فواز العلمي
في عصر العولمة ... كيف يتفشى الإرهاب?
عند دخول مقر منظمة التجارة العالمية بمدينة جنيف أتعجب كيف ألفت التجارة بين قلوب الشعوب المتناحرة على اختلاف أصولهم ولغاتهم، ولمَّ الاقتصاد شمل الدول المتباعدة رغماً عن تباين أديانها ومبادئها. من كان يتوقع أن تتحالف ألمانيا (الغازية) مع فرنسا (المغزوة) وبريطانيا (النظامية) مع إيطاليا (الفوضوية) وإسبانيا (العنيفة) مع هولندا (الأليفة) والصين (الشيوعية) مع أمريكا (الرأسمالية). تلاشت أحقادهم في معقل العولمة وانحسرت همومهم في بوتقة الأقلمة تحت سقف نظام عالمي جديد.
على اختلاف مقومات نجاحها، تتحد شعوب الدول المتقدمة التي تشكل 20% فقط من سكان العالم وتسيطر على قضايا الكون برأي اقتصادي موحد وصوت تجاري واحد. بينما مازالت الدول العربية، ذات الدين الأوحد والمجتمع الواحد واللغة الواحدة، تقف متفرجة، مترددة، حائرة بين اليمين واليسار، تختال وفودها في ردهات المنظمة آحاداً وأفرادا، يفرقها اقتصادها المتناثر وتجارتها البينية المتهالكة. ورغماً عن افتقارها لخيرات الأرض وثروات الطاقة، تسيطر الدول المتقدمة على 89% من تجارة العالم، وتتحكم في 90% من حركة رؤوس الأموال، وتساهم في 92% من خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات، وتمتلك 97% من براءات الاختراع. بينما يزداد تشتت الصف العربي الغني بثرواته الطبيعية وتترنح مشاريع وحدته الاقتصادية والتجارية، لتنخفض نسبة مساهمته في التجارة العالمية عبر العقدين السابقين من 13% إلى 7%، وتتراجع قيمة الاستثمارات العالمية المباشرة في أسواقه إلى أقل من 4% ، وتتفاقم فاتورة وارداته الزراعية خمسة أضعاف، وترتفع ديونه ستة أضعاف ما كانت عليه قبل عقد من الزمن.
وكلما ركنت لموقعي المحدد في قاعة الأمم بالمنظمة أتذكر كيف اتفقت 27 دولة قبل أكثر من نصف قرن على تأسيس اتفاقية الجات. كان معظمها من الدول الغنية ما عدا 3 دول هي الصين وسوريا ولبنان. نعم سوريا ولبنان كانتا الدولتين العربيتين الوحيدتين المؤسستين لاتفاقية الجات. ولسوء حظها انسحبت الصين من نادي الأغنياء في عام 1952 لانجرافها في المد الشيوعي، ومضت في ركابها بعد 4 سنوات كل من سوريا ولبنان لتشربهما بمبادئ الاشتراكية.
لدى انهيار القطب الشيوعي في أواخر الثمانينات أدركت الصين خطأها الفادح وسارعت لإعادة تقديم طلب انضمامها كدولة مستجدة. فوجئت الصين بأن قطار العولمة السريع فاتها وأصبح عليها لزاماً وقسراً تقديم العديد من التنازلات والمزيد من التعهدات للوفاء باستحقاقات العضوية. دفعت الصين فاتورة باهظة من أجل عودتها لمعقل العولمة، بلغت قيمتها أضعاف ما دفعته الدول المؤسسة لاتفاقية الجات. رضخت الصين لشروط عودتها القاسية وخاضت على مدى 15 سنة 675 جولة من المفاوضات التجارية الشاقة مع 140 دولة من أعضاء المنظمة. التزمت الصين بزيادة فتح أسواقها أمام صادرات العالم وتخصيص شركاتها الحكومية وتحرير أنشطتها الخدمية من عتق الشيوعية. أصدرت الصين 1500 نظام جديد وقدمت عشرات الآلاف من الوثائق والثبوتيات لتؤكد وفاءها باستحقاقات الانضمام وتعهدات العضوية. واليوم، بعد أن فاتهما قطار العولمة أيضاً وتسارعت خطواته وتفاقمت متطلباته، تسعى سوريا ولبنان، كما سعت الصين قبلهما، إلى الانضمام للمنظمة كعضوين مستجدين عن طريق دفع فاتورة انسحابهما الباهظة وتقديم الأضعاف المضاعفة من التنازلات والتعهدات الملزمة تفوق ما قدمتاه لدى مشاركتهما في تأسيس اتفاقية الجات.
