الموضوع: ماهو ذنبي؟؟
عرض مشاركة واحدة
قديم 12-12-2002, 06:08   رقم المشاركة : 1 (permalink)
وتين






وتين غير متواجد حالياً

وتين

ماهو ذنبي؟؟

مر عظيم من عظماء هذه المدينة بزقاق من أزقة الأحياء الوطنية في ليلة من ليالي الشتاء ضرير نجمها ، حالك ظلامها ، فرأى تحت جدار متداع فتاة صغيرة في الرابعة عشرة من عمرها جالسة وقد وضعت رأسها بين ركبتيها اتقاء للبرد ، وليس في يدها ما تتقيه به إلا أسمال تتراءى مزقها في جسمها العاري كأنها آثار سياط المستبدين ، في أجسام المستعبدين .
وقف الرجل أمام هذا المشهد المحزن المؤثر وقفة الكريم الذي تؤلمه مناظر البؤس ، وتزعج نفسه مواقف الشقاء ، ثم تقدم نحوها و وضع يده على عاتقها برفق فرفعت رأسها مرتاعة مذعورة وهمت بالفرار من بين يديه وهي تصيح :......



(( لا أعود .. لا أعود )).
فلم يزل يمسحها ويروضها حتى هدأ روعها وعاد إليها رشدها وعلمت أنها ليست بين يدي الرجل الذي تخافه ، فنظرت إليه نظرة لو أنها اتصلت بلسان ناطق وفم لحدثت عما وراءها من لواعج الأحزان و كوامن الأشجان .
- ما اسمك أيتها الفتاة؟
- لا أعلم ياسيدي .
- بماذا ينادونك ؟
- يدعونني اللقيطة.
- وهل أنت لقيطة كما يقولون ؟
- نعم ياسيدي ، لأنني لا أعرف لي أباً ولا أماً في الأحياء ولا في الأموات ، سوى رجل يتولى شأني ، ويضمني إليه في منزله ، وكنت أحسبه أبي فيمتلىء قلبي سروراً به ، وعطفاً عليه ، فلما رأيت أنه يعذبني عذاباً أليماً ويحملني من أثقال الحياة وأعبائها ما لا يحمله الآباء أبنائهم علمت أني وحيدة في هذا العالم ، وفهمت معنى الكلمة التي يناديني بها ، فألم بنفسي من الحزن والألم ما الله عالم به ، وكنت كلما مشيت في الطريق ، ورأيت فتاة صغيرة سألتها ألك أم ؟ فتجيبني : نعم ، ثم تقص علي من قصص نعمتها ورفاهيتها ، وعطف أمها عليها ، ورأفتها بها ما يزيدني هماً ، ويملأ قلبي يأساً، حتى يخيل إلي أنني أذنبت قبل وجودي في هذا العالم ذنباً عاقبني الله عليه بهذا الوجود ، بيد أني صبرت على هذا الرجل ، وعلى مايكلفني به من التسول على قارعة الطريق ، إبقاء على نفسي ، وضناً بحياتي أن تغتالها غوائل الدهر، وكان كلما رأى حاجتي إليه وإلى مأواه ، اشتط في ظلمي ولؤم في معاملتي،ولم أزل أصابره وأحتمل منه ما يعجز عن احتماله مثلي برهة من الزمان ، حتى جاءني الليلة بداهية الدواهي ، ومصيبة المصائب، فقد حاول أن يسلب من بين جنبي جوهرة العفاف التي لم يبق في يدي ما يعزيني عما فقدته من هناءة الحياة ونعيمها سواها، فلم أر بداً من أن أفر من بين يديه متسللة تحت جنح الظلام من حيث لا يراني ، ومازلت أمشي على غير هدى ، لا أعرف لي مذهباً ولا مضطرباً، حتى أويت إلى هذا الزقاق كما تراني . فهل لك ياسيدي أن تحسن إلي كما أحسن الله إليك ؟ وأن تبتاع لي رغيفاً من الخبز فقد مر بي يومان لم أذق طعاماً ولا شراباً ؟
