفرحت أكثر أن هذا الفريق هو الفريق العراقي تحديداً وذلك لعدة أسباب، منها ما هو إنساني بحت، ومنها ما هو قومي، ومنها ما هو سياسي. فأما من الناحية الإنسانية، فقد فرحت بفوز المنتخب العراقي، من أجل رسم ابتسامة على وجوه أضناها الألم.. من أجل رسم ابتسامة على وجوه ملايين العراقيين الذين يعانون الأمرين في الداخل والخارج معاً. ففي الخارج ألم الغربة والشتات والتعرض للمهانة بشكل مباشر أوغير مباشر كبير، حتى لو كان العراقي في الخارج من غير المحتاجين، إذ يكفي بالغربة ألماً، وبالشتات وجعاً، وبالأوضاع في العراق قلقاً.
وفي الداخل، فإن أتون النار التي تحرق كل العراق من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، تجعل من الحياة شيئاً أقرب إلى الموت، بل هو الموت بعينه، حيث يعيش الناس في خوف دائم وهلع مستمر. هؤلاء الناس يحتاجون إلى ما يجعلهم يشعرون بأن الحياة مهما قست فهي رحيمة، وأن السعادة ممكن أن تحل محل التعاسة ولو لبعض من الوقت، وأن الأمل يبقى موجوداً مهما كانت المعاناة، ومهما كان الظلام محيطاً. عندما فاز المنتخب العراقي بكأس آسيا، رسم بسمة على وجوه كادت تنسى شكل الابتسامة ومعنى الفرح.
ومن الناحية القومية، فرحت كون كأس أكبر قارات العالم لم يذهب بعيداً، فقد بقي في النهاية عربي الهوى، لا فرق في ذلك بين سعودية أو عراق، فالكل عرب في النهاية. طبيعي أن يكون هواي في المقام الأول مع المنتخب السعودي، فأنا سعودي أولاً، ولكن إن لم يكن الإنجاز سعودياً، فالهوى عربي ثانياً، ولن تكون الفرحة منقوصة كثيراً حين يكون الفوز عربياً. والحقيقة أن العرب عموماً يحتاجون إلى الشعور بالبهجة، كما يحتاج العراقيون إلى البسمة، فكل شيء في عالم العرب اليوم كئيب، وليس هناك ما يبعث السرور في القلب، أو البهجة في الفؤاد من كل النواحي. أن تفوز السعودية أو العراق، هو بهجة عابرة، وبسمة نادرة، في ليل عربي طويل لا ندري متى يبزغ فجره، هذا إن كنا من المتفائلين.
أما من الناحية السياسية، فكم كنت أتمنى أن يكون المنتخب العراقي لكرة القدم نموذجاً لما يجب أن يكون عليه الحال في ذات العراق من كافة النواحي. فعندما تشاهد المنتخب العراقي وهو يلعب، فأنت إنما تشاهد عراقيين يسعون إلى هدف مشترك واحد، وليس أهدافاً متعددة خاضعة لهذا الطرف أو ذاك، لهذه الطائفة أو تلك، يحكمها هذا الهوى أو ذاك. لم يكن المنتخب مكونا من سنة وشيعة، كرد وتركمانيين، عرب وعجم، مسلمين ومسيحيين، أشوريين وبابليين.. بل كان الجميع عراقيين وحسب. كان العراق، والعراق فقط، هو الذي يحتل أفئدة اللاعبين، وكانت الجماهير تهتف: «عراق.. عراق..»، ولا شيء آخر غير العراق. غاب السنة والشيعة عن الميدان، وتوارى مقتدى والمالكي والحكيم وغيرهم، ولم يبق إلا العراق. وعندما كان اللاعبون يتقاذفون الكرة، لم يكن الشيعي يقذفها لشيعي، أو السني يرميها لسني، بل كان الجميع عراقيين يلعبون باسم العراق ولأجل العراق. وعندما دخل هدف الفوز في المرمى السعودي، لم يسأل أحد عن طائفة الذي سجل الهدف، أسني هو أم شيعي، ولا كانت الجماهير الفرحة منقسمة إلى عرب وأكراد أو غير ذلك، بقدر ما كانت الفرحة تشمل الجميع. تحول الفريق العراقي إلى نموذج لما يجب أن يكون عليه جميع العراقيين، خاصة السياسيين منهم، وأولئك الذين يتحدثون باسم العراق وهم لا يخدمون في النهاية إلا أنفسهم حقيقة، أو أطرافا ذات مصالح لا علاقة للعراق بها.
