مشكلات التعليم والتربية في هذا الأوان تتعرّض لكثير من العمليات الجراحية الخارجة عن إطار القانون الطبي الذي يحفظ للمشكلة المرضية حق التخدير الكامل أو حتى الموضعي لحين الفراغ من إنجاز المهمّة .
وما نلمسَُه هو طرح تلك المعضلات على أساس الرضا بما تفرزه آراء الباحثين في القضية ـ الذين اختيروا لبحثها قبل أن يعيشوا جزءً منها ـ ومصدر ذلك هو : الخنوع التام لكل بيان ختامي صادر من كل ندوة أو لقاء على شكل توصيات أو على هيئة مرئيات تسلك طريقاً وَعِراً في التنفيذ بينما تسير مرّ السحاب عبر أجهزة الحاسب وبرامج التّلوين والإخراج وتضيق بها أروقة المطابع ومخازن المطبوعات .
ليس العَجَب أن تَجِد جهات حكومية تُعْنى بالاجتماعات أكثر من عنايتها بالدراسات وليس غريبا كذلك أن تشاهد مسئولا بارعا في النفي أكثر من إحسانه لحضارية الاعتراف بالخطأ وتلافي التقصير ومحاسبة المهملين .
بل إنه ليس بالأمر المستهجن أن يكون لكل قطاع إدارة ذات أقسام وفروع ومديرها له (إدارة إضافيّة كاملة) لمكتبه وبهرجة لموظّفيه وزخرفاً لتوقيعاته كل ذلك تحت مسمى (العلاقات العامة أو الحكومية أو الشئون الإعلامية أو خدمة المجتمع) ونحو هذا من أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان .
وما أعنيه ليس اعتراضا على اختيار اسم بل أقول : إنّ من جُبِل على تبرير الخطأ المقصود ونفي الخطأ غير المقصود واسْتمرأَ الجِدال عن كل جائر وَجَب عليه وضْع الحواجز المتينة المبنية بجدران النفي المطلق والمثالية المزعومة .
إنما الأمر الأغرب هو أن تنهج التربية ويسلك التعليم منحى معوجّا في كل اتّجاهاته ويبنى أهراما مغلقة لمجرّد الشعور بالعظمة والجبروت في البناء ويعطي وعودا زائفة لأحلام ورديّة لا نشعر بها سوى في قصص الخيال وأفلام الكرتون ، ويتعدّى ذلك باحتفالات ضخمة سروراً بإنجاز لم يتحقق ورصيد مكشوف منذ زمن .
ما أقصده ويحْلم به رفقاء غُرْبتي : هو ( تربية وتعليم ) في عصر امتلأ بالحضارة المادّية وانطلق بعيدا عن دراسة تاريخ الدولة العثمانية وتجرّأ على تجربة المخترعات في كل زمن وأي بقعة وعزم على أن لا يثبت حقيقة علمية إلا برأي العين وسمع الأذن .
عصرٌ تعلّمت فيه البشرية المهارة قبل الفكرة والقدرة قبل المعرفة ، حتى وصَل شركاؤُنا في الوجود الإنساني على هذه الأرض لشطَحَاتٍ علْميّة مبهرة وبقينا نحن نُحفّظُ أطفالنا صادرات وواردات ساحل العاج وجزيرة سومطرة .
ثم يأتي من بعد ذلك من يفتينا قبل أن نستفتيه بأن كل الأمور تجري على ما يرام وأن الحرص موجود والدراسة جارية على قدم وساق والمختصون مهتمون بمصلحة الجميع والرأي حكيم والمستقبل زاهر والصبر مطلوب لأن كل ما نخطط له مازلنا ولله الحمد بصدد تخطيطه ومجسّمات المشاريع مصنوعة من عيّنات ممتازة موضوعة في بلّور لامع فلا داعي للعجلة وليس هناك سبب للامتعاض ولا مخوّل للاعتراض إذ أن جميع ما يطلبه الجميع هو مصب اهتمام الجميع .
ماذا بقي إذن غير أن أقول إن ( التعليم والتربية ) في أمانٍ من كل تغيير لا تُحْمد عقباه بل وفي منآى عن حقد الراغبين في مجاراة العصر الذي لا يصلح لنا ، فنحن ما زلنا في طور من يحتاج لوصيّ والوصيّ مؤتمن وهو من يتحمّل وزرها والمهم أن يكون هناك من نلقي عليه مسئولية ما يحدث وليس المهم أن يحدث خلل أو اضطراب في جهازنا التنفّسي فلا طاقة ( للتربية والتعليم ) أن تعلّم الصغار زفيرا وشهيقا عمليا ولا أن تربّي فيهم حب استنشاق هواء نقي إذ لا فرق بين ( حماية البيئة وحماية النشء ) بغير المنشورات والمطويات والتوصيات .
وما أوصي به هو عدم التردّد في دراسة المشكلات حتى ولو على سبيل المشاركة فما زال هناك متسع من الوقت لكثير من الاجتماعات قبل أن ينتهي وقت الدوام الرسمي وإذا انتهى فإنّ قاعات الفنادق هدفها استقطاب كل من يريد الكلام والحديث بشرط أن يكون غداء عمل أو عشاءه أو حتى إفطاره فلا تنضُج عقول إلا بعد مائدة دسمة يفترض أن تكون خالية من الكلسترول .
أخاف فقط أن تموت (التربية والتعليم) في غرفة العمليات نتيجة فقدان كمّية هائلة من الدماء نزفت من كثرة (التشريط والتخييط) مع أنّ نسبة نجاح العملية عندنا دائما 99% ولا زلنا نراقب التحسّن والله هو الشافي والمعافي .