رجال الفجر
تأملوا هذه الصورة الجميلة ، وهذا الموقف الرائع ، والذي يصوره لنا الحبيب، فقد أخرج الإمام أحمد بسند حسن من حديث ابْنِ مَسْعُودٍ،عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ وحِبِّه ـ وَحَيِّهِ ـ إِلَى صَلَاتِهِ فَيَقُولُ رَبُّنَا أَيَا مَلَائِكَتِي انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي ثَارَ عن فِرَاشِهِ وَ وِطَائِهِ وَمِنْ بَيْنِ حِبِّه ـ حَيِّهِ ـ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي،وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي..".الله أكبر! إنها صورة لفئة من المسلمين، المنتصرين على أنفسهم وشهواتهم، صورة إيمانية رائعة لكم أنتم يا رجال الفجر، يا من استجبتم لنداء الرحمن، يا من ثرتم على ألحفتكم، ورميتم أوطئتكم، وفزعتم من بين أهلكم وحِبكم، إلى صلاتكم..هنيئاً لكم، فقد عجب الرحمن لكم!! "ما حمل عبدي هذا على ما صنع؟ ربنا رجاء ما عندك، وشفقة مما عندك. فيقول: فإني قد أعطيته ما رجا، وأمنته مما يخاف.."، عجباً ربما سهرتم وتأخرتم في النوم فكيف فزعتم للصلاة؟!كيف تركتم لذة النوم؟ كيف هجرتم الفراش الوثير؟ لماذا ؟ ما الدافع لكم ؟ وما السر في حرصكم ؟ لَمْ تخرج أيها المسلم من أجل مال أو دنيا تصيبها؟ عفواً ! إذاً حدثونا يا رجال الفجر عن السر؟! فقد ضاقت علينا أنفسنا ؟ حدثونا فقد أظلم النوم والكسل قلوبنا ؟ أنقذوا يا رجال الفجر رجال الضحى والظهر فصلاة الفجر تئن وتشكي حالهم إلى الله؟ نحن لا نتحدث عن صلاة الليل، ولا عن قيام الليل، بل عن صلاة فرض؟ عن ركن من أركان الدين، بل هي عمود الدين، ومع ذلك فالصف الأول الذي لم يكتمل نصفه في الفجر يشكو الهجران! منابر الأذان بُحت أصواتها! محاريب المساجد ذرفت دموعها! فأيام الناس اختلط ليلها بنهارها! وسوادها ببياضها،ولباسها بمعاشها! فأين العاقل الذي يقف مع نفسه يكاشفها ويحاسبها؟! في استطلاع للرأي شارك فيه أكثر من أربعة آلاف زائر لأحد المواقع..كان هناك أربعة عشر بالمئة (14% )لا يصلون الفجر في وقته أبدا..وستة عشر بالمئة (16%)يصلّونها نادرا، وثلاثة وثلاثون بالمئة (33% )أحيانا، وخمسة وثلاثون بالمئة (35%) دائما، أي من يدامون على الفجر نحو الثلث فقط؟! أما الأكثر فهم صرعى ضربات الشيطان بعقده الثلاث يغطون في سبات عميق فعفوك اللهم عنا،" فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا" [مريم:59]. فقوله:" أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ": قيل:تركها بالكلية. وقيل: أضاعوا المواقيت. وفي قوله:"فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ"[الماعون:4-5] أخرج الطبري عن مصعب بن سعد، قال: قلت لسعد:" الذين هم عن صلاتهم ساهون" قال:" أهو ما يحدّث به أحدنا نفسه في صلاته ؟ قال: لا، ولكن السّهو أن يؤخرها عن وقتها.وسنده حسن.(التفسير الصّحيح/ د. حكمت بشير 4/672). ويسأل أحد المؤذنين فيقول:أحياناً أؤذن ولا يأتي أحد، وأنتظر حتى أخشى أن تشرق الشّمس، فهل لي أن أغلق المسجد لأدرك الجماعة في مسجد آخر؟! فيا رجال الفجر حدثونا! أسرعوا أنقذونا! فقد بال الشيطان في الأذنيين،وثقلت العينيين، وانتفخت الرئتين والمنخرين، ليست مرة ومرتين، بل مرات وكرات حتى لقد ظننا بأنفسنا النفاق، وشاهت الوجوه وساءت الأخلاق، قال أبي بن كعب صلى النبي صلاة الصبح ثم أقبل علينا بوجهه فقال:"أشاهد فلان؟" قالوا: لا, فقال:"أشاهد فلان؟ "قالوا: لا, لنفر من المنافقين لم يشهدوا الصلاة, فقال: "إن هاتين الصلاتين أثقل الصلاة على المنافقين،ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا".فلا شك أنكم علمتم ما فيهما يا رجال الفجر فهيا حدثونا عن السر؟. لو نطق رجال الفجر لقالوا: روحٌ دعاها للوصال حبيبُها فسَعَتْ إليه تُطيعُهُ وتجيبهُ
يا مدعي صدقَ المحبةِ هكذا فعلُ الحبيبِ إذا دعاهُ حَبيبُهُ
إنها من أجمل لحظات الدنيا أن تسير بهدوء وصفاء، وسكون ونقاء، لا يراك إلا أمثالك، من الصفوة الأخيار الذين يتسللون من الأحياء والحارات، يتسابقون للمسجد في الظلمات،"فبشِّروا الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " .
منقول عن:
د. إبراهيم بن عبد الله الدويش