لم يسمع الرجل من الفتاة هذه القصة المحزنة حتى استقبلها بدموع حارة تنحدر على خديه ،ثم أخذ بيدها ، ومشى بها صامتاً واجماً يكاد لا يهتدي لسبيله حتى بلغ قصره ، وهناك صنع بها صنع الكريم بأهله، وأبلغها من دهرها ما لم تكن تمني نفسها بالوشل القليل منه .
وماهي إلا أيام قلائل حتى ظهرت في ذلك القصر العظيم فتاة جديدة من أجمل الفتيات وجهاً ، وأرقهن شمائل .. وأكرمهن أخلاقاً ، وأكملهن آداباً .. لا يعرف الناس عنها سوى أنها ابنة قريب لصاحب القصر مات عنها وخلفها يتيمة ، فكان إلى هذا القصر مصيرها .
وكان لصاحب القصر فتاة من الفتياتاللواتي ربين التربية الحديثة التي يسمونها ((التربية العصرية)) ويريدون منها التربية الإفرنجية فكانت كل ماحصلت من العلوم والمعارف والفنون الآتية:
(1) الرطانة الأعجمية حتى مع خادمها الزنجي ، وكلبها الرومي .
(2) الولوع بمطالعة الروايات الغرامية الفاسدة .
(3) البراعة في معرفة أي الأزياء أعلق بالقلوب وأجذب للنفوس.
(4) الكبرياء والعظمة ، واحتقار كل مخلوق سواها حتى أبويها.
(5) الأثر وحب الذات حباً يملأ قلبها غيرة وحسداً ، حتى إنها لا تستطيع أن تسمع وصفاً من أوصاف الحسن يوصف به سواها.
رأت هذه الفتاة اللقيطة قد أصبحت تقاسمها قلب أبيها وقلوب زائراتها من النساء بما وهبها الله من جمال في الخلق ، وحلاوة في الطبع ، وعذوبة في النفس ، فأضمرت لها في قلبها من البغض والموجدة مايضمره دائماً أمثالها من اللواتي ربين تربيتها ، ونهجن في الحياة منهجها ، فكانت تتعمد إساءتها وازدرائها ، وتغري بتبكيتها وتأنيبها، والفتاة لا تبالي بشيء من هذا وفاء لسيدها وولي نعمتها بعد الله، وذهاباً بنفسها عن النزول إلى منزلة من يغضب لمثل هذه الهنات ، حتى حدثت ذات يوم الحادثة التالية:
دخل صاحب القصر قصره ليلة من الليالي ، فبينما هو صاعد في السلم إذ عثر برقعة ملقاة ، فتناولها فقرأ فيها هذه الكلمة:
سيدتي:
أنا منتظرك عند منتصف الليل في بستان القصر تحت شجرة السرو المعهودة.
((حبيبك))
فما أتم الرجل قراءة الرقعة حتى دارت به الأرض الفضاء ، وحتى لمس قلبه بيمينه ليعلم هل طار من مكانه أم لا يزال باقياً فيه، ثم كأنه أراد أن يخفف ما ألم بنفسه من الحزن والقلق فقال:
لعل ذلك الموعد مع تلك الفتاة اللقيطة، ومن الظلم أن أتعجل باتهام ابنتي قبل أن أقف على الحقيقة. فنظر في ساعته فإذا الساعة قريبة ، فرجع أدراجه ، ومازال يترفق في مشيته ويتنقل في الحديقة من شجرة إلى شجرة حتى وصل إلى شجرة اللقاء فكمن وراءها ينتظر ما خبأ له الدهر من حدثانه ، وما أضمر له الغيب في طياته.
لم تكن الرسالة رسالة الفتاة الوضيعة، بل رسالة السيدة الشريفة،
