-8-
الوصية الثامنة تتكون من 23 سطرًا، أيضًا استخدم الشاعر فيها الفعل "لا تصالح" مرتين كعادته، كما أتى بكلمة "الصلح" مرة واحدة منفردة في قوله:
فما الصلح إلا معاهدة بين ندين
وهو في هذه الوصية ينصح الآخر بأن لا يصالح حتى تستقيم الأشياء وتستقر ويعود كل شيء إلى موضعه الطبيعي، ذلك أن كل شيء تحطم في لحظة عابرة، كل شيء تحطم في نزوة فاجرة:
لا تصالح
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة
النجوم .. .. .. .. . لميقاتها
والطيور .. .. .. .. لأصواتها
والرمال .. .. .. .. لذراتها
والقتيل لطفلته الناظرة
كل شيء تحطم في لحظة عابرة
إن الأشياء التي تحطمت في لحظة عابرة وفي نزوة فاجرة هي:
1- الصبا
2- بهجة الأهل
3- صوت الحصان
4- التعرف بالضيف
5- همهمة القلب حين يرى برعمًا في الحديقة يذوي
6- الصلاة لكي ينزل المطر الموسمي
7- مراوغة القلب حين يرى طائر الموت وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة.
إنه عالم من الطفولة والبهجة والأصالة والكرم والحب والنقاء والطهر قد افتقدناه، فكيف تأتي عملية المصالحة وكل هذه الأشياء غائبة عنا؟ إن الموجود حاليًا في عالمنا هو نقيض هذه الأشياء، الموجود هو (الشيخوخة - الحزن - الخديعة والمكر والقشور - الشح والتقتير - الكراهية والنجاسة - والبغضاء والشَّحناء ..).
كيف تأتي مسألة الصلح والطرف الآخر (العدو) الذي سأتصالح معه ليس أنبل وليس أمهر مني، بل إنه محض لص، كيف يسرقني ويسلبني وأذهب إليه وأتفاوض معه من أجل الصلح؟
لا تصالح
فما الصلح إلا معاهدة بين ندين ..
(في شرف القلب)
لا تنتقص
والذي اغتالني محض لص
سرق الأرض من بين عيني
والصمت يطلق ضحكته الساخرة !
أما عن استعمال الشاعر للقافية فقد تكررت الراء فالهاء الساكنة سبع مرات في قوله: (الدائرة - الناظرة - عابرة - الكاسرة - الماكرة - فاجرة - الساخرة)، مع إدخال بعض القوافي الأخرى لكسر رتابة هذه القافية مثل التاء فالهاء الممدودة (ميقاتها - أصواتها - ذراتها)، والتاء فالهاء المكسورة (بمشيئتهِ - بسكينتهِ)، والصاد الساكنة (لا تنتقص - محض لص).
-9-
تتكون الوصية التاسعة من 11 سطرًا استخدم الشاعر فيها الفعل "لا تصالح" مرتين في السطر الأول والسطر الثامن، وهنا يستخدم هذا الفعل بغرض التحذير:
لا تصالح
ولو وقفت ضد سيفك كلُّ الشيوخ
والرجال التي ملأتها الشروخ
إنه يحذره من أبناء قبيلته فربما يجد هذا التصالح هوى في نفوسهم؛ لذا فإن الشاعر يكشف له الحقيقة في هذه الوصية لأن مثل هؤلاء ما هم إلا رجال ملأتهم الشروخ:
هؤلاء الذين يحبون طعم الثريد
وامتطاء العبيد
هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم
وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ
إن الشاعر يلجأ إلى أسلوب جديد في هذه الوصية يعزف عليه، وهو أسلوب الترغيب والمدح، فربما يستطيع بواسطة هذا الطريق التأثير على الآخر، إنه يقول له:
لا تصالح
أنت فارس هذا الزمان الوحيد
وسواك .. .. .. المسوخ
إنها المرة الأولى التي يستخدم فيها الشاعر هذا الأسلوب في الإقناع والتأثير وربما يكون قد لجأ إليه لإحساسه بأنه استنفد كل وسائله من النصح والإرشاد والأمر والاستعطاف والرجاء والتوسل … إلخ؛ لذا فإنه يلجأ أخيرًا إلى أسلوب المدح فربما يستطيع الوصول إلى منطقة نفسية لم يطرقها من قبل عن طريق المدح والثناء على غرار ما كان يفعل شعراؤنا الأقدمون.
