خروج المهدي في حج هذا العام......أحلام يقظة أم حقيقة منتظرة
الحمد لله وحده و الصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد،
فقد شاع في الآونة الأخيرة ظاهرة غريبة جدا، ألا و هي ظاهرة الخوض في قضية المهدي من غير هدى و لا بصيرة. و كان من نتاج هذه الظاهرة أن أفرزت أقوالا مستنكرة و شاذة، تحمل في ثناياها القول على الله بغير علم و الرجم بالغيب من غير برهان. وهي تعكس ما وصل إليه حال بعض المسلمين من جهل بالعلوم الشرعية و غفلة عن سنن الله الكونية. بل قد بلغت الجرأة ببعضهم أن يقسم بالله أن المهدي خارج في حج هذا العام، ((أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)). و قال آخر: إن هذه الرؤى المتواطئة في قرب خروج المهدي هي كمنزلة الحديث المتواتر في شريعة الإسلام، ((سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ))، و لست أدري كيف سيكون موقفه لو كان مع أصحاب جهيمان و قد تواطأت رؤاهم على أن المهدي فيهم، و لكن الله سلم. و آخر يقول: المهدي موجود بيننا الآن، وهو معروف لدينا، و نائبه فلان بن فلان، ((أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ)).
و ضعف هذه الأقوال ظاهر جدا، لا يحتاج فيه إلى إيضاح أو بيان. و العجب أن يتولى كبر هذه الأقوال رجال يظهر من كتابتهم أن لهم معرفة لا بأس بها بعلوم الإسلام، فليت شعري ماذا أبقوا للجهال و العوام. و قريبا ستنكشف الستور، و ستظهر حقائق الأمور، و يا ليتهم يتعظون أو يتوبون. و من العجائب أيضا، أن بعضهم يظنون أن الله قد أكرمهم بكشف بعض الأمور المتعلقة بالمهدي لمجرد رؤية رآها في منامه، ثم يذهب و يذيعها و ينشرها على أنها رؤيا حق، و أنها حجة لا شبهة فيها. و عن هؤلاء و أشباههم، قال ابن الجوزي -رحمه الله تعالى- في كتابه تلبيس إبليس (529) : (( و من العباد من يرى ضوءا أو نورا في السماء، فإن كان في رمضان، قال: رأيت ليلة القدر، و إن كان في غيره، قال: فتحت لي أبواب السماء، وقد يتفق له الشيء الذي يطلبه، فيظن ذلك كرامة، و ربما كان اختبارا، و ربما كان من خدع إبليس، والعاقل لا يساكن شيئا من هذا، و لو كان كرامة)).
و الحقيقة أن معظم هذه الرؤى هي عبارة عن انعكاسات لأحاديث النفس و خواطرها و هواجسها التي تمر بالإنسان حال يقظته. و قد جاء في الحديث ما يدل على هذا، ففي سنن ابن ماجة عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: ((الرؤيا ثلاث ، منها أهاويل من الشيطان ، ليحزن بها ابن آدم ، و منها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه ، و منها جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة)) السلسلة الصحيحة 1870. و على هذا فمعظم هذه الرؤى هي في الأصل أحلام يقظة كانت تجول في أفكار و خواطر بعض الناس، ثم ما لبثت و أصبحت رؤى يرونها في منامهم، فهي بالتالي داخلة في الظنون الكاذبة التي لا تغني صاحبها شيئا، قال الله تعالى: ((وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)). كما أنه من المعلوم لدى الجميع، أن حالة النوم ليست حالة ضبط و تثبت، بل هي مظنة اختلاط الأمور و التباسها على الرائي. و لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-في الفتاوى (27/457) : (( الرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها، لا يجوز أن يثبت بها شيئا بالاتفاق)).
و الحقيقة أن هذه الدعاوى التي تظهر يبن الحين و الآخر، و تزعم أن هذا زمان المهدي، ليست بالأمر الجديد في تاريخ الإسلام، فما أن يمر بالإسلام حالة ضعف و وهن، إلا و تجد أقواما يزعمون أن المهدي خارج فيهم، حتى قال عنهم ابن خلدون: (( يعينون فيه الوقت، و الرجل، و المكان، بأدلة واهية، و تحكمات مختلفة، فينقضي الزمان، و لا أثر لشيء من ذلك، فيرجعون إلى تحديد رأي آخر منتحل من مفهومات لغوية، و أحكام نجومية، في هذا انقضت أعمار الأول منهم و الآخر)) تاريخ ابن خلدون (1/512).
و اختم كلامي هذا بنقل عزيز جدا، عن إمام من أئمة الإسلام، ألا و هو الإمام سفيان الثوري، فقد جاء عن حفص بن غياث قال قلت لسفيان الثوري: (( يا أبا عبد الله، إن الناس قد أكثروا في المهدي، فما تقول فيه؟ قال: (( إن مر على بابك فلا تكن منه في شيء حتى يجتمع الناس عليه)) حلية الأولياء (7/31).
سبحانك اللهم و بحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك و أتوب إليك.
و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيد المرسلين.
منقول