أكتب لكم هذه المرة بدموعي .. وحزناً قد اعتراني لا أعلم إلى أين منتهاه ..
كنت نائمة بالأمس ..
وعندما أستيقظت كان الوضع مريب في البيت ..
لأخي الكبير يجري وبيده سماعة الهاتف ..
أمي تبكي ..
عـمي في حالة غـير طبيعية ..
ما بالكم ؟؟
جدتك .. لا نعـلم ماذا بها ؟؟
يدها ورجلها اليسار لا تحركها .. ولسانها ثقيلاً ..
وليست معــنا بوعـيها ..
دخلت غــرفتها ..
جدتي ليست بجدتي التي كانت بالأمس تحادثني ..
قلت لأخي ..
لنطلب لها الطبيب ..
قال ..
إنتظري يا بنت الحلال ..
يمكن شدة أعـصاب بسيطة وتروح ..
أخذت أتأمل فيها ..
جدتي ليس معـها ضغـط ولا سكر ..
وليس الحمد لله بها داء ..
غـير الربـو الذي .. هد لها حيلها ..
بدأ الخوف يتسرب إلينا ..
طلبنا الطبيب .. وأخبرناه بحالتها ..
قال .. لا .. لا بد من احضارها إلى المستشفى ..
كان الوقت مساءً ..
ويوم خميس ..
يعني ليس هناك غير طبيب مناوب ..
ولا يوجد غـير الطواريء ..
أدخلناها المستشفى ..
بعـد الفحوصات الطبية .. أخبرنا الطبيب ..
أنها بخير .. وأن الذي معها فقط هو ..
أنيميا حادة .. تسببت لها في هذا كله .. :004:
استبشرنا بخير .. رغـم أن تشخيصنا لحالتها ..
يقول غـير ذلك ..
أيقنت الآن بالمثل القائل ..
إسأل مجرب ولا تسأل طبيب ..
حالتها توضح أنها قد أصيبت بجلطة .. :004:
لكن ..
أوكلنا أمرنا إلى الله ..
أدخلوها العـناية المركزة ..
ذهبنا إليها ..
إنها تتحدث .. وتعـرفنا جيداً ..
لكن لا تحرك رجلها ولا يدها اليسار .. :004:
ولسانها جداً ثقيل ..
ووجههــا .. فيه إلتفاتة بسيطة ..
نظرنا إليها أنا ..
والحيرة تنتابنا .. كيف يقول الطبيب أنها مجرد أنيميا ..؟!
ظللنا يومنا كله ونحن في قلق ..
بكى من بكى ..
ودعى من دعى ..
وصلى من صلى ..
إنها أبي ..
وليست بجدتي ..
منذ وفاة والدي .. وهي تحمل همنا .. وتحكم أمرنا ..
ربتنا على الفضيلة وعلى التمسك بالله ..
كان ذكر الله لا يفارقها ..
كثيرة الصيام وكثيرة القيام ..
بفضلٍ من الله والمنة ..
تولاها الله برحمتهِ رغـم ما دار عـليها من أهوال..
فـلقـد فارقت أهلها وهي صغـيرة ..
نتيجة الحرب .. التي حدثت في بلادها ..
تشردت عـنهم لتأتي بأحضان عـائلة كريمة ..
ربوها أحسن تربية ..
ثم تزوجت جدي ..
الذي أنجبت منه والدي وعـمتي ..
ليموت أبي ..
وتموت عـمتي ..
وتبقى هي جدتي بلا أبناء ..
ولكن الله وضع لها الخير والبركة فينا ..
فكنا لها .. مثل السماء للأرض ..
لا تحتاج شيئاً إلا والكل يسارع لخدمتها براً بوالدنا ..
وبراً بها ..
عـندما ذهبنا اليوم لزيارتها ..
وجدنــاها في أسوأ حالة ..
لا يمكن أن تتخيلوا الحدث ..
أكتب لكم والدموع قد امتلآت بعيني ..
:004:
السرير كله متسخ ..
ماهذا أيتها الممرضة ؟؟
سألتها زوجة أخي ..بكل هدوء ..
لتأتي إجابتها الصاعـقة ..
بأعـلى صوتها .. تقول ..
أنا في يعرف شغـل ..
قالت لها ..
