في انتظار رســالة
وذكرتها فبكيت من ألمي :
كالماء يصعد من قرار الأرض , نزَّ إلى العيون دمي
وتحرَّقت قطراته المتلاحقات لتستحيل إلى دموعْ
يخنقنْنَي فأصكُّ أسناني , لتنقذف الضلوع
موجاً تحطم فوقهنَّ وذابَ في العدمِ .
دخانٌ من القلب يصعدْ
ضبابٌ من الروح يصعد
دخانٌ .....ضبابْ
وإنتِ انخطافٌ وراء البحار , وأنت انتحابْ
ونوْحٌ من القلب المدِّ يصعد
ودمعٌ تجمَّدْ
وغصَّتْ به الآه في الحنجرة
ذكرتك يا كلَّ روحي ويادفْءَ قلبي إذ الليل يبرد
ويا روضةً تحت ضوء النجوم بقدّاحها مُزْهرة
ذكرتُ كلــّتنا يهف بها ويسبحُ في مداها
قمرٌ تحيرَ كالفراشةِ , والنجوم على النجوم
دندنَّ كالأجراس فيها, كالزنابق إذ تعومُ
على المياهِ .... وفضَّضَ القَمَرُ المياها
وكأنّ جسمك زورقُ الحبِّ المحمَّلُ بالطيوب
والدِّفءْ , والمجدافُ هَمْـسٌ في المياه يرن آها
فآهاً والنُّعاس يسيل منك على الجنوب
فينامُ فيه النَّخْلُ تلتمع السطوح بنومهنَّ إلى الصباح
أواه , ما أحلاك ! نام النور فيك ونمت فيه ,
والليل ماءٌ , والنُّباح
مثل الحصى ينداح فيه , وأنتِ أوَّلُ وارديهِ .
وصعدت نحوك والنُّعاس رياحٌ فتراتٌ تحمل الورقا
لتمسَّ شَـعركِ والنهودَ به , تموتْ
حيناً وتلهثُ في النوافذ من بيوت
ألقاكِ في غرفاتها , وأشدُّ جسمكِ فارَ واحترقا .
إنِّـي أريدكِ , أشتهيكِ أمسُّ ثغركِ في رسالة
طال انتظاري وهي لا تأتي , وتحترق الزوارق والتخوت
في ضفّة العشّار تنفضُ , وهي لاهثةٌ , ظلاله
علَّ الرياح حملن منك لها رسالة .
لم تبخلين عليَّ بالورقات , بالحبر القليل وسحبة القلم الصَّموت ؟
إني أذوبُ هوىً , أموتْ
وأحنُّ منك إلى رسالة .
بدر شاكر السياب
مهداة لمن قضى عمره في انتظار اللاشيء في انتظار الانتظار
وحيدا