وبينما كانت الثانية واقفة في غرفتها أمام مرآتها تختار لنفسها أجمل الأزياء وأليقها بموقف اللقاء ، كانت الأولى نائمة في غرفتها نوماً هادئاً مطمئناً لا تزعجه زورة الطيف ، ولا تروعه أحلام الشباب ، حتى سمعت وقع أقدام سيدها على سلم القصر فاستيقظت ، ثم رابها موقفه فأشرفت عليه من حيث لا يشعر بمكانها فعرفت كل شيء .. وعرفت أن سيدها سيقف على سر ابنته الذي كانت تعالج كتمانه زمناً طويلاً .. وأنه لابد قاتل نفسه في ذلك الموقف حزناً وياساً .. فعناها من أمره ما عناها ، ثم أطرقت برأسها لحظة تتلمس وجه الحياة في دفع هذه النازلة ، وتتطلب المخرج منها ، ثم رفعت رأسها ، وقد قررت في نفسها أمراً.
نزلت مسرعة من سلم القصر ، فرأت الفتاة قد خرجت من باب القصر إلى ذلك الموعد فأدركتها ، وأمسكت بطرف ثوبها فارتاعت الفتاة والتفتت إليها وقالت لها : ماذا تريدين مني ؟
أتتجسسين على!؟ قالت لها : لا يا سيدتي .. وأفضت إليها بالقصة من مبدئها إلى منتهاها ، فسقطت في يدها ، وعلمت أن أباها قد وقف على سرها ، فقالت لها : لا تزعجي نفسك ، فإن أباك لا يعلم أيتنا صاحبة الكتاب فعودي إلى غرفتك ، وسأذهب إلى الموعد مكانك ، حتى إذا رآني هناك ذهب من نفسه ما كان يخالجها من الشك في أمرك .
ثم استمرت أدراجها حتى وصلت إلى تلك الشجرة ، وهنالك برز الرجل من مكمنه ، واقترب منها حتى عرفها ، فحمد الله على سلامة شرفه وشرف ابنته ، ثم قال لها :
أيتها الفتاة ، إني أحسنت إليك ، واستنقذتك من يد البؤس والشقاء، فأسأت إلي بما فعلت ، حتى كدت الليلة أهلك حزناً وكمداً ، وألصق بابنتي ذنبك وأحمل عليها عارك ، فاخرجي من منزلي ، فاللئيم ليس أهلاً للإحسان .
فخرجت خائبة تتعثر في أذيالها ، حتى وصلت إلى شاطيء النهر ، وهنالك أخرجت مذكرتها من محفظتها ، وكتبت فيها آخر كلمة خطتها أناملها:
(( أحمد الله أني قدرت على مكافأة الرجل الذي أحسن إلي بستر عاره ، وإزالة همه وحزنه )).
ثم ألقت بنفسها في النهر ، وماهي إلا دورة أو دورتان حتى افترق ذلك الصديقان الوفيان ، جسمها وروحها ، فطفا منهما ما طفا ، ورسب ما رسب .
وفي صباح تلك الليلة عثر رجال الشرطة بجثة الفتاة فعرفوها ، وعادوا بها إلى منزل سيدها .. فبكاها بكاء كثيراً وندم على ما أساء به إليها من طردها وإزعاجها ، ثم أمر بدفنها ، ولم يبق في يده من آثارها غير حقيبتها .
مرت الأيام تلو الأيام ، وجائت الحوادث اثر الحوادث وظهر للرجل من أخلاق ابنته وطباعها ، وتهتكها واستهتارها ، ما لم يكن يعرفه من قبل ، حتى ضاق بأمرها ذرعاً ، وجلس في غرفته في إحدى الليالي يفكر فيما ساق إليه الدهر من خطوبه ورزاياه، ثم ألم به الضجر ، فقام إلى صندوقه يفتش عن شيء يتلهى به ، فعثر بتلك الحقيبة ، ولم يكن قد فتحها قبل اليوم ، فإنه ليقرأ إذ عثر بتلك الكلمة الأخيرة التي كتبتها الفتاة على شاطيء النهر قبل موتها ، فما أتى على آخرها حتى عرف كل شيء فسقط مغشياً عليه يعالج من الحزن والألم ما يعالج المحتضر من سكرات الموت .
وما استفاق من غشيته حتى صار يهذي هذيان المحموم ، ولبث على هذه الحال بضعة أشهر ، يمرض ثم يبل ، ثم يمرض ثم يبل، حتى أدركته رحمة الله فمرض مرضاً لم ينقض إلا بانقضاء أجله.
مع التحية…
أعجبتني فنقلتها لكم أتمنى أن تنال أستحسانكم…

عرق القلب ,,,وتين