إذا كنت تعرفين شغلك تتركين هذه العـجوزة حرام عـليك بدون ما تـغيرين لها ..وضعها وملابسها..
بكيت بحرقة ..
الله يا جدتي ..
كنت كل يوم تدهنين جسمك بدهن العـود ..
:004:
كل يوم تقول ..
بخروا البيت ..
شعـارها في ذلك ..
نظف بيتك ما تدري مين يدخله .. وصلح عـيشك ما تدري من يأكله ..
وفي رمضان كل ليلة ..
تنادي إبن أخي .. لتعـطيه المبخرة وقد وضعـت بها أطيب العـود ..
وتقـول له ..
إذهب وبخـر المسجـد ..المجاور لمنزلنا ..
الله يطهرك يا جدة ..
استمر النقاش بين زوجات أخي والممرضة حتى احتد ..
لنكتشف إنها غـير مسلمة ..
من ديانة .. بوذية ..
:004:
ثم قامت بطردنا جميعـاً من غـرفة العـناية ..
وأغـلقت جميع الأبواب ..
بكيت بحرقة ..
لا .. :004:
لن تمنعـيني عـن أن أكون بجانب جدتي وهي في أمس الحاجة إلينا ..
نزلنا إلى الطبيب المناوب .. لنشتكيها ..
كان الخوف يتسرب إلى قلوبنا .. خوفاً من أن تفـعـل بجدتي شيئاً ..
كنت أسمع عـن هذه المستشفى الكثير ..
ولكن قالوا .. أنها تحسنت بعـد أن تغـيرت إدارتها ..
نعـم تغـيرت إدارتها ولكن لم تتغـير ملائكتها ..
الممرضات ملائكة الرحمة اللواتي .. يجدر بهن أن يكن أشد لطف من أي إنسان آخر ..
لنجدهـــن أكثر قسوة .. وأغـلظ قـلباً ..
بعـد أن قدمنا شكوانا .. قال الطبيب ..
إذا أردتم أن ننقلها إلى غـرفة خاصة ويأتي مرافق معـها فلا ما نع لدينا ..
فرحنا وقلنا .. نعـم ..
وجميعـهم رشح أن أبقى أنا معـها ..
وهذا فضل من الله ..
جلست معـها ..
والله العـظيم لا أستطيع أن أصف لكم ما حدث ..ولكن سأقول ..
ليكون عـبرةً لمن يعـتبر ..
جدتي أمية لا تقرأ ولا تكتب ..
ولكنها متعـلقة بالله كثيراً .. ولله الحمد ..
انحنأت فوق رأسها ..
بدأت في قراءة الفاتحة سبع مرات على رأسها ..
وفي الفاتحة سرٌ عجيب كما أوصى بها الرسول صلى الله عليه وسلم ..
ثم بدأت أقرأ الخمس الآيات الأولى من البقرة ..
ثم قرأت عليها آية الكرسي ..
وكانت عينها اليسار لا ترمش أبداً ..
وتنظر لي بنظــرة غــريبة ..
بدأ الخوف يتسلل إلى قلبي ..
وخصوصاً إنني أنا المرافقة الوحيدة لها ..
لم توافق إدارة المستشفى عــلى أن يكون هناك أي أحدٌ آخر غــيري ..
وهذا بحد ذاته فضلٌ من الله كبير أنعم به علي ..
وأما بنعــمة ربك فحدث ..
جمدت قلبي وقلت .. سأكمل عــليها القراءة ..
والله العـظيم
والله العـظيم
عندما .. بدأت أقرأ عليها الخمس الآيات الأخيرة من سورة البقرة ..
كنت أقول .. فأعــف عـنا ..
فإذا جدتي تقـول .. وأغــفــرلنا ..
ما أعــظمك يا الله ..
ما أكرمك يا الله ..
رحيم بعـــبادك ..
ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ..
جدتي لم تقــــرأ في حياتها قرأناً ..
آه ..
تذكرت المذياع ..
إنه المذياع ..
دائماً تضع المذياع بجانب رأسها ..
وتفتحه على إذاعة القرآن الكريم ..
لذلك أكملت معي الآية ..
بكيت وترقرقت عيناي بالدموع ..
تثبت أمامها ..
وقلت الحمدلله .. ياجدة .. الله يحسن لك الخاتمة ..
