قيل أن مفهوم السلطة Authority يدل على القوة الطبيعية والحق الشرعي في التصرف وإصدار الأوامر ويرتبط بشرعية استخدام الصلاحيات المنوطة بالمناصب الحكومية والإدارية، أما مفهوم السلطة power فتعني السلطان الممتد من الواقع الاجتماعي والقدرة على السيطرة على الناس والضغط عليهم وتوجيه جهودهم إلى نواحي معينة.
ومفهوم الحرية لدى الفرد هو رغبته في الاعتماد على نفسه في الحياة واتخاذ القرارات ، أن يكون فاعلا وليس من يقع عليه تأثير الفعل وأن يتصرف بموجب أهداف شخصية واعية لا أن يتحرك بموجب غايات تفرض عليه، وأن يكون مدركا وشاعرا بوجوده كمخلوق مفكر يتحمل مسؤولية اختياراته .
الحرية السياسية تعني المجال الذي يستطيع الفرد فيه أن يعمل دون عوائق وقيود يفرضها عليه الآخرون، والسعي لتحقيق ما يصبو إليه بالأسلوب الذي يرتئيه لنفسه، وتتمثل في حرية الدين والرأي وحرية التعبير التي تمنح فرصا لإنجازات مبدعة وعبقرية فكرية وشجاعة أدبية تعجز عن تحقيقها قدرات ضئيلة وطاقات مقيدة ضيقة التفكير. لكن لا بد أن يكون لهذه الحرية حدود كي لا تخلق بيئة تصادم قد تؤدي لفوضى جماعية تدفع القوي بما يملك من حرية إلى قمع واضطهاد الضعيف. وهنا يأتي دور القانون في حماية الحرية الفردية ومنع هذا التصادم .
منذ خمسمائة سنة قبل الميلاد كان أفلاطون أستاذ الفلسفة والسياسة في أكاديمية اسبارطة. رسم إفلاطون الحياة في مدينة فاضلة بموجب دستور مكتوب ينظم علاقات الأفراد ببعضهم وبمدينتهم ووزع الاختصاصات والوظائف التالية :
- حراس الدستور ، وهؤلاء يحولون دون تحريفه أو انحرافه عمليا ونظريا ويحولون دون خرقه أو مخالفته.
- - مجلس الشيوخ، وهؤلاء يتولون حكم الدولة بالتنسيق مع حراس الدستور
- الكهنة ورجال الدين، وهؤلاء يقومون برعاية بيوت العبادة والهياكل وأماكن ممارسة الطقوس الدينية
- حكماء التربية ، وهؤلاس يهتمون بشؤون التربية الأخلاقية والاجتماعية التي تبنى عليها السلوكية العامة المميزة لمواطني الدولة.
- القضاة ورجال المحاكم ، وهؤلاء يطبقون القوانين النافذة في دستور الدولة.
أما الاستبداد فهو التعامل مع الأفراد على أنهم مادة بشرية يمكن منحها الشكل والقالب الذي يتفق مع ما يناسب غايات وأهداف المستبدّ، وتسييرهم نحوها باسم قيم تفوق مستواهم الفكري ضد إرادتهم ، وهذا بحد ذاته انكار لما يجعله انسانا، والسبب الحقيقي للاستبداد هو حجم الصلاحيات التي تُمنَح للسلطة والأيدي التي تديرها .
يروي التاريخ أن الخليفة الأموية معاوية بن أبي سفيان أمر بجمع القادة لبيعة يزيد من بعده أمير للمؤمنين، كان الجميع يعرف أنه غير مؤهل ولكنه أمر ولي الأمر. وقف القادة شيخا بعد شيخ وحكيما بعد حكيم وعالما بعد عالم يثنون على معارف يزيد وأهليته وصلاحه وتقواه وليس له من كل ما قيل فيه شيء كما أجمع المؤرخون وذوو العلم. وجاء دور الأحنف بن قيس ، فوقف ونظر في الناس ثم قال :"أمير المؤمنين هذا (وأشار إلى معاوية) وخليفته هذا (وأشار إلى يزيد)، ومن تمرد فهذا ، واستلّ سيفه. بايع الناس يزيدا على ما قاله الأحنف وليس على ما قال فيه الشيوخ، فالسيف كان أعظم إنباءا من الكتب وحسم الجدل في الشرعية والوراثة.
وصف أحد الشعراء وطننا العربي من البحر إلى البحر بأنه عبارة عن سجون متلاصقة، سجان يمسك سجانا، والولايات المتحدة الأمريكية التي اكتشفت أن احتياطي النفط في بحر قزوين لا يتجاوز 35 بليونا وليس 200 بليونا كما كانت تعتقد، مما قد يضطرها للعودة إلى عصر الفحم الحجري ، قد جاءت إلى البلاد العربية للنفط والنفض أيضا ، أي لتغيير شكل المنطقة ديموغرافيا واقتصاديا وسياسيا ، ساعدها في ذلك تذمر المواطنين من أنظمة فاسدة يربطها حبل سرّة بالإرادة الأمريكية وتعيش سياستها بالوكالة ، هذه الأنظمة حولت البلاد العربية إلى دكاكين استرزاق لملوك خوف وناقري دفّ يضاجعون الفضيحة تلو الفضيحة ، مستبيحين جميع القيم والمعايير السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وضعوا الأمة العربية أمام تحدّ يتعلق باحتضارها بعد أن تآكلت يمينا ويسارا ، وتعاملوا مع الخطر الداهم على أنه غيم عابر فحولوا الاسترخاء البليد إلى حكمة خالدة، حتى شاخت الأمة ولم تعد تقدر سوى على أحاديث الجدات قبل النوم، فأصبحت بحاجة لمأوى عجزة افتتحها لها التاريخ.
إن النهضة العربية مستحيلة في منأى عن الديمقراطية والحرية والانفتاح في ظل عجز العرب عن العبور من ماضيهم المجيد إلى الأزمنة الراهنة التي لم تزدهر فيها سوى صناعة القبور ، في حين تغصّ الجامعة العربية بأوراق قديمة ومقاعد قديمة وأفكار قديمة عجزت عن الحفاظ على حدود اللامساس بقضايا الوحدة والأراضي العربية المغتصبة وحولت العرب إلى بضاعة بشرية غير صالحة للاستعمال.
أسلافنا ينتحبون في دمائنا احتراما لهزائمهم ونحن ننكفىء على الموت، نتخذه وطنه لأننا لا نجد وطن يتبنانا نحن أحفاد صلاح الدين ، فحتام نحجّ والناس راجعون، ونمسي والناس مصبحون ؟ ومتى نتمتع بعافية الديمقراطية فنبادر إلى تأسيس شارع مضادّ للهزيمة والاستسلام؟
تصبحون على وطن.