إنما الله إله واحد
وهو تعالى إله واحد ليس له شريك ، ولا له مثيل في ذاته أو صفاته أو أفعاله (قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كُفُواً أحد) ... (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم)
وكل ما في الكون من إبداع ونظام يدل على أن مبدعه ومدبره واحد ، ولو كان وراء هذا الكون أكثر من عقل يدبر ، وأكثر من يد تنظم ، لاختل نظامه ، واضطربت سننه ، وصدق الله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ، فسبحان الله رب العرش عما يصفون) ... (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ، إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ، سبحان الله عما يصفون) ..
هو تعالى واحد في ربوبيته ، فهو رب السماوات والأرض ومن فيهن وما فيهن ، خلق كل شيء فقدره تقديرا ، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، ولا يستطيع أحد من خلقه أن يدعي أنه الخالق أو الرازق أو المدبر لذرة في السماء أو في الأرض (وما ينبغي لهم ومايستطيعون)..
وهو تعالى واحد في ألوهيته ، فلا يستحق العبادة إلا هو ، ولا يجوز التوجه بخوف أو رجاء إلا إليه ، فلا خشية إلا منه ، ولا ذل إلا إليه ، ولا طمع إلا في رحمته ، سواء أكانوا أنبياء أو صديقين أو ملوكاً أو سلاطين فكلهم عباد لله ، لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشورا ، فمن ألَّه واحداً منهم ، أو خشع له وحنى رأسه ، فقد جاوز به قدره ، ونزل بقدر نفسه.
ومن ثم كانت دعوة الإسلام إلى الناس كافة وإلى أهل الكتاب خاصة: (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله) ...
ومحمد نبي الإسلام لم يقل القرآن عنه إلا أنه (رسول قد خلت من قبله الرسل) ... ولم يقل هو عن نفسه إلا أنه (عبد الله ورسوله).
والأنبياء جميعاً ليسوا – في نظر القرآن – إلا بشراً مثلنا ، اصطفاهم الله لحمل رسالته إلى خلقه ، ودعوتهم إلى عبادته وتوحيده ، ولهذا كان النداء الأول في رسالة كل واحد منهم: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) وفي هذا يقول القرآن: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) .. (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون).
ومن الضلال المبين أن يزعم زاعم ، أو يفتري مفتر على هؤلاء الأنبياء: أن واحداً منهم دعا الناس إلى تأليهه أو تقديس شخصه .. (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنت تدرسون ، ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ، أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون)
ومن هنا كان عنوان العقيدة الإسلامية يتمثل في هذه الكلمة العظيمة التي عرفت لدى المسلمين بكلمة (التوحيد) وكلمة (الإخلاص) وكلمة (التقوى) وهي: (لا إله إلا الله).
· كانت (لا إله إلا الله) إعلان ثورة على جبابرة الأرض وطواغيت الجاهلية ، ثورة على كل الأصنام والآلهة المزعومة من دون الله سواء أكانت شجراً أم حجراً أم بشراً.
· وكانت (لا إله إلا الله) إعلاناً عالمياً لتحرير الإنسان من عبودية الإنسان والطبيعة وكل من خلق الله وما خلق الله.
· وكانت (لا إله إلا الله) عنوان منهج جديد ، ليس من صنع حاكم ولا فيلسوف ، إنه منهج الله الذي لا تعنو الوجوه إلا له ، ولا تنقاد القلوب إلا لحكمه ، ولا تخضع إلا لسلطانه.
· وكانت (لا إله إلا الله) إيذاناً بمولد مجتمع جديد ، يغاير مجتمعات الجاهلية ، مجتمع متميز بعقيدته ، متميز بنظامه ، لا عنصرية فيه ولا إقليمية ، ولا طبقية ، لأنه ينتمي إلى الله وحده ، ولا يعرف الولاء إلا له سبحانه.
ولقد أدرك زعماء الجاهلية وجبابرتها ما تنطوي عليه دعوة (لا إله إلا الله) من تقويض عروشهم والقضاء على جبروتهم وطغيانهم وإعانة المستضعفين عليهم ، فلم يألوا جهداً في حربها ، وقعدوا بكل صراط يوعدون ويصدون عن سبيل الله من آمن ويبغونها عوجاً.
لقد كانت مصيبة البشرية الكبرى أن أناساً منهم جعلوا من أنفسهم أو جعل منهم قوم آخرون آلهة في الأرض أو أنصاف آلهة ، لهم يخضع الناس ويخشعون ، ولهم يركعون ويسجدون ، ولهم ينقادون ويسلمون.
لكن عقيدة التوحيد سمت بأنفس المؤمنين فلم يعد عندهم بشر إلهاً ، ولا نصف إله ، أو ثلث إله ، أو ابن إله ، أو محلاً حل فيه الإله!
لم يعد بشر يسجد لبشر أو ينحني لبشر أو يقبل الأرض بي يدي بشر ، وهذا أصل الأخوة الإنسانية الحقة ، وأصل الحرية الحقة ، وأصل الكرامة الحقة ، إذ لا أخوة بين عابد ومعبود ، ولا حرية لإنسان أمام إله أو مدعي ألوهية ، ولا كرامة لمن يركع أو يسجد لمخلوق مثله أو يتخذه حَكَمَاً من دون الله ، فشعار كل مسلم (لا نسجد إلا لله).