لم تظهر حقوق الإنسان في العالم على شكل قانون له ضوابط إلا في منتصف القرن الماضي، فنظرية حقوق الإنسان تطورت تدريجياً ومازالت في حالة تطور. فخلال القرن الماضي بدأت منظمات وجماعات ومؤسسات مهتمة بمراقبة وتحسين ظروف وأوضاع حقوق الإنسان في العالم بإشاعة المبادىء الأساسية لحقوق الأفراد والجماعات عبر وسائل الاتصال الممكنة، وقد مارست لتحقيق هذه الغاية أشكالا متنوعة من الإقناع والضغط على دول العالم من اجل الإسراع للدخول في معاهدات دولية لإلزامها بتوفير الحدود المتفق عليها من الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، لا سيما المتعلقة بالجانب المادي كحق الحياة وتوفير فرص معيشية متساوية وحق الكسب والتعليم والعمل وبالجانب المعنوي كحق العبادة والتعبير عن الآراء والمعتقدات والحقوق السياسية والفكرية لكل جماعة.
وبسبب تضارب المصالح بين الدول وهكذا تباين المواقف بينها بالاستناد على اعتبارات دينية و اجتماعية سواء كانت هذه الاعتبارات حقيقية أو مزعومة، تردد بعض الدول كالسعودية في التوقيع على بعض المعاهدات الخاصة بجوانب خاصة بحقوق الإنسان فضلاً عن تبني المبادىء والعهود والمواثيق التي نصت عليها معاهدات دولية منبثقة عن لجان تابعة لهيئة الأمم المتحدة والمتعلقة بحقوق الإنسان.
الإشكالية التي مازالت تتردد كتبرير لإحجام بعض هذه الدول وبخاصة المملكة العربية السعودية التي قدمت عبر كتيبات وتصريحات ومقابلات تفسيراً محدداً لموقفها السلبي من بعض الاتفاقيات الخاصة بحقوق الإنسان، أن هذه الاتفاقيات تمثل، من وجهة نظرها، الرؤية أو النموذج الغربي لحقوق الإنسان واللذين يتعارضا مع الرؤية السعودية التي تستند، زعما، إلى الشريعة الإسلامية باعتبار أن الديموقراطية كما صرح بعض الأمراء من آل سعود بأنها محرمة وتخالف الشريعة!
ولكن بمرور الوقت بدأ الموقف المتشدد من موضوع حقوق الإنسان لدى بعض الدول الإسلامية بالتراجع نتيجة ما ظهر خلال العقود الأخيرة من ضرورة وجود حدود مقبولة ومجمع عليها بين أعضاء المنظمة الدولية لتوفير مناخ حقوقي أفضل بخاصة مع تزايد وعي شعوب العالم بحقوقها في اطراد مع تزايد الانتهاكات الخاصة بحقوق الأفراد والجماعات. إذ لم تعد دعوى الامتثال لإملاءات الشريعة الإسلامية مبرراً صلباً كي تنأ الدول المعارضة لمواثيق حقوق الإنسان عن الدخول في البرنامج الحقوقي العالمي، هذا مع ما تركته تلك الدعوى من آثار سلبية على الإسلام نفسه الذي تم توظيفه أحيانا كغطاء قانوني لسلسلة طويلة من الانتهاكات ضد حقوق الإنسان في هذه الدول.
كثيراً ما ينبري بعض المتصدين للدفاع عن موقف الدول التي تقوم على مدعيات دينية وانطلاقاً من موقف تبريري للرد على أسئلة بعض المهتمين بأوضاع حقوق الإنسان سيما السؤال المركزي حول مبرر عدم قبول هذه الدول لمنظومة مبادىء حقوق الإنسان المتفق عليها عالمياً، بأن بعض هذه المبادىء ليست مورد إجماع دولي، وكأن مهمة هذا البعض منحصرة تحديداً في التفتيش عن المعارضين لهذه المبادىء لا عن صدقيتها، ولربما أرادوا بقصد أو خلافه إدراج أنفسهم في قائمة المخالفين والممتنعين. فهل يا ترى أخذ هذا البعض بتعارض أو تطابق هذه المبادىء مع الشريعة الإسلامية أم كان الغرض في جوهره هو البحث عن مخرج يقي هذه الدول من مأزق الانعزال عن الإجماع الدولي في هذا الموضوع على وجه الخصوص؟!.
