مضت أيام العزاء بسرعة فلقد زارنا جميع الأقارب والجيران والمعارف , اجهدت جدتي نفسها بالبكاء كثيراً
وعمتي أيضاً أما والدتي فلم يبدو عليها الحزن كثيراً (كافرات العشير ) .
مر عام على وفاة الوالد رحمة الله عليه وكاد دلال وعطف جدي وعمي علينا أن يعوضنا فقدان أبي , خطب
عمي والدتي ولكنها للأسف لم توافق !! فجأة ودون سابق إنذار ظهر فارسٌ لم يكن في الحسبان , بدأ يتردد
يومياً على بيت عمته ( جدتي أم والدتي) المجاور لنا , كان يعطف علي ويغدق علي بالمال إلا أن
استلطفته (كعادة الأطفال) , في تلك الأيام تفاجأت بأن والدتي اصبحت تتحدث بالتليفون كثيراً على غير
العادة , علمت بعدها أن تتحدث مع هذا الرجل الذي هو إبن خالها وعلمت أيضاً انه خطبها في الماضي
ولكن جدي رحمه الله لم يوافق عليه , والأن هذا هو يكرر الخطبة مرة أخرى ولكنه فاز بها هذه المره
وأتضح لي بعدها إنه إغداقه علي بالمال لم يكن إلا خطوة تساعده على بلوغ الهدف .
تم الزواج وفي تلك الليلة أخرجونا أنا وأخواتي الثلاث من بيتنا رغم أن أختي ما زالت ضغيرة , أتى
خالي ليصطحبنا إلى بيت جدتي لينعم العروسان بليله حمقاء على حساب دموع أطفالاً يتامى , وجد خالي
مقاومة شرسة منا , كنا نتفلت منه ونطرق باب بيتنا بعنف ونصرخ ودموعنا كالسيل الجارف ويجتهد كلٌ
منا في رفع صوته لعل أمي تسمعنا وتشفق علينا , كنا نقول أمي أخرجي هذا الرجل الغريب وأدخلينا,
ولكن وبعدما تعبنا استسلمنا ورضخنا للأمر الواقع .
مر اسبوع ونحن في بيت الجدة ولم تكن صورة والدي رحمه الله تُفارق عيني , وكنتُ رغم صغر سني
أشعر بأني قد نلتُ نصيبي من الدلال والآمان وأن حملي بات ثقيلاً وأنا أنظر إلى أخواتي , في تلك
الليلة تضاعفت سنوات عمري فمن عمر طفل لا يتجاوز التاسعه إلى عمر رجلٍ في الأربعين , كانت
الدنيا ليلتها سوداء في عيني وكنتُ أبحث عن متنفسٍ لي , دون شعور قمتُ وجهزتُ رضعةً لأختي
الصغرى ثم أيقضتها وحضنتها وأغرقتُ وجهها البريء بدموعي فلقد بكيتُ وكأني أنا والبكاء
قد تلاقينا كتلاقي حبيب أذابه الشوق لحبيبته .
عدنا إلا بيتنا ولكن البيت قد اختلف علينا وفقدنا الألفة التي كنا نشعر بها سابقاً , قالت أمي
تعالوا سلموا على عمكم ( أصبح الرجل الغريب عمي لأنه تزوجها ) , أظهر هذا الرجل أو عمي
كما تقول الوالدة بشاشه وطيبه علمتُ بعدها بوقت ليس بالطويل أن هذه البشاشه مصطنعه
وأنه رغم تأديته للصلوات في أوقاتها ليس إلا رجلاً بدوياً جلفاً وأنه يحاول أن يكون طيباً
لكن جلافته التي إعتاد عليها تأبى عليه ذلك .
رغم مصيبتنا في والدنا رحمة الله عليه إلا أن الناس لم يرحمونا من نظرة الشفقه التي بت
أمقتها علاوةً على اللقب الجديد الذي أطلقوه علينا وهو اليتامى .
بعد مضي عام من دخول هذا العم إلى عالمنا انتقلنا إلى بيته الجديد المكون من طابقين ,أسكننا
في الدور الأرضي وأسكن زوجته الأولى وأبنائه في الدور العلوي , وهنا بدأت المأساة .
