( 8 ) ..
فتحت الـ شيماء صفحة بيضاء جديدة ، و راحت تحدثني عن الأديان ، و تكرر تلك العبارة المشهورة المتعلقة بالأفيون !!
جادلتني في الأديان كثيراً .. رغم أنني لا احمل في جعبتي الثقافية الصغيرة الشيء الكثير عن الأديان ! .. كانت تحجب عني رؤية تلك الأرستقراطية ذات النظارة السـوداء ، و فجأة يأتي صوت كأنه من السماء ، ينتشلني كالبرق من مقعدي !
- May I have a seat Please ?
- Yes, Please
- Thanks
رباه.. ماذا افعل الآن .. إنها أوربية !!
كيف سأخبرها أن لغتي الثانية لا تتجاوز حدود الفنادق و المطارات و المصارف !!
- تستطيع أن تناديني " كامي "
- تتحدثين العربية ؟
- أنا سعودية !!
شعور يصارع أمواج الفرح بانتصار حدسي على تحدي الـ شيماء و أعاصير من ذهول بتلك الجملة .. ( أنا سعودية)!!
كيف لأنثى سعودية أن تكون في حانة ؟ .. مستحيل !!
ربما هي تعيش في المملكة و تتقن لهجة الرياض .. أعرف كثيرات عربيات يتحدثن بطلاقة .. إحداهن زميلة لي في العمل!!
كما أعرف عربيات قابلتهن في مقاهي عمان و دمشق و بيروت .. يدعن أنهن سعوديات!!
ربما هذه إحداهن .. لكن الزمن شتاءً و هن لا يخرجن إلا صيفاً .. كالأفاعي .. كتلك التي صرخ بها صديقي عبد الرحمن (( يؤلمني فقط أنكِ عربية )) كان عبد الرحمن مثلي لا يبحث عن جسد ، و كانت تظن أن كل السعوديون يعشقون ليل الأجساد !!
نظرت إلى شيماء التي كانت قبل لحظة تحتفل نظراتها بفرح الانتصار .. مبتسماً .. مؤكداً لها حدسي !!
- اسمي ثامر .. من الرياض !
- نهرب دائماً من الرياض و حين نُسأل عن عنواننا لا نذكر سواها !
- ربما لأنها في دمنا !
- أي أحياء الرياض تقطن ؟
- الروضة .. و أنتِ ؟
- هل أجد من يترحم لي عندك .. فتحررني من قيد السؤال ؟
- نخب تعارفنا ..!!
- قد شربته على طاولتي ... و لا مانع من أشاركك هنا !!
- تلك الكأس كانت لأثبت أنكِ ليست أوربية .
- لكني قبلت بدعوتك !
- رغم ذلك كان شعوري يؤكد أنكِ ليست أوربية !
- ربما لأن للرياض شريان في كلٍ منا !
- استغرب وجودك في هذا الزمن خارج الرياض !
- إن عرفت أن والدتي دمشقية .. تزول الغرابة .. !!
- بالتأكيد تزول .. هل أنتِ طالبة .. ؟
- أدرس الفن التشكيلي .. .. و اعتذرت هذا الفصل .. ربما أنتقل للدراسة في دمشق !
- إن عدت محاولاً إنعاش الذاكرة المتوقفة .. لتذكرت أنني تعرفت على فنانة تشكيلية من قبل .. نعم في عمان .. لوحاتها جداً رائعة .. فنها راقي !
- من الذي عطل الذاكرة ؟
- الألم ..
- ظننت أن السبب هذه الكأس !؟
- لا اهتم للكأس .. لأنها حين تبدأ بتعطيل الذاكرة سأهجرها !
- علمني كيف أستطيع هجرانها إذاً ؟
- هل أدمنتِ ؟
- بل الكأس من أدمنت جوفي !!
- لماذا ؟
- هنا .. قد يكون الألم سبباً لأن تدمن الكأس جوفي !!
- أثنى حزينة .. عربية .. و سعودية .. لا غرابة !!
..
- فلماذا استغربت من كوني سعودية ؟
- في البدء كانت سعادة بأن حدسي قد أصاب و أنني تغلبت على شيماء ..تحولت لذهول كونكِ سعودية في حانة!
- هل عرفت الآن لما أنا حزينة ؟
- حصولكِ على الحرية لا يعني أن وجودك في حانة أمر طبيعي بالنسبة لمجتمعنا !
- ربما لأنكم رسختم انطباع بأننا لسنا كبقية نساء العالم !
- لست ضد المرأة .. لكن لا أنكر استغرابي من وجودكِ في حانة !
- هل تستغرب أم تستهجن ؟
- اعتبرها حرية شخصية !
- هل ترضى بأن ترى أختك .. زوجتك .. قريبتك .. هنا ؟
- بالطبع لا !
- لما تسلبها حريتها الشخصية ما دمت تحترم حريتي الشخصية ؟
- اسمعي يا آنسة كامي ..
- لنلغي الألقاب إن سمحت ..
- حسناً .. أريد أن أقول يا كامي أن هناك تناقض لا أنكره .. لكنني لا أتعب نفسي في التخلص منه !
- واضح أنك تضع أبواباً كثيرة بينك و بين ربك !!
- مدرس شقيقي الصغير قال له يوماً " إن من يقولون دعوا الله يحاسبنا ، فإنهم في طريق الإلحاد " !!
- اعتدت على أن اسمع من يكفرني !!
- أنا لا أكفر أحداً !!
- كنت أراك تكتب ؟
- كنت أحاول قراءة بعض السطور لأرى إن كانت بحاجة لتعديل !
- هل أنت شاعر ؟
- لا
- كاتب
- لا
- صحفي
- لا
- سياسي
- لا .. لا ..
- من تكون ؟
- ضريح
- إذا أنت فيلسوف !!
- أكره الفلاسفة و الساسة و ما يسمى بـ " إسرائيل " !!
- هل أستطيع أن أقرأ ؟
- سأترك معك بعض الوريقات .. يجب أن أغادر الآن فقد حان موعد عزف " حيدر " !!
- و من يكون حيدر ؟
- عازف عراقي .. في فندق الـ شيراتون .. يسرني دعوتكِ لسماع عزفه الراقي ..
- نادراً ما أسمع العزف العراقي ..
- إنه يعزف كل شيء !!
- أعشق فيروز .. !
- لا يوجد من يعزف ناي فيروز غيرها.. اسمعي سأترك أيضاً هذه الأسطوانة الفيروزية معكِ .. لكنكِ تحتاجين لـ ..
- في المنزل يوجد جهاز لهذه الأسطوانات .. أشكرك .. لكن يجب أن أعيدها مع الأوراق !
- أوراقي مبعثرة في كل مكان .. لا مانع أن تتبعثر في أدراجكِ و الأسطوانة سهل الحصول عليها ما دمنا في مدينة !
- ( نو .. نو ) .. يجب أن أعيدها لك .. !
- أين تقيم ؟
- في الـ شيراتون ..
- هل أرسلها إلى الـ شيراتون ؟
- أنا أتواجد هنا بين التاسعة و الحادية عشر كل مساء !
- إذا سأدعوك لطاولتي في الغد .. أم أن شرقيتك تمعنك ؟
- سوف تجيبك شيماء !