يلجأ البعض أحيانا إلى لغة تحمل في داخلها تعريضاً بمجتمع المملكة، وخاصة في مورد الجدل حول حقوق الإنسان كمفهوم وكمبادىء عامة. فقد تسمع أحيانا تصريحات غير مسئولة كالتي تقول بأن القبول بمبدأ الحرية كأهم معلم من معالم حقوق الإنسان يعني توفير غطاء قانوني لجماعات الشذوذ الجنسي وتشجيع الحرية الجنسية. وكان حري بهذا البعض أن يتأمل في مدلولات هذه التصريحات التي تبطن اتهاماً لشعوبها. وثانياً هل كانت الجماعات الشاذة بحاجة إلى منظمات حقوق الإنسان كي تمارس نشاطها بحرية، وهل وضعت حقوق الإنسان كي تضمن، في الأصل، لجماعات الشذوذ حقوقها المهضومة؟!. وهل حقوق الإنسان اختزلت في مجرد بند متعلق بالحرية الجنسية؟ فهل استكمل البناء الحقوقي في المملكة حتى لم يعد ينقصها سوى الحديث عن نبذ أو قبول هذا البند على وجه التحديد؟
مما يؤسف له أن تصدر مثل هذه التصريحات من أشخاص تعلموا بل وتربوا على معنى الحرية وحق الإنسان في أن يفكر ويعبر عما يفكر فيه دون خوف من أجهزة الأمن أو مراقبة من قبل الأمن والإعلام.
أضواء على مواد النظام الأساسي المتعلقة بحقوق الإنسان
يتضمن النظام الأساسي للمملكة المعلن في مارس 1992 مجموعة مواد يمكن إدراجها ضمن لائحة حقوق المواطن. فالمادة 27 تنص على أن "الدولة تضمن حق كل مواطن وعائلته في حالات الطواريء، المرض، العجز وكبر السن". والمادة 28 تنص على أن الدولة توفر التعليم وتحارب الأمية". والمادة 30 تنص على الرعاية الصحية والمادة 35 تضمن عدم اعتقال أي فرد أو سجنه أو تقييد نشاطه سوى ما حدده القانون. والمادة 37 تحظر التدخل في أو مراقبة الخدمات البريدية والتلغرافية والاتصالات التلفونية أو أي وسائل اتصال أخرى. وتتويجاً لما سبق فالمادة 40 تقول بأن الدولة ترعى حقوق الإنسان وفقاً للشريعة الإسلامية.
ولكن بعد مرور نحو عشر سنوات على صدور النظام الأساسي للحكم هل تحسنت ظروف وأوضاع حقوق الإنسان في المملكة. فغياب الحريات الأساسية المتعلقة بالتعبير والتجمع والتمييز المؤسس ضد المرأة والأقليات الدينية واستعمال عقوبة الإعدام للقضاء على المعارضة السياسية مازالت المشاكل الحقوقية الضاغطة في المملكة. فالملكية المطلقة لاتسمح لنقد العائلة المالكة أو الحكومة والذي غالباً ما يواجه النقد بتهديد الاعتقال العشوائي والحجز بدون محاكمة والتعذيب والإعدام لإسكات المعارضة.
ولي العهد الحالي الأمير عبد الله بن عبدالعزيز الذي بدأ يمارس إلى حد كبير صلاحيات الملك فهد الذي يعاني من آثار الجلطة الدماغية التي أصابته عام 1995، بدا أكثر انفتاحاً على المشاكل الاقتصادية والسياسية التي تعيشها المملكة في الوقت الراهن حيث تحدث بصراحة عن ضرورة محاربة الفساد، والحاجة لكي تلعب المرأة دوراً اكبر في المجتمع. فقد صرح في شهر ابريل الماضي بأننا لن نسمح لأحد مهما كان بأن يقوض او يهمش دور المرأة الفاعل في خدمة دينها وبلدها. وقد فتح التصريح باب المناظرة غير المسبوقة في المجتمع حول دور المرأة. ولكن المرأة مازالت تواجه تمييزاً مؤسسياً ينال من حريتها في الحركة والتجمع وحقها في المساواة في التوظيف والتعليم.
