سليمان الهتلان
هل نحن من هيأهم لهذا الموت العبثي؟
من انكوى بنيران الفقد ليس كمن يُنّظر عن الفقد من بعد. كم من أب في مجتمعنا يعيش حالة قلق قصوى خوفاً على أبنائه من الانحراف إما إلى طريق المخدرات التي غزتنا مثلما غزتنا آفات أخرى كثيرة أو الانسياق إلى دروب تيه أخرى تحت شعارات نبيلة يتاجر بها تجار القضايا السياسية أو ضمن سياقات "اللعبة" التي يستخدم فيها شبابنا وقوداً في حروب الآخرين وصراعاتهم. محزن جداً أن بيننا - بحسن أو سوء نية - من يمارس عمليات "غسيل مخ" منتظمة يُهيئ بها شبابنا للانتحار المجاني في قضايا قد تكون ضد مصالحنا أو عكس الأهداف التي يريد بعض شبابنا الموت من أجلها (ناهيك عن خلق ثقافة تؤسس لمناخ الهروب السهل من مواجهة تحديات الحياة ومتاعبها). لكن المؤسف جداً أننا حتى اليوم لم نفتح الملفات كاملة لمحاسبة أنفسنا والمسؤولين عن الزج بآلاف من شبابنا إلى ساحات الانتحار المجاني بدءاً من أفغانستان وليس انتهاءً بنهر البارد. لقد خضعنا لإرهاب يمارس ضد أي محاولة صادقة لكشف المستور عن أبعاد خطيرة لغسيل مخ جماعي يمارس في عز الظهر، بحق مجتمعنا وها نحن ندفع أثماناً باهظة لصمتنا وجهلنا وخوفنا. فهل تستطيع اليوم أن تطالب بتعريف حقيقي لمعنى "الجهاد" الذي يساق آلاف من شبابنا تحت غطائه إلى ساحات المعارك الخاسرة في نهر البارد وأفغانستان والبصرة؟ هل تستطيع أن تطالب بمشروع وطني جاد لتوعية المجتمع بخطورة أن يُهيأ شبابنا كأدوات سهلة طيعة تستخدم حطباً في ألاعيب استخباراتية معقدة وفي صراعات سياسية مؤقتة ليس لها أي علاقة بتلك القيم الخلاقة التي يظن شبابنا أنهم يستشهدون فداءً لها؟ من يجرؤ على السؤال؟ وأنت إن فعلت قوبلت بكل أشكال التهم في عقيدتك وانتمائك ونواياك، أتحدى أن تتحدث، في أي مجلس من مجالسنا، عن خطورة العشوائية في خطاب الجهاد دون أن تتهم بمحاربة القيم الدينية أو بـ"العمالة" للغرب. ألم يحذر البعض عندنا، ربما من منطلقات بريئة وصادقة، من "خطورة" ثني الشباب عن الجهاد متسائلين: من سيحمي الحرمين إن تعرضا لغزو صليبي؟
أشك أحياناً أن قوى استخباراتية، في أكثر من دولة، تقف وراء عمليات تجنيد "الجهاديين" من أوساط شبابنا لإدراكها بأن البنية الثقافية السائدة لا توفر الوقاية اللازمة أمام العقلية الانتحارية الجاهزة للموت في أي مكان بمجرد إضفاء صبغة "الجهاد" على القضية أو الموقف. من هنا تأتي المطالبة بفتح كل ملفات التجنيد في معارك الآخرين حقاً وطنياً مشروعاً لعله يكشف لنا ولمجتمعنا أن كثيرين منا وقعوا ضحية لحسن نواياهم وتعلقهم الصادق بالدفاع عن قضايا الأمة وحقوقها. ومن مسؤولية العلماء الأفاضل في العالم الإسلامي الحذر من أولئك المتلحفين بغطاء ديني من أجل تأجيج الشباب، بكل عشوائية، ضد "الآخر" واستغلال حماس الناس للدفاع عن قضايا إسلامية كبرى بينما هم في الواقع يُستخدمون حطباً سريع الاشتعال في معارك الآخرين وخلافاتهم.
قبل أيام، جاءني اتصال هاتفي مفاجئ تعكس كل نبرة فيه قلقاً وخوفاً شديدين لأب مشتت بين خوفه على أولاده من الضياع وبحثه عن نوافذ أمل تأخذ بأيدهم إلى طريق النجاة. لم يعد هذا الأب، وأمثاله في مجتمعنا كثيرون، يطمح إلى أن يرى أولاده طيارين أو أطباء أو مهندسين أو رجال أعمال، لقد صار همه الكبير كيف ينجو أبناؤه من شر الفتن المحيطة بهم من كل صوب. خوفه موزع بين ضياع أبنائه في عالمين من الشر: إما المخدرات أو ساحات الموت العبثي في نهر البارد أو العراق. كأن أعداء الحياة قد أجمعوا على أن يجدوا ضالتهم في المجتمع الخليجي. لم لا وكثير منا يصر على أن ندفن رؤوسنا في الرمل وإن اضطررنا للتعامل مع بعض أزماتنا أشرنا بسبابة اللوم للبعيد ثم عدنا إلى الدعاء: "يا رب: لا تغير علينا"!
إنني هنا لا أحاول ابتكار معنى جديد لـ "الجهاد" لكن المسؤولية تفرض علينا جميعاً التحذير من استغلال مفهوم الجهاد لتجنيد شبابنا كأدوات تُستغل في معارك خاسرة خاصة وأن التجارب المريرة لكثير من العائلات في المنطقة كشفت أن كثيراً من أبنائها تورط باسم الجهاد في أعمال أودت بحياة الآلاف من الأبرياء في ساحات القتل الجماعي العبثي. إن الأحداث التي مرت بها منطقتنا في السنوات القليلة الماضية وما تعيشه المنطقة اليوم يجب أن تدفعنا لإدراك حقيقة مؤلمة تؤكد أن العشرات - إن لم يكن المئات - من صغار الشباب لدينا باتوا حطباً محتملاً لتجار الحروب والسياسة في عالم من الفوضى المخيفة التي تهدف إلى أكل الأخضر واليابس وما تبقى من عقل في منطقتنا التي خيم عليها سوء الطالع كثيراً.
[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]