العراق اليوم في حالة احتضار نهايتها الحتمية هي الموت إذا استمر مآل الحال على ذات الحال، ولا حل لها إلا بالعمل وفق روح الفريق، وهي الروح التي جعلت منتخب العراق الكروي يفوز بالكأس، وهو الفريق الذي لم يحظ بترشيحات قوية حين دخل معمعة المباريات، ولكنها روح الفريق التي جعلت المستحيل ممكناً، والصعب سهلاً.
مشكلة العراق الأولى تكمن في القلوب، وتكمن في حقيقة الانتماء. القلوب هناك تملؤها الرغبة في الانتقام، وشهوة الثأر، والتعطش إلى الدم، وتراث لا يُراد له أن يموت وتطويه الأيام كما طويت أيامه ودرست أوهامه. تراث أُختزل إلى دم وثأر وانتقام، مات التراث ولكن أوهامه والعقول التي تنفخ فيه الروح لا تريد أن تموت، فتبعث الموت حياً من جديد، فضاعت وأضاعت ومع ذلك لم تكن من النادمين. بمثل هذه القلوب، وبمثل هذه العقول، لا يمكن انجاز شيء مهما كان صغيراً، فالقلوب التي لا ترى الحياة إلا في ظل ملاك موت يحمل منجل العدم في يده، هي قلوب فاسدة، والقلوب الفاسدة لا يمكن لها أن تضخ دماً نقياً، أو تخفق بحب الحياة.
ومن ناحية أخرى، فإن الانتماء لعراق واحد مفقود من أفئدة الكثير من العراقيين، ولا أقول كل العراقيين، خاصة ممن يتقلدون زمام الأمور، من سياسيين وغيرهم. هناك شيعة وسنة، وهناك عرب وكرد، وهناك مسلمون ومسيحيون، ولكن كل ذلك على حساب الانتماء إلى ذات العراق. ليست نقيصة أن تكون سنياً أو شيعياً، عربياً أو كردياً، مسلماً أو مسيحياً، فالتعدد والاختلاف هو من طبائع الأمور، والفطرة التي شكل الله الدنيا على أساسها، ولكن النقيصة هي أن يكون ذلك على حساب الانتماء للوطن، الانتماء للعراق الذي يجب أن يكون أولاً، إذا كان للعراق أن يعيش، وللعراقيين أن يستمروا في الحياة. روح الفريق، وصفاء القلوب، والولاء للعراق أولاً، هو المخرج الوحيد للعراق والعراقيين من حالة الانتحار التي يمارسونها، والموت الذي يسعون إليه بأقدامهم، وكلهم يفعل ذلك باسم العراق، ولأجل العراق، وهم في النهاية إنما ينحرون العراق وهم لذلك من الواعين، وما حب العراق في النهاية إلا شعارات تُرفع، وأقوال تَطلق.
إذا كان للعراق أن يحيا، فما عليه إلا أن يتعلم من منتخبه الكروي لا أكثر ولا أقل. لست هنا في مقام الناصح للعراقيين، أو المدعي شيئاً لا يعلمه الآخرون، فكل الأمور جلية واضحة وضوح شمس شرق أوسطية في رابعة النهار، والعراقيون يعلمون أين تكمن مشكلاتهم، وكيف يكون الحل، ولكن قاتل الله القلوب المريضة، والمنافع الشخصية، والانتماءات الفئوية البغيضة، وتحقيق مصالح الغير على حساب مصالح الوطن، فهي التي لا تعصف بالعراق فقط، ولكن في كل بلد لا يكون فيه الانتماء للوطن هو الأساس، ومن بعده تأتي بقية الانتماءات، وكان الله في عون العراق على نفسه أولاً، ففي أهل العراق يكمن مرض العراق.