نشرة الإصلاح العدد 343 بتاريخ 2 ديسمبر 2002
رغم ثورة الاتصالات والمعلومات ورغم وعي الناس ومعرفتهم ومتابعتهم للاقتصاد وأسعار النقط والتقارير العالمية ورغم تكرار فضحنا للكذب في الميزانيات السابقة والذي أكده تقرير صندوق النقد الدولي أخيرا يصر آل سعود على ترويج أرقام يستطيع طالب الابتدائية بعملية حساب بسيطة كشف الكذب فيها.
لسنا بحاجة لأن نطيل الحديث عن الميزانية لأن حديثنا سيكون مجرد تكرار للتعليق على الميزانيات السابقة والتي فيها إخفاء للحقيقة عن عشرات المليارات في الدخل والنفقة.
في النشرة التي صدرت بعد ميزانية السنة الماضية حين كانت الأرقام تقديرية قلنا أن الدخل المتوقع هو في حدود 259 مليار ريال بناء على تقدير أن أسعار النفط كانت في حدود عشرين دولار لنفط برنت. وتبين الآن أن معدل سعر النفط قد فاق هذا الرقم بكثير مما يعني أن الدخل الحقيقي بحساب بسيط يزيد حقيقة عن 300 مليار ريال وقد يصل إلى 320 مليار ريال. فإذا كانت الدولة تعترف فقط بـ 204 مليار فإن هذا يعني أن أكثر من مئة مليار ريال قد اختفت. دعونا نتأمل أين اختفت هذه الأموال.
المصارف الحقيقية
أين تختفي هذه الأموال؟
هناك أوجه صرف هائلة لا يعلم عنها المواطن شيئا ولا يعلن عنها شيء أبدا ولا يمكن التعرف عليها إلا بمتابعة مصادر أخرى خارجية أو بتقديرات عامة.
وجه الصرف الأول هو خدمات الدين القومي الذي تزيد باعتراف الدولة عن 600 مليار ريال والحقيقة أنه يزيد عن 750 مليار ريال أي أكثر من 120 بالمئة من الدخل القومي. تبلغ هذه الخدمات كمية تتراوح بين 50 الى 75 مليار ريال أي (13 الى 20 مليار دولار) وذلك حسب الفوائد الحالية في البنوك.
وجه الصرف الثاني هو الالتزامات السنوية لصفقات السلاح التي يقدر معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن في تقريره السنوي أنها بمعدل 10 مليار دولار سنويا على المملكة أي حوالي 37.5 مليار ريال.
وجه الصرف الثالث هو الصرف على الأسرة الحاكمة وذلك من خلال الطرق الكثيرة التي تستحوذ بها على المال العام. ويستحيل تقدير كم تأخذ الأسرة الحاكمة من المال العام وذلك لأن ما تأخذه متعدد وقد يكون مستقلا مثل هبات البترول والأعطيات الخاصة والهبات العقارية الكبرى أو قد يندرج تحت البنود الأخرى مثل الرواتب والمناقصات والخدمات المجانية وميزانيات السفارات ونشاطات العلاقات العامة والحماية الخ. وإذا قدرنا أن ما يصل للأسرة من هذه المصادر لا يقل عن 10 مليار دولار (37.5 مليار ريال) وقد يصل إلى أكثر من 20 مليار دولار (75 مليار ريال) فنجزم بأننا غير مبالغين. وإذا أضيفت هذه المصارف على بعضها نجد أن المملكة تخسر سنويا من 33 الى 50 مليار دولار (124 الى 188 مليار ريال) قبل أن يبدأ الصرف على قطاعات الدولة الحقيقية. هذه الارقام إذن كلها خارج الميزانية الحقيقية أو خارج المصارف المبررة على قطاعات الدولة مع أن هذه الأخيرة فيها من الفساد الإداري والمالي ما فيها.
وجه الصرف الرابع هو الصرف الهائل على جهات معينة لتنفيذ برامج مطلوبة من أمريكا أو لشراء سلامة آل سعود سياسيا مثل المليارات التي صرفها آل سعود تنفيذا لأوامر أمريكا في أفغانستان وباكستان ومثل أموال برامج العلاقات العامة في أمريكا وغيرها من المصارف الهائلة التي لا تكاد تخطر ببال.