من مآثر شعوبنا العربية المعاصرة تمتعها بذاكرة ضعيفة وعزيمة محبطة وحجة واهية أدت جميعها إلى قناعتها المتناهية بنظرية المؤامرة المحاكة ضدها. أصبح هدفها المعلن وأملها الطموح اكتشاف مدبّر هذه المؤامرة والتنازع على تصفيته بافتراش الشوارع وإطلاق الشعارات والهتافات والانسحاب من الاتفاقات. ومن مفارقات أمتنا العربية في تاريخها الحديث تدافع معظم ساستها وأغلب وجهائها نحو تبني أساليب النزعات العاطفية وتسخير سبل الرفض لصد المبادرات. طفح مستنقع قضايانا المصيرية بسبب تأجيج الخلافات وإغراق شعوبنا في المهاترات، وكأن العقل العربي خلق لإضرام فتيل النزاعات وتنمية أساليب إطلاق الشعارات.
أصبح عالمنا العربي مثلاً فاضحاً في التقاعس عن أداء واجباته تجاه شعوبه. نصف الدول العربية (11 دولة) ما زالت خارج منظمة التجارة العالمية. يتميز خبراؤها بقدرات تفاوضية فائقة تستخدم ببراعة لإقناع دولهم بأن على المنظمة أن تستجدي انضمامهم إليها وأن قطار العولمة السريع ما زال قابعاً مكانه بانتظار قرارهم السياسي. أليس من مفارقات عالمنا العربي أن العراق الذي يستجدي اليوم دول العالم لإعادة إعماره وإلغاء ديونه، كان قبل نصف قرن ضمن نخبة من الدول الغنية التي بادرت في تأسيس البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وأغدقت قروضها الميسرة على الدول الأوروبية لتمويل إعادة إعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية فيها.
أوليس من المفارقات أيضاً أن السودان، الذي يتضور أبناؤه جوعاً، تم تصنيفه في كتبنا المدرسية بسلة غذاء العالم العربي، وأن مصر العربية، التي انحسرت السياحة فيها عدا ارتياد المسارح والنوادي، بمعقل ثلث آثار العالم وموطن أعجوبتين من عجائب الدنيا السبع، وأن المغرب العربي، الذي جفت ينابيعه وازدادت رقعة تصحره، بفردوس الأندلس.
هذه المفارقات أدت إلى تفشي الفقر والجوع والمرض والبطالة في عالمنا العربي ليعيش نصف سكانه تحت معدل دخل يومي للفرد لا يتجاوز دولارين، يساوي ما يمنحه المارد الأوروبي يومياً من إعانة زراعية لكل بقرة حلوب. عندما اكتشف أجدادنا نظرية انكسار الضوء، وفكوا طلاسم الجبر والهندسة، وحددوا جغرافية المناخ، واحتكروا تجارة الشرق مع الغرب، احترمنا العالم وسارت في ركابنا شعوب الأرض وارتوت من أفكارنا ثقافات الكون. اليوم نفتقر لخبراء الاقتصاد والتجارة لإقناع دولنا العربية بأن تكتلها الاقتصادي وتحالفها التجاري أهم من توافقها السياسي. اليوم نحتاج لنخبة من رجال المال والأعمال لتبديد مخاوف جامعتنا العربية من جدار إسرائيل الأمني لأن مثيله الذي أقامته سواعد الشيوعية في برلين، خوفاً من تسرب رياح الحرية إلى ديارهم، تحول إلى سجن خانق والتفّ حول من أنشؤوه ليتحطم بأيدي الشيوعيين أنفسهم بمبادرة محكمة أطلقتها التكتلات الاقتصادية والتحالفات التجارية.
المجموعة العربية، التي أنشئت قبل ولادة المارد الأوروبي، في حاجة ماسة إلى أكثر من الشفقة لضياع خيراتها وبور تجارتها وارتفاع نسبة بطالة أبنائها. والشعوب العربية التي حقنت بمخدر الفضائيات تحصد اليوم ثمار انحدار مستوى العلم والفكر والمعرفة. طموح شبابها اندثر تحت الكثبان. عقول علمائها تهاجر اغتناماً للفرص. ربما تتقوقع انتظاراً لطفرة تنقذها من كساد أو ثورة تنتهي بها إلى الهلاك وتلصق بها تهمة الإرهاب.
[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]