ويلاحظ على هذا المقطع أن الشاعر استخدم قافية الواو فالخاء الساكنة في قوله: (الشيوخ - الشروخ - الشموخ - المسوخ)، وأيضًا استخدم قافية الياء فالدال الساكنة في قوله: (الثريد - العبيد - أن تريد - الوحيد).
-10-
أما في الوصية الأخيرة فإن الشاعر مع إسدال الستار على كل وصاياه لا يملك إلا أن يكرر الفعل "لا تصالح" مرتين:
لا تصالح
لا تصالح
ليؤكد على أهمية هذا الفعل المحوري الذي جاءت من أجله كل القصيدة، إنه لا يملك إلا ترديد لا تصالح مرتين بكل ما في هذا الفعل من طاقة وتأثير وإيحاء ومقدرة على الفعل سبق للشاعر أن نثرها في كل الوصايا السابقة؛ لذا فإنه لا يستطيع أن يقول في النهاية شيئًا أكثر من:
لا تصالح
لا تصالح
*****
* الوثبة الفنية في قصيدة "لا تصالح":
يقول د. مصطفى سويف في مقال له بعنوان "النقد الأدبي ماذا يمكن أن يفيد في العلوم النفسية الحديثة" - (مجلة فصول - المجلد الرابع - العدد الأول - أكتوبر/ نوفمبر/ ديسمبر 1983م): "لقد كشفت النتائج التي أمكن الوصول إليها من دراسة العمليات النفسية في إبداع الشعر عن أن الوحدة الأولية للقصيدة هي "الوثبة"، وهذا بناء مغاير للوحدة الفنية المعتادة التي هي البيت، والوثبة مجموعة من الأبيات تليها دفقة واحدة من دفقات النشاط الفكري الإنتاجي، وبالتالي فإن التفكير الإبداعي في الشعر يتقدم في خطوات تتخذ شكل وثبات، أي أن فكر الشاعر لا يتقدم من بيت إلى بيت ولكن من وثبة إلى وثبة، وليس للوثبة طول ثابت، فقد تكون ثلاثة أبيات وقد تكون سبعة أو أكثر أو أقل ....".
ونحن إذا قمنا بتطبيق هذا المفهوم النقدي النظري على القصيدة التي نحن بصدد دراستها فسنجد أن هذه القصيدة تحتوي على عدد هائل من "الوثبات"، وعلى سبيل المثال سنجد أن الوصية الأولى التي تكونت من 26 سطرًا قد احتوت على تسع وثبات يمكننا طرحها على النحو التالي بغرض تقريب هذا المفهوم النقدي من الأذهان:
1- لا تصالح !
ولو منحوك الذهب
2ـ أترى حين أفقأ عينيك،
ثم أثبت جوهرتين مكانهما ..
هل ترى .. .. ؟
3ـ هي أشياء لا تشترى
4ـ ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسكما - فجأة - بالرجولة،
هذا الحياء الذي يكبت الشوقَ ,, حين تعانقه،
الصمت - مبتسمين - لتأنيب أمكما ..
وكأنكما
ما تزالان طفلين !
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أن سيفان سيفك ..
صوتان صوتك
5ـ أنك إن مت:
للبيت رب
وللطفل أب
6- هل يصير دمي - بين عينيك - ماء ؟؟؟
7- أتنسى ردائي الملطخ .. ..
تلبس - فوق - دمائي - ثيابًا مطرزة بالقصب ؟؟؟
8- إنها الحرب !
قد تثقل القلب .. ..
لكن خلفك عار العرب
9- لا تصالح .. .. ..
ولا تتوخَّ الهرب !
وبهذا المفهوم التطبيقي سيتضح أن كل وصية تحتوي على عدد من الوثبات، وقد رأينا بالفعل أنه ليس للوثبة طول ثابت فقد تكون سطرًا أو أكثر.
وما من شك في أن هذا المفهوم النقدي الجديد نحن في حاجة إليه، وفي حاجة إلى مفاهيم نقدية مماثلة تمكننا من الاقتراب أكثر من مفاهيم وجماليات الشعر العربي المعاصر، وهذا لن يتأتَّى إلا بمعانقة المفهوم النظري للمفهوم التطبيقي للشعر بعامة.
منقول ..