:004:
ردت عــلي وقالت .. من جديد ..
وانصرنا على القوم الكافرين ..
جدتي أكملت الآية .. مرة أخرى ..
الحمد لله ..
الحمد لله ..
الحمد لله ..
الحمد لله ..
ثم جاء من جاء وحضر من حضر لزيارتها ..
فجأة تغــير وضعها ..
وأخبرنا الطبيب بضرورة عــمل أشعة لرأسها ..
يبدو أن الحالة خطرة ..
نعم لقد لاحظت .. ثقلاً في لسانها غــريب ..
رغم أنها تنطق بالآيات ..
ولكن الفك اليمين مرتخي ولسانها جداً ثقيل ..
ولكنني والله العظيم سمعتها بإذني وهي تنطق الآيات ..
نزلنا بها إلى قسم الأشعة ..
عـندما حملوها الممرضات حملوها بكل قسوة ..
وكأنها خروف مذبوح وليست بشر يتألم ويحس ..
رموا بها عـلى السرير الآخر المتحرك .. بكل قوة ..
خرجت النتيجة ..
جدتكم جاتها جلطة في الدماغ ..
لكن يا دكتور جدتي واعــية ..
لا .. يتهيألك ..
يا جماعة والله العــظيم جدتي ..توها ..كانت تقول الآيات معاي ..
أخذتني زوجة أخي على جنب ..
وقالت لي ..
يا شمووووخ هذا لسانها ما زال رطب بذكر الله ..
روحي صلي العــشاء وإهدئي ..
روحي ..الله يرضى عليك ..
توضأت .. صليت ..
ودعـــوت الله ..
ثم ذهبت إليهم ..
لتأتي الممرضة بكل غـلاظة قلب .. لتقـول ..
إنت ليه في يبكي ؟؟
هذا ماما كويس .. هي بس سخونة شوي ..
شايفتني طفـلة قـدامها ..
تضحـك عـلي بهذي الكلمتين ..
قال الطبيب ..
عـندها ارتفاع في درجة الحرارة بسيط ..
يعملوا لها دلوقتي كمادات ..
وعـينكم ما تشوف إلا النور عـلى كمادات ملائكة القسوة ..
الكمادة بمويتها .. موضوعـة فوق الجبين ..
وتنزل الموية من الجبين عـلى الظهـر لإنها نائمة عـلى السرير ..
لتصبح الدنيا كلها بركة سباحة ..
آه ..
آه ..
آه ..
آه ..
حسبي الله ونعـم الوكيل ..
وضـعـ يدي عـلى رأسها ..
كنت أريد أن أقرأ عـليها سورة يس ..
نظرت إلى يدها اليمين ..
فإذا السبحة بين أصابعها تسبح بها ..
وعيونها لا ترمش أبداً ..
لم أهتم ..
فتحت المصحف ..
بدأت بالقراءة .. بعد أن اقتربت من أذنها ..
ثم تلوت الآيات ..
وأنا أتلو..وقفت عــند هذه الآية ..
إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ..
والله العــظيم ..
تحدثت .. جدتي ..
ولثقل لسانها لم أفهم ما تقوله ..
تقربت منها ..
حاولت أن أفهم ..
حاولت أن أستوعــب ..
وهي تعــيد الكلمة ..
ماذا تقولين يا جدة ؟؟
بكيت .. :004:
بكيت .. :004:
خفت أن تكون وصية لها وأنا لم أفهم ..
فجأة الله أسمعــني ..
ماذا تتوقعــون قالت جدتي ؟؟
لقــد قالت ..
يا حسرة على العـــباد ..
إنها بداية الآيةالتي تليها ..
يا حسرة عـلى العـباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن ..
آه .. يا جدتي .. :004:
آه .. يا جدتي .. :004:
من فيكم الآن يرى دموعي ؟؟
عدت من عندها.. بعد أن استودعتها في الله الذي لا تضيع ودائعه ..
إتكأت على جرحي ..
وكتبت لكم ما كتبت ..
دعواتكم لي .. بظهر الغيب ..
أن يحفظ الله لي جدتي وأمي ..
فليس لي غـيرهم بعـد الله ..
أما ملائكة القـسوة ..
فالله لا يوليهم عــلى مسلم .. :004: