معركة بين قبرين !
ما إن سمعت بالأمس عن القضية التي رفعتها ابنة السادات على ابنة عبد الناصر في احدى محاكم القاهرة ، حتى اندلعت التداعيات في الذاكرة ، السادات أول من أذاع بيان ثورة يوليو باسم الضباط الأحرار عام 1952 ، وهو الذي كتب كتابه الشهير هذا عمك يا جمال الذي كان أشبه بمواعظ ورسائل لابنه عن عبد الناصر الذي أدعى أنه توأم روحه ونضاله .. وهو أول من ورث عبد الناصر بعد أن أذاع نبأ رحيله عام 1970 ، لكن التاريخ قد يضع الرجلين في مكانين متقابلين خصوصا بعد أن عقد السادات اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل وبعد أن هبطت طائرته في مطار اللد الذي حمل اسم بن غوريون ، والافتراق في الحياة قد يتحول إلى افتراق في الممات أيضا ، فالسادات لم يشك أحد بأنه قتل اغتيالا لأن المنصة التي كانت مسرح الاغتيال شاهدها الملأ .. لكن عبد الناصر الذي مات قبل أن يتاخم خريفه وفي ظرف دراماتيكي ما زال موته عرضة للتأويل ، ولتعد الروايات ! وحسب ما نشر في الصحف فإن القضية التي رفعتها رقية السادات ضد هدى عبد الناصر تتلخص في كون هدى قد نعتت السادات بالخيانة ، والعمالة ، وبأن له صلة ما بموت والدها.
ما استغربه الناس هو أن المعركة تدور بين ابنتي الرئيسين وليس بين أبنائهما الذكور وبعد خمسة وثلاثين عاما من رحيل ناصر وربع قرن من اغتيال السادات ، ففي تقاليد المحاكم أن بعض القضايا تسقط بالتقادم ، لكن نبش قبور الزعماء لا يخضع لذلك ، فثمة إعادة نظر في موت بونابرت ، وستالين وقد تصل المسألة إلى الاسكندر المقدوني و يوليوس قيصر وقد تمتد إلى هابيل وقابيل ..
فالقبور ليست نهايات قدر تعلقها بمن حكموا و ناموا ملء جفونهم عن شواردها ، إن معركة مؤجلة كهذه التي أصبحت في ملفات المحاكم ، هي عينة من زمن عربي ملتبس ، تداخل حابل أيامه بنابل لياليه و أخيرا ببابل احتلاله .
وقد يأتي وقت ينفجر فيه المؤجل بين كل كائن وآخر في هذا العالم العربي الذي تحولت الإبل والأبقار والقطط فيه إلى قطعان سوداء لأن الليل الدامس يحذف الفوارق بين الألوان ، وقد يصيب الناس بالعمى ! ونخشى من زمن نصبح فيه موزعين بين مدين ودائن ، وبين قتيل وقاتل ، ومسروق وسارق .. فندرك بأننا نحن '' براقش '' التي حملها المثل من جيل إلى جيل والتي قضت على نفسها ولم يسلم منها حتى أحفادها !
لقد كان السادات ذا يوليو الأقرب إلى ناصر ، لكنه ذات أيلول كان الأبعد عنه رغم أنه نعاه ، وورث صولجانه عقدا من الزمان. نحن لا نملك قرائن أو حيثيات تتيح لنا المجازفة بما لا يحسمه التاريخ بعد ، وما لم يبلغ الخاتمة لأن الأقواس كلها مفتوحة على نحو معكوس ، ولكن ما لا نستطيع كبحه أو ادخاره من المشاعر هو القشعريرة التي تعتري الروح قبل الجسد ونحن نجلس على أطلال نصف قرن من تاريخنا الممهور بالدم ، نحصي احتلالات و انكسارات واغتيالات غامضة وشكوكا تبدأ من ذوي القربى ! فهل ستأمن اليد توأمها ؟ وهل سيصدق القادمون من عرب المستقبل أن ما وضعوه من الوصايا من و المواعظ كان حليبا صافيا وغير مغشوش بالسم وليس بالماء فقط ؟؟؟