طرق وصول المال العام
للأسرة الحاكمة
الطريقة الأولى: هي الرواتب المباشرة (المخصصات) المبنية فقط على انتماء هؤلاء للأسرة الحاكمة. ومن المعلوم أن الرواتب تصرف على أساس عرقي لكل أفراد الأسرة الحاكمة وللعوائل المتصلة بهم، وبذلك فإن عدد الذين تصلهم هذه الرواتب لا يقل عن عشرة آلاف شخص، بمعدل خمسين ألف ريال للفرد الواحد وستة مليارات للعام كاملاً. هذه طبعاً رواتب بصفتهم أبناء الأسرة، وهي غير الرواتب التي تصلهم بصفتهم متبوئين لمناصب حكومية كوزير أو أمير منطقة أو غير ذلك. وتقدر كمية الرواتب المبنية على هذه المناصب بملياري ريال. وبذلك يكون مجموع ما يصلهم من رواتب صافية في حدود ثمان مليارات ريال على أدنى التقديرات.
الطريقة الثانية: هي الهبات المالية المباشرة والهدايا الملكية والتي توزع بشكل فردي متفرق مثل الأعطية المشهورة لعبدالعزيز بن فهد تحت مفهوم "تحسين الوضع" والتي بلغت ثلث المليار ريال ، أو الأعطيات التي توزّع بشكل عام لجميع أبناء الأسرة كما يحصل في مناسبات خاصة، وفي إحدى المرات أمر الملك بثلاثة مليارات ريال مجموع أعطيات مالية لأبناء الأسرة ، تراوحت بين مئة مليون لأبناء عبدالعزيز وبضعة ملايين لأطراف الأسرة. ولا يمكن تقدير هذه الأعطيات على مدى العام لأنها متروكة لمزاج الملك وأخوانه ولكن لا تقل تكلفتها على كل حال عن خمسة مليارات ريال.
الطريقة الثالثة: هي في الأعطيات البترولية المباشرة والتي تحصل بعدة طرق، منها تسليم حمولة ناقلة كاملة لأحد الأمراء وإعطائه حق التصرف فيها مع تحمل الدولة لتكاليف النقل والتسويق ، ومنها توزيع أذونات تصدير البترول على بعض الأفراد، وهؤلاء بدورهم يبيعون هذه الأذونات على التجار. وتقدر قيمة هذه الأعطيات للعام الواحد حوالي سبعة مليارات ريال.
الطريقة الرابعة: هي حصولهم على الخدمة المجانية للهاتف والكهرباء والماء. وقبل إيراد بعض التقديرات لابد من الإشارة إلى الأعداد الهائلة للقصور غير المستعملة لعدد كبير من الأمراء والتي تكون مهيئة على مدار الساعة للسكنى أو استقبال الضيوف. ولكل قصر عشرات من خطوط الهاتف التي يستخدمها جميع من في القصر للاتصال بأي مكان في العالم. ويقدر العاملون في الهاتف الفواتير المتراكمة على الأسرة سنويا بثلاث مليارات ريال. كما يتضمن ذلك تكاليف الصيانة والحراسة لقصور وممتلكات الأمراء داخل المملكة وخارجها وقد بلغت تكاليف صيانة وحراسة ممتلكات الأسرة في الولايات المتحدة لوحدها حوالي ملياري دولار أي ما يناهز سبعة مليارات ريال. أما تكاليف حراسة كبار الأمراء، فالله أعلم كم تكلف أربع كتائب حرس ملكي منها كتيبة مدرعة لحراسة فهد لوحده. يأتي بعد ذلك استخدام الخدمات الحكومية العامة سواء بشكل عام مثل أوامر الإركاب للأمراء وأقاربهم وأحبابهم، وتبلغ تكاليف أوامر الإركاب للأمراء ما يقارب ثلاثة مليارات ريال للعام الواحد، أو بشكل خاص وهو استخدام كل أمير لنفوذه الشخصي. ومن أمثلة ذلك : استخدام الأمراء سلطان ونايف وغيرهما لأموال الدولة في المتعة المجردة، فقد كلفت رحلة الأمير سلطان للمغرب مثلا خمسة ملايين ريال لليوم الواحد، أما الأمير نايف بن عبدالعزيز فقد أرسل طيارة جمبو بطاقمها الكامل لجلب صقر سيبيري من أقاصي روسيا، فلما وصلت الطائرة مات الصقر فأرسلها بطاقمها مرة أخرى لنفس الهدف.
الطريقة الخامسة: تأتي من الهبات العقارية سواء كانت أراضٍ أو مبانٍ وفي غالب الأحيان توهب هذه الهبات ثم تشترى أو تستأجر من الأمير. ومن الأمثلة على ذلك تثمين أرض الجبيل للأمير سلطان بن عبدالعزيز بعشرين مليار ريال. ومن أمثلته كذلك هبة مستشفى جياد لعبدالعزيز بن فهد ثم إعادة استئجاره منه بأربعمائة مليون ريال. ومن أكبر الأمثلة هبة أرض مطار الملك خالد الدولي لمحمد بن فهد وإعادة شرائها منه بمليارات الريالات. وحديثنا باع الأمير عبد العزيز بن فهد قصر العاذرية على الدولة بأربعة ونصف مليارات ريال مع أن الدولة هي التي بنت القصر لوالده. ولو تأملت كثيراً من المباني الحكومية لرأيتها ملكاً لأحد الأمراء ، مستأجرة بإيجارات باهظة.
الطريقة السادسة: ما يُصرف في الخارج من أجل تحسين صورة الأسرة والملايين التي تدفع للسياسيين والصحفيين والدول والجماعات والأحزاب والتنظيمات والهيئات الدولية من أجل شراءها أو إسكاتها عن انتقاد الأسرة ، ومن المعلوم أن كثيراً من الحسابات المسجلة للمؤسسات الصحفية والإذاعة والتلفزيون تعتبر حسابات حكومية للصرف على الجهات التي تشترى من قبل المملكة بالإضافة للحسابات الشخصية لبعض المقربين من الملك وإخوانه وبعض رجال الأعمال العرب وغير العرب في بريطانيا وأمريكا والتي يصرف من خلالها المليارات.
الطريقة السابعة: هي بعض المصارف التي تبدو صغيرة في ظاهرها لكنها مضرة بالاقتصاد مثل احتكار أذونات الاستيراد والفيز التي يحصل عليها الأمراء بالألوف ومن ثم يبيعونها على المواطنين. ومثله كذلك تزويد كل الدوائر الحكومية والسفارات والملحقيات والطلاب السعوديين في الخارج بنسخة من الجرائد السعودية وخاصة من المطبوعات التي يملكها الأمراء.
الطريقة الثامنة: هي الوسيلة الأقوى والأكثر فعالية في الاستحواذ على المال العام وهي السيطرة على العقود بكافة أنواعها وأخذ العمولات الفاحشة عليها. ورغم أن هذه الحقيقة قد أصبحت بديهية عند معظم أبناء الشعب إلا أن تفاصيلها لاتزال صعبة التصديق. والواقع أنه لا يبرم عقد إنشاء أو تشغيل أو صيانة أو استصناع أو تصدير أو استيراد أو دراسة جدوى أو غير ذلك إلا ويكون لهم منه نصيب الأسد بطريقتين، الأولى اختراع موضوع العقد لقضية غير ضرورية أصلاً مثل عقد طائرات البوينغ الذي تجاوزت قيمته العشرين مليار ريال وأخذ حصة الأسد في عمولته عبدالعزيز بن فهد. والأسلوب الثاني في استغلال العقود الحكومية للنهب هو في العمولات الخيالية التي تؤخذ على العقد، وقد اعترف أحد المسؤولين عن عقد الصفقات في بريطانيا بالإشراف على عقدين مع المملكة بلغت العمولة فيهما 45% من قيمة كل عقد. كما اعترفت مجموعة من الشركات بعمولات للأمراء تتجاوز الستة مليارات جنيه أي ما يعادل أكثر من ثلاثين مليار ريال.
الطريقة التاسعة هي الأمر المباشر لوزير المالية ومؤسسة النقد بلا أي مبرر بتحويل بضعة مليارات أو مئات الملايين لحساب الملك أو أحد كبار الأمراء. وهذا العام حول للملك في جنيف حوالي خمسة مليارات ريال لم يوجد من السيولة ما يغطيها فأخذت ثلاثة مليارات من شركة الاتصالات.
خلاصة القواعد الذهبية
في التعامل مع ارقام الميزانية
أولا، فيما عدا ما يسمى بالحساب الجاري الذي يصعب الكذب فيه فإن كل الأرقام كاذبة وقد أثبتنا كذبها.
ثانيا، هذه الأرقام لم يصدر معها ما يعضدها ويثبت صحتها ونحن قد أثبتنا العكس.
ثالثا، هناك أرقام كثيرة هامة وحيوية مثل الدين العام وخدمات الدين لم تصدر.
رابعا، هناك مصارف ضخمة لم يتم الإشارة إليها تستحوذ على حصة الأسد من المال العام مثل خدمات الديون وصفقات السلاح ومصاريف الأسرة.
خامسا، هناك دخل ضخم للدولة سواء بانتاج نفطي غير معلن أو من مصادر غير النفط لا يرد له ذكر ويخفى قصدا حتى يمكن الاستيلاء عليه.
سادسا، لم يتغير شيء في طريقة اتخاذ القرار السياسي ولا تزال الأسرة الحاكمة تمارس أسلوب الامتلاك المطلق والتحكم المطلق بالبلد ومقدراته ومعلوماته.
سابعا، لا يمكن حل مشكلة الاقتصاد بما يسمى إعادة هيكلة الاقتصاد ولا تغيير قوانين الاستثمار، ولا نرى أملا لحل إلا بتغيير سياسي يؤدي إلى شفافية ومحاسبة ومشاركة سياسية.