أخي الرعد
اشكر لك مداخلتك ولي عودة معك وآسف للتأخر في الرد وذلك لظروف أبعدتني عن المنتدى والتواصل.
اما متابعة الحديث فهي تتابع بحول الله وقوته ولك وللأخوة الكرام الجزء الثاني :
التفرق والخلاف هو الذي أذهب ريح هذه الأمة
المشكلة الثانية التي يواجهها مجتمعنا وأمتنا.. هي التفرق والاختلاف، وذلك لضياع الهدف أولاً ثم لضياع حقيقة الدين أو بالأحرى للاختلاف على حقيقة الدين الذي يريد الله منا.. ونعني بحقيقة الدين، نموذجه الأسمى، وصورته الصحيحة، فعقيدة التوحيد التي لا يقبل الله أحداً دون أن يعتقدها قد أصبح عليها جدل طويل.. فحقيقة الألوهية والربوبية وأصول الإيمان، كل ذلك وقع فيه بين المسلمين خلاف يفرقهم إلى مسلم وكافر، وموحد ومشرك، ومتبع ومبتدع.
وحقيقة الشريعة كذلك أضحى فيها الخلاف بين المسلمين ليس في فرعيات بعينها فقط، بل أيضاً وفي الأصول التي يرجع إليها عند الاختلاف، فالمسلمون اليوم بين متبع يرى لزاماً عليه اتباع الكتاب والسنة، وكذلك رد كل خلاف إليهما، وملفق يستبيح لنفسه تلفيق دينه من الإسلام ومن غير الإسلام، ومناهج التربية والتهذيب.. امتد إليها الاختلاف والتفرق، فنشأت التربية الصوفية بكل ما جرت على المسلمين من ويلات الانحراف عن العقيدة الخالصة، والانزواء عن مقارعة الباطل، وإدخال شعائر الكفار والزنادقة إلى دين الإسلام.. ونشأت أيضاً التربية الحزبية الدينية الضيقة، التي جعلت كل مجموعة من المسلمين أمة برأسها، وحزباً منفرداً يوالي أهل حزبه وجماعته فقط، ويعادي ما دون ذلك، ولا يرى حقاً إلا مع نفسه وجماعته، ولو أعطى ألف دليل، ونشأت التربية الوطنية والإقليمية الضيقة، فعمقت الاختلاف والتفرق، وزرعت الفتنة والبغضاء، وللأسف إن كان الفكر المسموع لهذه التربية الإقليمية كثيراً من الفكر المكتوب والمقروء.
ولقد جاوزت التربية الإقليمية والوطنية التحزب للوطن كجزء من العالم العربي والأمة الإسلامية إلى الاعتزاز بماضي هذه الأوطان قبل الإسلام، فمجدت لذلك الجاهلية الفرعونية، الآشورية والبابلية والفينيقية، واليعربية الجاهلية، فأصبحت أصنام هذه الجاهليات وآثارها جزءاً من التراث المقدس المعتز به.
ونشأت كذلك الحزبية السياسية، فاخترعت أيضاً عقائد خاصة، ومناهج خاصة في التربية والموالاة والتشريع.
وتفرق المسلمون في حقيقة الدين.. فكانوا شيعاً وأحزاباً، وافترقوا كذلك بأسباب الدنيا تعصباً للوطن أو الجنس أو الحزب الذي يخترع عقيدة مناهضة للإسلام وبعيدة عنه، وهذه في الحقيقة مشكلة المشاكل أمام الأمة الإسلامية، والمجتمع الإسلامي، مشكلة المشاكل التي هدت قوى هذه الأمة، وأذهبت ريحها، وشتت شملها. ولا نتصور أن يقوم للمسلمين قائمة في الأرض، أو تبنى لهم أمة صالحة إلا بعلاج هذه المشكلة، ولا علاج لها إلا بالتنادي للالتفاف من جديد حول الكلمة التي وحدتهم، والتشريع الذي جمعهم، ولا شك أن الوصول لذلك مستحيل إلا بالرجوع إلى مصادر الدين الأساسية.. الكتاب والسنة وفهمهما على المنهاج الذي فهمه السلف الأول الصالحون من الصحابة ومن سار على دربهم وطريقهم، وكذلك فلا بد من محاربة العصبية والحزبية أيا كان لونها وشكلها، عصبية للوطن أو القوم أو المذهب أو جماعة الدعوة،أو أي مسمى من المسميات الجاهلية أو الإسلامية، وقديماً ذم الرسول صلى الله عليه وسلم التعصب للأنصار عندما نادى منادي المنافقين ليحزبهم ضد المهاجرين. فقال: [دعوها فإنها منتنة] (متفق عليه).
ولذلك فالمسلم الصالح هو الذي يكون تمسكه بالكتاب والسنة، وتعصبه للحق أيا كان، وللدليل أين وجد منصفاً من نفسه، شاهداً بالحق ولو على نفسه، قائماً بالقسط عاملاً به، ولا شك أن هذه التربية تقتضينا أن نبحث عن حقيقة العقيدة والإيمان.. الذي يريده الله، الشريعة، والصراط الذي يحبه الله ويرضاه.. وحقاً أن هذا المضمن في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنه يحتاج منا تعلقاً به، وتحركاً له، واستنباطاً منه وأن نستصغر كل قول يخالف ذلك مهما كان صاحب هذا القول قريباً منا، حبيباً إلينا.
ولا شك أيضاً أن الجهاد ليكون هذا المنهج في التربية معمولاً به في جامعاتنا ومدارسنا، ومحاضننا الفكرية والتربوية، هو بداية الطريق للتأسيس والبناء، وذلك لينشأ لنا بعد زمن الجيل الموحد الذي يتناسق ويتفق في توجهاته وأفكاره، بدلاً من هذا الجيل الضائع المشتت بين هذه الأنماط المختلفة والأشكال المتباينة من العقائد والأفكار والآراء.
وبذلك أيضاً تختفي أو تقل مظاهر الاغتراب التي يعاني منها كثير من شبابنا ورجالنا الذين يشعرون أنهم يعيشون في مجتمع لا يفهمهم، ولا يدرك مقاصدهم وأهدافهم.. أو لا يفهمونه ولا يستطيعون الانسجام معه، ومشاركة آلامهم وآمالهم.
وتختفي أيضاً مظاهر الانفصام والتذبذب الفكري، وازدواج الشخصية، والانتقال من النقيض إلى النقيض دون شعور بالفرق والنقلة.. وهذا المرض بات يهدد معظم شبابنا ورجالنا ونسائنا، حيث التربية المزدوجة والمناهج المختلطة، والحشو الزائف، والتقليد الأعمى لكل ناعق بخير أو بشر حتى فقدنا لذلك الشخصية المستقلة، والفكر الناقد.
وبالتربية الإسلامية ستختفي أيضاً قوافل التقليد، وجحافل الدهماء التي باتت تفرزها هذه المناهج العمياء التي تقوم على فكر القطيع.
يتبع ان شاء الله.