فمازال الحظر ساري المفعول على المرأة بقيادة السيارة، وقد صرح الأمير نايف وزير الداخلية بأنه "ليس لدينا نية للسماح للمرأة بقيادة السيارة" كما يمنع على المرأة السفر للخارج بدون محرم، إضافة إلى حقوق أخرى مازالت المرأة في السعودية تناضل من اجل تحقيقها.
وبينما يصل معدل البطالة بين المواطنين السعوديين المؤهلين للعمل إلى نحو 27 بالمئة حسب تقديرات متحفظة، فإن قوانين العمل في السعودية مازالت ساكنة، فحتى الآن لم تحسم مسألة الحدود الدنيا للأجور، وان الحكومة مازالت عاجزة عن توفير فرص عمل متكافئة لمواطنيها، ومازالت الرشوة والواسطة على أساس القرابة والمنطقة والمذهب تمثل معايير حاكمة في التوظيف كما هو الحال في التعليم. من جهة ثانية، يعتبر ما يسمى بنظام الضمان الاجتماعي إحدى المؤسسات الأقل نشاطاً في مجال كفالة العاطلين عن العمل والمرضى والعجز وكبار السن، فغياب نظام يضمن للمواطنين الذي عجزت الدولة عن توفير فرص عمل مناسبة لهم حدا أدنى من الضمان الاجتماعي ريثما تتاح لهم الفرص للعمل تحرم كثيراً من العاطلين من حق التمتع بأوضاع إنسانية معتدلة نسبياً خاصة بالنسبة لأولئك الذين أنهوا دراساتهم الجامعية.
من جهة ثانية، ثمة قلق متزايد إزاء العقوبات القاسية التي تفرضها الإجراءات غير العادلة من قبل وزارة الداخلية إضافة إلى عوامل أخرى التي تستمر في تقويض استقلال النظام القضائي، وتشجع العشوائية في صدور الأحكام وتسمح بتضليل القضاء من خلال مجموعات ذات مصالح مشتركة. هذه العوامل تشمل انعدام العلنية ونظام قضائي مبثوث أو نظام التدابير الخاصة بالجرائم. فالصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها الملك في تعيين وطرد القضاة وفي إنشاء محاكم خاصة إضافة إلى حق التصرف الممنوح للقضاء في تعريف القضايا الإجرامية وتقرير العقوبات بما يشمل الجلد، وبتر الأيدي وقطع الرؤوس.
وبناء على القوانين الخاصة بالاعتقال والحجز المؤقت والقوانين الوقائية الصادرة من قبل وزير الداخلية في العام 1983 فإن المعتقلين ليس لديهم الحق في المراجعة القضائية، فقد يحجزون على ذمة التحقيق مدة واحد وخمسين يوماً قبل أن ينظر في قضية اعتقالهم، وقد يبقى المعتقلون إلى مدد غير محدودة في حال لم يأمر حاكم المنطقة أو وزير الداخلية بإخلاء سبيل المعتقل أو محاكمته. كما إن المعتقلين ليس لديهم الحق في التشاور القانوني، أو اختبار الشهود واستدعاء شهود آخرين للإدلاء بشهاداتهم لصالح المتهمين. فالقوانين السعودية تقر الاتهامات الصادرة على أساس اعترافات غير مثبتة أو معززة بوثائق، فكثير من الاعترافات المنزوعة من المعتقلين تحت ظروف نفسية وجسدية قاسية يجري اعتمادها من قبل القضاة الخاضعين بدورهم إلى وزارة الداخلية حيث تجري المحاكمات داخل المعتقلات ويجري سرد التهم من قبل المدعي العام للمحكمة والذي قد يكون احد المعذبين والمحققين فيما يتولى القاضي إصدار حكمه القضائي بناء على الاتهامات الموجهة إلى المعتقلين والذين يحرمون من حق الدفاع ونفي التهم أو حتى شرح ملابسات الاعترافات المسجلة ضدهم.