(1) ..
- هيـه .. أنت .. أثملت ؟
- هل هذه طريقتكم في التأكد ممن يثمل ؟
- لا عذراً لكن لاحظت صمتك؟
- و هل استيطان الصمت لأشلائي .. يعني أني ثملت ؟
- إذاً أنت عاشق !؟
- كيف ؟
- من لا يثمل ، فهو يعشق !
- لا يا آنسـتي .. عذراً هل أنتِ آنسة ؟
- آنسة أيها البدوي .. (رددتها بابتسامة جميلة ) .. أممم ماذا كنت تود أن تقول ؟
- أردت أن أقول .. أن الذي لا يثمل يتألم !!
كانت الآنسة ( شيماء ) .. تصب كؤوساً في حانة دمشقية ، و كنت الوحيد الباقي في حانتها الراقية جداً !
ربما كانت تريد مني أن أغادر لتخبر مديرها الأصلع القصير برحيل آخر رواد الحانة فتغادر هي أيضاً في التاسعة من مساء الأحد .. !! .. أو ربما كانت تتململ من أن تسقي خمورها لرجلٍٍ يمارس اغتصاب الوريقات البيضاء بصمت !!.. أو ربما أرادت التعرف لرجلٍ اقتحم حانتها بثوبٍ و عقال أسود و معطف جلدي إيطالي فاخر وحقيبة تضم الحاسوب المحمول !!
لم أشأ لهذه الـ .. ربما أن تؤلم عنق تفكيري طويلاً ، و بغير عادتي واجهت الـ شيماء باحتمالية إحدى تلك الـ .. ربما !
ابتسمت .. وكأنها تسخر من هذه (الوقحة) الـ .. ربما !!.. اسـتأذنت للنظر في الوريقات المغتصبة .. إلا أنني لم أنسى بعد كيف أكون رجلاً أنيقاً .. فدعوتها لتبث الدفء في المقعد المقابل، قبل أن أمد لها الوريقات المغتصبة !
كانت في السنة الأخيرة من الحقوق .. بعد عام ستصبح محامية !!
لا أعرف لماذا تذكرت (الشيطان) في الوادي المقدس ؟
ربما لأنني كنت أريد أن أشكو لها (الشيطان) كثيراً .. لأنني أعرفه ضعيفاً جداً أمام الجمال الملائكي !!
هو يحمل شهادة الحقوق .. تذكرت أنه قال بأن شهادته (ليسانس ) !
ليسانس كلمة فرنسية .. تعلمتها من أهل الشام .. حسناً عرفت لقد حصل الشيطان على شهادته من باريس !!
أو ربما من الأزهر لأنه مصري!.. هل الأزهر يمنح شهادات في الحقوق؟ .. ربما .. لا أعرف عن الأزهر سوى أنه منارة دينية!
- شيماء .. هل درس نجيب محفوظ في الأزهر ؟
- أعتقد أن درس هناك !
- لكنك بالطبع قرأتِ له ؟
- طبعاً .. و قرأت روايات تركي الحمد كلها !!
- هل تعرفين أنني لم أقرأ للدكتور تركي أي رواية بعد !!
- مستحيل .. !!
- لا يسمحون لإبداعاته بالانتشار في بلدنا ، و في الخارج لا املك الوقت لقراءة كتاب!!
- لكنه سعودي مبـدع !
- ربما هذا هو السبب !!
..
- لماذا اقتحمت أسوار صمتي بذاك السؤال ؟
- هل أغضبتك ؟
- بصدق .. نعم !!
- حسناً كانت صديقتي معي على الهاتف ، و كنت أصف لها صمتك القابع في الزاوية منذ ساعات ثلاث ، و تحدتني أنك ثمل .. فناديت عليك لأكسب الرهان !
- ألم تخافي أن أكون ثملاً .. و انفجر عليك .. خصوصاً أننا وحدنا ؟
- هناك حارس في الباب إن كنت تذكر .. بنداء خفيف يأتي مسرعاً .. فلا تجرب لأنك حتماً ستفقد أحد أضلعك !!
- لماذا تعملين هنا ؟
- لماذا تحتسي الخمر ؟
- مؤكد أن هناك إجابة لسؤالي ، ولا إجابة أملكها لسؤالكِ !!
- من هو " النبي غوما " الذي يتكرر في سطورك ؟
- جراح يقوم بتوسيع شرايين الرئتين بهدوء كلما ضاقت !!
- هل هو طبيبك ؟
- إنه " النبي غوما "
- يبدو من اسمه أنه إسباني ؟
- إسباني !! .. لم أفكر يوماً بهذا الأمر .. ربما !! .. على أي حال الأسبان أحفاد أجدادنا الأندلسيون ، لذا من السهولة أن تعرفي أنه عربي .. و لأنه نبي فهو سعودي !!
