إهداء خاص لأستاذتي الفاضلة الزهرة المثمرة
أرجو أن تعجب جميع أطياف المودة والاخاء
سنضحك يوما ما
كنت أراها دائم حين أقصد المكتبة العامة القريبة جداً من منزلها فهي تحرص يومياً على كتابة حكمة اليوم فوق سبورة المكتبة المهجورة إلا من كلماتها المفيدة القليلة في العدد الكثيرة في المعنى والمضمون كلما حضرت للقراءة أو الاطلاع على أحد الكتب من تلك الألوف المصفوفة على الرفوف المنتشرة في أرجاء قاعة المكتبة وممراتها . وقد كنت أحرص على نقل ما تكتبه في كراسة صغيرة خصصتها لذلك فصرت أحملها كلما ذهبت للمكتبة التي صرت أواظب على زيارتها من أجل حصولي على الحكم المكتوبة .
صمتها الدائم ونظراتها الهادئة ولحظات تأملها حين ترفع رأسها عن ما أمامها من كتب أو صحف متوقفة عن القراءة لتريح عينها من التحديق الطويل تضفي على شخصيتها مزيداً من الهيبة والوقار وتقرب لها النفوس التي تجلها وتقدر لها سعيها الحثيث لنشر الفكر الإسلامي بالترغيب في عطايا المولى مع الترهيب من سخطه بالقول اللين بعيدا عن ما ينفر القلب منه .
حاولت التقرب منها عدة مرات ولكن هيبتها تمنعني وشعوري بعظمتها تصدني عنها فنحن في مجتمع يعيب علينا بعض أفراده حتى السلام بتحية الإسلام على النساء . ولكني اليوم كنت في حاجة ماسة لكل أمنية من البعيدين عني قبل القريبين وبما أن سمات الأيمان تحاكي حركاتها و سكناتها فهي خير من استنجد به في مثل هذه المواقف وأطلب منها الدعاء لي بالتوفيق في طلبتي لذا توجهت للمنضدة التي أمامها ما أن حضرت وجلست قبالتها على الكرسي وأنا استجمع رباطة جأشي لألقي عليها التحية ثم طلبت منها تمنياتها القلبية لي و الدعاء لله وسؤاله إعطائي حاجتي .
كانت سمحة النفس بشوشة الوجه وهذا ما لم ألحظه وأنا أراقبها من بعيد كلما رأيتها . أشعرتني بالراحة لمجرد ترديدها بعض الكلمات التي جسدت حسن خلقها وسبقها لإغاثة الملهوف فنسيت ما أنا فيه من هم لإحساسي بضياع حقي المسلوب مني غصبا وقهرا . فكلماتها العذبة كانت تتخلل ثنايا قلبي لتدعوه للرغبة في ما عند الله والزهد في ما عند الناس . وقمت من عندها مسرورا وكلي أمل في نجاحي ووصولي لغايتي .
مرت الأيام وكانت كل يوم تشعرني بقربها مني ولا تدعوني أو تناديني إلا بأخيها وهو ما يدخل السرور الكبير لقلبي الذي دب فيه روح الأمل وشعرت بأني كسبت أختاً لم تلدها أمي عزيزة على نفسي ولم أعد أعير ما كنت أتمناه من ترقيتي في وظيفتي أي اهتمام فقد انعم الله علي ما هو أغلى وأنفس كما أن ما توالى علي من احباطات أصابتني بالتشبع وكنت كمن يجري وراء سراباً وهو ميقن عدم بلوغه لعدم وجوده أصلاً .
أخذت أتصفح كتابا دون تركيز في محتواه وأفكر فيما ما حدث وكيف ذهبت الوظيفة لغيري مرة ثالثة وأنا أنتظر قدومها وأتمنى أن تعاود الحضور فالكتابة على السبورة تدل على حضورها وما هي إلا دقائق حتى أقبلت فقمت لها إجلالا ومرحبا بها و لكنها كانت تبدو مختلفة عما هي عليه في العادة كل يوم فقد لاحظت قطرات العرق تتفصد على جبينها و وجنتيها وهي تجاهد في مسحها بالمناديل الورقية التي ملئت يدها اليمنى بينما اليسرى تمسك عباءتها لتغطي بها النصف السفلي من وجهها الذي تغلب عليه الحمرة وكأن أشعة الشمس لعبت دورا عليه وجعلت الدماء تحتقن فيه . ونظرات عينيها الهادئة غلبها الانكسار وعلامات الإنهاك بائنة عليها .
جلست بعد أن قدمت لها المقعد بالقرب مني وأخبرتها ما كان من أمري فتنهدت و هي تقول :-
- الحال من بعضه يا أخي الكريم ، لقد جئت تواً بعد أن أخبروني أن حظي سيكون أوفر في العام الدراسي القادم فلا مجال لي هذه السنة حيث عندهم اكتفاء في المدرسات إلا من أرحامهم والقادمات من الدول العربية فلهم الأولوية علينا نحن أبناء الشعب وعماد مستقبل الوطن .
صمتت لحظات كانت تلتقط فيها أنفاسها فبادرتها بالقول :-
- ستنفرج شفتاك بالبسمة عما قريب وستبتهج أساريرك بالفرح عندها سيرى الجميع بشائر الظفر على تقاسيم وجهك الوضاح بنور الإسلام وحيينها سترين الحسرة والندم جلياً في عيونهم التي شمتت بنا اليوم وقلوبهم التي ضيقت علينا ما أوسعه الله لنا .
فقالت بغصة كادت تخنقها :-
- ما يحز في نفسي أن طفلتي تردد على مسامعي دوماً أن خالتها تأتي بكل ما يرغبون فيه أبناءها لأنها تعمل وتنال راتباً مجزياً بينما لازلت أنا أنتظر الوظيفة المرتقبة رغم أني أنهيت دراستي الجامعية منذ فترة طويلة .
لم تمر كلماتها تلك على نفسي مرور الكرام بل هيجت لوعاتي فلم أتمالك نفسي وأجهشت بالبكاء وأسرعت أتوارى عن ناظريها لتسكن عبرتي وتهدأ زفرتي وتجف دموعي التي نزلت بغزارة على خدي وبللت لحيتي .