كنتُ أحض أخواتي على إلتزام الأدب وعدم اللعب إذا كان عمي موجوداً لأن الشارع سيكون
مصيرنا لو طردنا من منزله ( فالكل قد تخلى عنا ) فعشنا كالغرباء في بيتٍ ليس ببيتنا ,
وذقنا الأمَرين من أبنائه وشتمهم لنا , كنت أقوم بغسيل سيارة عمي لكسب وده وكان أبنائه
يخرجون من الشباك ويقولون لي اغسل سيارتنا يا خدام , لم أكن أعبأ بكلامهم فالمهم أن
يرضى عمي عني وعن أخواتي , لم يكن عمي سيئاً جداً ولكن كان يعمل بعض الأمور السيئة
كتقبيله لوالدتي وغيره من الأمور المشابه لذلك وسحبها من أرجلها إلى غرفة النوم أمامنا !!
ولم تكن الوالدة تعارضه لعمله هذا فعلمت أننا أصبحنا أولوية أخيرة من مهام والدتي الغير
عزيزة , كنتُ في تلك الأيام أكرهها فكم قست علي وكم آلمتني بضربها العنيف لي
والذي غالباً ما يترك أثاراً على جسدي لا تخف إلا في الليل عندما يقمن أخواتي بتمريخي
بالزيت أثناء انشغال أمي مع زوجها في غرفتهم الخبيثة .
لم أكن أنام كبقية الأطفال مبكراً بل إن النوم يُجافيني حتى الساعات الأولى من الفجر .
شاركت الحكومة الرشيدة في مضاعفة معاناتنا فلم تترك لنا من راتب أبي رحمه الله
سوى ألف ريال لم تكن كافيه لإعالة أربعة أطفال ولم نجد من يُعيننا من أقربائنا إلا في
يوم العيد الذي أجمع فيه مالاً لا بأس به , أشتري بهذا المال هدايا لأخواتي وأُخفي
الباقي عن أمي كي لا تسلبه مني , كانت أمي تصرف معظم راتبنا فعمي كان في غاية البخل .
تلك الأيام أهداني أحد زملاء الدراسه قصة تحت ظلال الزيزفون ( ماجدولين ) للكاتب الفرنسي
الرائع الفوانس كار والذي بفضله أصبحت أعشق القراءة بل أكاد لا أتنفس إلا من خلالها
ولحسن حظي كانت بجوارنا مكتبة رائعه والبائع كان كما كنت ادعوه عم عثمان السوداني
الذي ارتبطت به كثيراً والذي كان يُعيرني الكتب بمبالغ زهيدة كنت أوفرها من مصروفي
المدرسي فقد كانت أمي تُعطيني ريالان وكنتُ أحتفظ بها ولا أشتري بها فطوراً وأكتفي
بوجبة الغداء لأنقدها لعم عثمان وأتلذذ بالكتب التي كانت أنيسي وجليسي .
قرأت أمهات الكتب في كل فرع من العلوم وأحببتُ كثيراً من الكتَاب العمالقه , شدتني
الروايات كثيراً ولأن الرواية ليست من أصول الأدب العربي أحببت الروايات المترجمه.
مرت الأيام ونحن على هذا الحال وبدأت بوادر المراهقه تظهر علي وعلى إدى بنات عمي
والتي كانت عيونها تفضح ما بداخل قلبها من حبٍ لي إلا أن تجرأت وأصبحت ترمي لي
الرسائل الغزليه عندما تراني قادماً ولم أكن أستطيع إلا إلتقاطها خوفاً من أن يجدها
عمي أو تصل إليه من أحد أبنائه الحمقى .
في إحدى الطلعات للبر ( الكشتات ) نحن وبيت عمي الآخر في ليلةٍ كان فيها القمر بدراً
وكعادتي في الكشتات أذهب بعيداً بعض الشيء عن مخيهم وقت النوم لأستمتع بالإنفراد
بالطبيعه , ما بين النوم واليقظه وفي ذلك السكون الرائع شعرت بأصابع تعبث بصدري
ففتحت عيناي لأتفاجأ ببياض وجه إبنة عمي الذي أضاء الوادي حتى أن البدر من
غيرته منها تمنى الرحيل , حين استدركتُ الموقف وودع أجفاني النوم تملكني الخوف
وقلتُ لها أرجوكِ إرجعي للخيمه ولا تفضحيني , قالت الكل نائم وتركتُ أختي خلفي
تُراقبهم وتُشغل من يستيقظ فلا تخاف , بدأتُ أهدأ قليلاً وقلت لها ماذا تُريدين !!
أشارت بإصبعها نحو قلبي وهي تقول اُريد امتلاك هذا حرام عليك ألا تشعر بلهفتي
عليك ثم وضعت وجهها مقابل وجهي وبدلال وغنج أعتى النساء قالت أحبك فتغلب
شبقي على خوفي وتلامست الشفاه والألسن في قبلةٍ بريةٍ يكاد ريقها أن يروي
الصحراء ويجعلها مروجاً وأنهارا .