- لا اذكر من الأنبياء من كان سعودياً ؟!
- كل الأنبياء ولدوا في الصحراء .. و الصحراء بلدي .. و أنا سعودي !! .. هل كلماتي مرتبة !
- لا عليك .. أستطيع تفهم سبب عدم كونها غير مرتبة !
- إذاً عليك إعادة ترتيب الحروف إن بقي في الزمن ذاكرة ! لتستعيني بالعاشق الماروني فهو يجيد إعادة ترتيب اللغة بإتقان !!
- هل أعتبرها إهانة ؟
- شيماء .. أنتِ جميلة جداً .. لما تعملين هنا ؟
- هذا لا يمنع أن اعمل في حانة ! .. اسمع .. قل لي من هو العاشق الماروني ؟
- إنه شيخ الصعاليك .. عروة بن الورد !
- لا اذكر أن عروة كان مارونياً ؟
- سأبلغه بملاحظتكِ حين ألقاه ؟
- و من تكون " زهرة السوسن " ؟
- ذكرى من الأزمنة المنتهية !
- حبيبتك ؟ .. عرفت أنك عاشق
- عاشق غبي !!
- كتاباتك عنها مذهلة .. مؤكد أنها كانت جميلة !!
- أتقصدين الروح أم البرواز ؟
- الروح تبقى و البرواز يتصدع .. لكن قل لي لما أنت حزين في سطورك عنها ؟
- لأن الروح و البرواز تهشما معاً قبل مرور قوافل الزمن !
- أنت تكرر أسماء غريبة هنا .. من يكون أنجلو بيدون ؟
- إنسان في الزمن الخطأ !
- كيف ؟
- لا أعرف .. لا اعلم .. اشعر فقط أني أحلق عالياً ..!!
- أين ........؟
- لا اعلم .. لا أعرف .. احتاج شيئان .. كأس و قبلة أنثى !!
- يكفي كؤوس هذه الليلة .. ثم أنني لن أكون الأنثى المناسبة !
- أعلم ...!!
- إنها الإهانة الثانية .. و لا اضمن أن يطول صبري !
- أيُضمد الاعتذار جرحاً ؟
- ما بالك أيها البدوي .. ؟ .. أكاد أقسم أنك ثملت !!
- لم أثمل يوماً !
- أكل هذا ألم ؟
- حتى النخاع .. وداعاً !!
(2) ..
وقفت أمام بوابة الفندق ، أتأمل كيف يهطل المساء ويغطي الطرقات الدمشقية مع انهمار دموع السماء .. حسناً إنه الوقت المناسب لأن أمارس هواية المشي تحت المطر بلا مظلة !! .. لكن يجب أن أتخلص من هذا الشاب اللطيف ..
- لا شكراً لا احتاج تاكسي ، تلك الرمادية سيارتي .. إلا أنني أود أن أمشي حيث الحانة الشرقية!
- يا سيدي إنه المطر !
- أحب أن أمشي تحت المطر !!
- كما تشاء سيدي !
- إن جاء من يسأل عن صاحب تلك السيارة فأرجو أن ترشده للحانة ، و خذ هذه النقود لك !
- سوف افعل سيدي .. بالتأكيد سأفعل !
(3) ..
نهاية الأسبوع في الحانة يكثر البشر .. يملئون الزوايا بصخب كؤوسهم وصراخهم و ضحكاتهم ، و تلك هي الـ شيماء تتجه حيث أقف صامتاً أنظر لزاويتي و محتلوها الغاصبون !!
- مرحباً .. كنت متأكدة أنك ستعود !
- أهلاً شيماء .. هل أستطيع تحرير زاويتي ؟
- فقط .. إن حررت القدس !
- إذاً احتاج أن أحرر نفسي أولاً !!
- لما أنتَ مبلل هكذا ؟ .. أعطني معطفك !
- أعشق أن اغتسل بدموع السماء ..!
- هل تعرفت على دمشق ؟
- ليس بعد .. انظري .. انظري .. لقد غادر هؤلاء زاويتي !
- يبدو فعلاً أن .. " الشياطين تهرب حين تحضر الملائكة " !
- هل اعتبرها إهانة مقابل المرة الماضية ؟
- إن اعتبرتها هكذا .. سيتبقى لي واحدة !
- أيجب أن تثأري ؟
- لأنني عربية !!
- إذا اثأري لنفسك من نفسكِ أولاً !!
- هل آتيك بذات الكأس ؟
- حتى لو من باريس !!
- هل باريس جميلة .. ؟ .. قرأت عنها في كتاباتك التي تركتها معي !
- ربما تعلقت بها لأن أحد أجدادي زارها بعد أن حررته كونتيسة فرنسية من سجون الأتراك في مدنكم !
- هل سكن جدك باريس ؟
- تنازل عن أجمل قصور باريس لأجل تراب الصحراء !
- هل زرت باريس .. هل ذهبت لذاك القصر ؟
- لا لم افعل .. سمعت أن القصر صار متحفاً !
- فلما تكتب كثيراً عن باريس ؟
- قد زارتني يوماً في الحلم .. فعشقتها !
- لو فعلت مثلك لعشقت كل الأرض !
- لتحذري عشق الأرض !
- لماذا ؟
- لأنها لم تعد تثق بالعرب !!
- و لماذا اهتزت ثقتها بالعرب ؟
- لأنهم هجروها منذ أن ارتدت الثوب العتيق !
- ما هو ثوبها العتيق !
- الجفاف !
...
- سوف آتيك بكأس أخرى .. مجانية هذه المرة !
- لن تكون مجانية .. سوف يستقطعون ثمنها من راتبكِ !
- لا تكن رجلاً شرقياً تقليدياً !
- ليتني أكون .. لارتاح !!
- إذاً اقبل دعوتي لكأس قبل أن أغادر !
- إلى أين ؟
- علي مراجعة كتبي قبل اختبار الغد .. هل احجز لك الزاوية للغد ؟
- لا أعرف إن كنت سأحضر .. ربما !
- أين تقيم ؟ .. لاتصل بك و أتأكد من مجيئك فاحجز الزاوية !!
- في الـ شيراتون
- رقم الغرفة .. ؟
- " الأرض مقابل السلام"
(4) ..
استقلت " شيماء " سيارة أجرة من الطريق و غادرت أنا حانة " شيماء " سيراً على الأقدام كما حضرت ، إلا أنني لم اغتسل بالدموع في طريق العودة !!
لم يحن بعد منتصف الليل ، علي الانتظار نصف ساعة حتى موعد بدء عزف تراتيل العازف البغدادي " حيدر " ، الشاب الذي يحمل شهادة جامعية في الهندسة ، الهارب من الحصار !!
كان هناك " حيدر رفحاء " .. " حيدر " آخر ، عراقي آخر ، لاجئ في مخيم رفحاء ، اختار أمريكا ليكمل حياة اللجوء ، اذكره قبل عام ، تعرفت إليه في الشبكة العنكبوتية، ذكر لي " حيدر رفحاء " أنه يدرس علم الذرة في أمريكا حتى قبل أن يحصل على الجنسية الأمريكية فقط لكي يتعلم !!.. و" حيدر " الـ شيراتون أجبر على عزف المقامات العراقية و الموشحات الأندلسية و القدود الحلبية و هو عربي في بلد عربي .. فقط لكي يعيش !!!
نحن كعرب لا يحق لنا أبداً أن نكره أمريكا !!
يجب علي الاتصال في الرياض ، رغم أن الرياض اعتادت على عدم اتصالي ، ورغم أنني اعتدت على عتاب الرياض إلا أنه يجب علي الاتصال ، على الأقل سيضيع الوقت و أنا أمازح أمي هناك بينما يأتي موعد العزف !!
عزف حيدر طويلاً ، عميقاً ، وقد أتعبته كثيراً حين مارست دكتاتوريتي في اختيار الكثير من المعزوفات حينما أنعش ذاكرة السفر، إلا أن ضميري كان مرتاحاً ،لأن دكتاتوريتي نقطة في محيط دكتاتورية عاش بها حيدر طويلاً قبل أن يبدأ عزف اللجوء !
(5) ..
- مساء الخير
- أهلاً شيماء
- هل أيقظتك ؟
- لا عليك .. كان يجب أن أستيقظ !
- إنها السادسة مساءً .. متى نمت ؟
- في العاشرة صباحاً ..
- أنت تسهر طويلاً .. و لم تتجول بعد في دمشق !
- أعشق أن أرى المدن في الليل .. على الأقل لا أرى قبحها !
- انتبه .. عاصمة التاريخ ليست قبيحة !
- كل مدن الأرض قبيحة !!
- أنت عنصري لصحرائك !
- لأن صحرائي .. لا تغتال .. لا تسرق .. لا تكذب .. لا تخون !!
- الرياض مدينة ؟
- الرياض ابنة الصحراء !
- مكة مدينة ؟
- مكة ابنة السماء !
- هذه عنصرية لبلدك !!
- إن كنتِ مصرة على اتهامي بالعنصرية ، فسوف تصدقك " أم ريكا " .. فقط لأنني سعودي !!
- هل احجز لك الزاوية ؟
- نعم .. نعم .. سوف احضر بعد ساعة .. لكن هل لي بطلب؟
- بالطبع قل ما تشاء ، فقد صرت زبوناً مهماً لدى صاحب الحانة بفضل الأوراق النقدية التي تتركها !!
- احتاج أن أتناول عشاء خفيف في الحانة !
- حين تأتي ستجد كل ما تشاء .. إلى اللقاء
- إلى اللقاء ..