الرحلة
... وهب أنك قد حملت تخاذلك معك ، وانتويت ما لم تكن تنتوي ، وفارقت الأهل والأحباب إلى حيث لا يستطيع الناس قراءة حزن عينيك ثم أنك استسلمت لألم ظل يراودك سنينا ،ففتحت له أبواب القلب ، أتراك تعرف للراحة طعما أم تراك تستعدي عليك كل حواسك ،فتفتح على روحك نوافذ كنت تظنها تبعث السلوى ،فإذا بك لا أنت بالمقيم على الوهن ولا أنت بالمرتحل ،وبماذا ستجيب إذا سألك الناس هل عدت حقا أم أنك تمثل في الغياب كعادتك ؟
إذا قلت لك أنه أخذ للرحلة زادا لا يقيم أود طفل ما صدقتني ،وأنا أجزم أنك لن تصدقني لأن معرفتك به تحول دون ذلك ... غير أن هذا ما حدث وأنت علمت مسبقا أنه انتوى الرحيل
قالت أم المؤمنين عائشة " لولا أن النبي (صلى الله عليه وسلم )قال أن السفر قطعة من العذاب لقلت أن العذاب قطعة من السفر "
بورك للفتى في زاده ورأيته يعطي المسافرين بعض كسرات خبز وملح ..... هل تراه كان يستعطي في غفلة مني , وأنا الذي ما مللت مراقبته غير أني لم أبرح
الرحلة ليست كغيرها إنها بلا متاع ولا زاد ،والمسافرون وكأنهم يتواطئون على الصمت ،ولا يبدو عليهم أثر السفر والإعياء ......... كل هذا وأنت لا ترى لصحراء روحك آخر ولا أنت ذو مبتغى يطلب ،ولا هدف يسعى إليه ،وهكذا وأنا العليم بك حكمت فما جرت عليك ولا ظلمت .
يتلون الأفق بألوان البعد والنأي والتنائي والفقد توشيه ريح النوى وتزوّم له ،والأفق ليس بالذي يهادن أو يقترب أو يمنح ووده -إذ يتبدى- سراب وخيبة أمل متشفية .
الطريق على وعورته ينسل تحت قدمي والخطى إذ تبطئ تعدو نحو مجهولها وأنا في آخر الرحل أندي جبيني بقطرات علها الذاكرة برأسي لا تشتعل بالأسى
بينما كان الصبح ينبش على أطراف الصحراء لجوجا ويصخب والرحال على حالها من التشعث والشتات هبت في النفس غابة الحنين ترشق في الخلايا لوعة الاشتياق غير المحترز من مغبة المناوشة الصارمة على عتبات الروح ......... جاءني صوتك يكرر الأسئلة وينحو بالجواب منحى اللوم والعتب وها أنت تمثل أمامي لا يرى عليك أثر السفر في غير بهائك القديم ،تبسم في غير عزاء ولا تسرية وأنا ضدك الآن لاريب أبغيك متسامحا أكثر وعطوفا حد الأمومة .
الوصول إلى الشاطئ وانتظار مالا يجيء كون الفقد حالة تستحيل على المفارقة وكوني لا أرى غير منتهى الحلم والمسافات أشرعة تلوح بالابتعاد والتنائي والموج أبكم أفلا أستنطق الرمل ؟والبوح لا يغني من الفقد شيئا غاية الأمر أني رأيتك تتوضأ من مائه وتقول " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " وأذنت للصلاة وكبرت وأنا أرقبك .... أرقبك غير أني لم أبرح .
أردف والكل يأتي بعد الجزء وليس بعد التمام إلا النقص والحال على مالا يرام وأنا فوق السفينة عابس عبوس من لا يرى في نفسه أملا أتشاغل عنك بالنظر إلى المبحرين معي في رحلة لا تبتغي وصولا ، غشاني نعاس الأمنة ،ورأيتك على الماء تمشى متوكئا عصا لك أعرفها وليس لك فيها مأرب ولا لي تظللك غمامة وتأتي لتمد يدا راعشة ولا أمد لك يدا إذ رأيت في وجودك بددي وفي جلائك خفائي ولم يلتبس علي أمر ترددك وانحسار يقينك .. هل غلب حقدي عليك احتياجي إليك ؟
هل غدرتي تلك ظنك في أم ظني فيك ؟
المحنة كشفت دخيلتي وأنت ليس لعفوك حدود ، وأنت قد نبئت أنني عندما أفقت من غفوتي قد قمت واعتليت السارية وقفزت عنها إلى الماء .... والسماءكانت شاهدة أني ما فعلته عن أمري ، وذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا......