رجل اليوم يبدو كأنه قد تعب من لعب دور البطولة المطلقة..
وما عاد يطيق أن تنتظره فتاته الحالمة آتياً على فرس جموح..
بينما هو في حقيقة الأمر، لا يجيد ترويضاً ولا يملك فرسا..
وربما كان لا يملك حتى سيارة..
ومع ذلك للمرأة أن تقول ما تشاء حول سلطوية الرجل وتعنته..
وللرجل أن يستمر في التهويل والتهديد "شفاهياً"..
بأنه لن يتزحزح قيد أنملة عن مواقعه المحصنة..
التي ورثها أباً عن جد ..
لكن الكلام شيء والوقائع أمر آخر..
فالمجتمعات العربية.. على ما تعطيه من انطباع بالجمود..
هي في مهب رياح التغيير التي تعصف بها من كل صوب..
والرجال ومعهم النساء أيضاً، هم أعجز من أن يقاوموا تأثير التغيير (الخارجي)..
وما يتأتى عنه من تحولات في الأدوار ..
فالرجولة العربية عموما، والمنفوخة العضلات، تقلصت قواها بفعل المدنية..
والشارب الطويل المعقوف،الذي يمسك به الرجل ويفتله بكبرياء وهو يحدث أقرانه عن عنتريات و"كلام رجال"..
هذا الشارب قصّت جوانحه ثم أخذ يتضاءل ويتقازم حتى اختفى أثره..
وما عاد بإمكان غالبية الرجال أن يقولوا عبارتهم الأثيرة والواثقة "خذها من هاللحية" حين يريدون التأكيد على سلطتهم التنفيذية..
إذ أن اللحية كانت قد جرفتها شفرات الحداثة قبل أن تأتي على ما تبقى من الشارب..
ومن ذكورية المظهر العتيق لم يبق الكثير..
بل أن الرجل لا يبدو عنيداً أو متأزماً وهو يخوض مغامرة إسقاط تمايزه الصوري..
فقد تقبل بصدر رحب التغيير من أوسع أبوابه..
وتقاسم مع المرأة البنطلون والسترة و(التي شيرت) والعطورات الأنثوية والنظارة ..
والبعض القليل استهواه التقارب فلم يعفّ عن الأساور والسلاسل وصولاً إلى حلق الأذنين..
بل وصل الأمر إلى أنه بدأ بمشاركتها فعليا في مستحضرات التجميل ..
وبما أن المرأة قد اتخذت خطوات مماثلة حين قصت شعرها..
واستبدلت فستانها بالبدلة ذات الصيغة الرجالية..
وارتدت القمصان والبنطلون ، وتمردت على الكعب العالي باسم الحرية والديناميكية..
فإن الحدود الخارجية.. آخذة في التهاوي.. وهو ما ينبئ بأن ثمة ما هو أهم من الشكل وأبعد مغزى..
وبما أن مجتمعاتنا متروكة للتخمين والافتراضات الاعتباطية..
في غياب الإحصاءات والدراسات التي ترصد كل جديد..
فمن العسير جداً فهم ما آلت إليه الرجولة..
ومدى الهوة الفاصلة بين أقوالها وما تضمره في سكينتها..
والأعسر من ذلك هو استبطان حال العلاقة بين الجنسين..
ومعرفة سبب ازدياد قلق المرأة وتذمرها..
رغم أن رجلها يزداد شبها بها ..
بعد أن رقّت يداه، ونعم وجهه، وباتت عيناه فاترتين، واكتسبت كلماته هدوءا غير مألوف..
الفتيات والنساء عموما لهن ردة فعل قاسية..
ويعتبرن أنهن ينظرن حولهن فلا يعثرن على رجل..
وعبارة "ما في رجال" شائعة ومكرورة بين الشابات..
أما الشبان فيعتبرون أن الفتاة الجديدة ليست أهلاً للثقة..
والنتيجة أن نسبة الزواج إلى انخفاض، ومعدل حالات الطلاق ترتفع صعوداً متواتراً ..
حتى وصلت إلى معدلات مخيفة.. فربع الذين يتزوجون تقريباً ينتهون إلى فراق..
والمشكلة ليست محلية بالضرورة..
فالمرأة شرقية وغربية، باتت تتطلع إلى رجل عصري ومنفتح ..
يرى فيها نداً له..
شرط أن لا يخل ذلك كله بدوره كصدر دافئ وحام للحمى عند المآزق..
وبالتالي فليس سهلاً أن تكون رجلاً مرضيّاً عنه من قبل النساء هذه الأيام..
لكن السؤال الملح "ما لذي حدث للرجال كي يفقدوا رجولتهم؟".
وإذا كان تعريف الأنوثة ما يزال متاحاً..
فالحق يقال إن تعريف الرجولة هو من الصعوبة بمكان..
بعد أن اختلطت الأوراق وامتزجت الطقوس والأعراف..
ولا يغرنك الكلام عن المساواة الذي طبق صيته الآفاق..
فها هن سيدات الغرب يعترفن أن هذا الواقع يشعرهن بالامتعاض والإرباك..
ويفضلن وضعاً معكوساً يؤمن لهن توازناً نفسياً مع الرجل..
أوليس في هذا الكلام ما يدعو إلى الحيرة؟
ويؤكد أن مشروع إعادة ترسيم الحدود بين الجنسين..
هو من التعقيد بحيث يستحيل إنجازه بالقلم والمسطرة..
كما هو حال معظم الحدود الجغرافية العربية ..
التي لم تحترم التضاريس الطبيعية للأرض ومنطق الجبال والأنهار والبحار والصحارى..
فجاءت قاصمة وموجعة..
والسؤال الجوهري هل فعلا لم يعد هناك (رجال) ؟؟؟