سقوط الوهم
أميرة كشغري*(الوطن)
بقدر ما كان مقتل الزرقاوي إنجازاً عسكرياً لقوات الشرطة العراقية و الجيش الأمريكي في العراق فقد كان حدثاً مريحاً للشعب العراقي الذي كان المتضرر الأول والضحية الكبرى التي ذاقت ويلات فكر و ممارسات الزرقاوي على أرض الواقع وعلى مدى ثلاثة أعوام. من يشاهد ويسمع ويتابع ما يجري على أرض العراق يدرك أن الشعب العراقي يموت كل يوم ألف مرة ويعيش ميتاً في عالم بدا وكأنه اعتاد على رؤية الموت والدمار والتفجير. الأبرياء من المدنيين في الشارع و السوق الشعبي والمدارس والجامعات، بل وحتى المساجد، هم وحدهم من يعرف حقيقة ويلات الفكر الذي مثله الزرقاوي، وهم الأكثر صدقاً وعفوية في الحكم على ممارسات ذلك الفكر. وأمام معاناتهم لا تصمد أي تبريرات يسوقها البعض تحليلاً ودفاعاً عن دوافع وعوامل ظهور ظاهرة الزرقاوي أو ظاهرة العنف والقتل والتفجير مهما كانت حقيقة قوة هذه التبريرات. فمن يبرر لأعمال الإرهاب في العراق أو أي مكان في العالم بدعوى السياسات الأمريكية التعسفية أو بحجة مقاومة الاحتلال الأمريكي لم يذق ويلات ونتائج هذا الفكر الإرهابي على المستوى المعيشي الإنساني، وليس من يده في النار كمن يتفرج عليها.
لعل الأهم من المغزى السياسي أو العسكري لسقوط الزرقاوي، مهندس الفتنة الطائفية والداعي جهاراً لها،هو البحث و التنقيب في مبعث المواقف الفكرية للنخب والتيارات التي أسبغت على الزرقاوي - سراً أو علناً - آيات الإعجاب والتبجيل حيناً أو الرفع إلى مستوى الأسطرة حيناً آخر. ولقد ترجمت هذه الأسطرة على شكل إنكار لحقيقة الزرقاوي في أحايين كثيرة. ومبعث هذا الإنكار هو في حد ذاته مبعث للتأمل أيضاً.
ما إن بدأ عمل الزرقاوي في تحويل العراق إلى ساحة حرب موهومة بين قوى الإرهاب والمجتمع العراقي الباحث عن الخلاص من آثار حكم صدام حسين حتى انبرت الكثير من النخب العربية إلى التوسل بنظرية أن الزرقاوي هو شخصية من نسج الخيال الأمريكي. لم يشفع للعقل و المنطق أن الزرقاوي نفسه قضى فترة في السجن قبل أن يتم العفو عنه ليغادر الأردن إلى أفغانستان ومن ثم إلى العراق. ولم يشفع للعقل و المنطق أن أسرة الزرقاوي أسرة حقيقية ومعروفة وتواصل حياتها الاعتيادية في الأردن. لقد كان عجيباً تشبث المخيال العربي بنظرية الأسطورة (الوهم) هذه، والذي لم يبدأ في التضاؤل العلني (ولا أقول الزوال) إلا عندما بدأت سياسة قطع الرؤوس والإعدامات تأخذ طابعاً يثير اشمئزازاً لا يمكن تجاهله. ولم تبدأ الكثير من النخب الفكرية في التساؤل حول هذه الأعمال حتى بدأت سياسة الفتنة الطائفية تأخذ مسارين متلازمين: الإعلان الواضح و الصريح لها، والتطبيق الميداني الذي راح ضحيته آلاف الأبرياء في المساجد والمستشفيات والأسواق وحتى الأضرحة المقدسة.
لم تكن الكثير من النخب العربية لتستطيع حسم موقفها والتمييز بين الموقف السياسي من أمريكا من ناحية والموقف من الشعب العراقي الباحث عن الحرية الحقيقية بعد عهود من القمع والاضطهاد من ناحية ثانية. ولعل من السهل لمن لا يريد تكليف نفسه عناء التعبير عن موقف واضح، أن يركن إلى التعامي عن الحقائق وأن يركن إلى الأسطرة كوسيلة لإبراء الذمة. إن النضج السياسي والفكري يقتضي في الكثير من الأحيان أن نميز بين المواقف المتباينة للدول الكبرى، وأن نميز الأسس المصلحية في السياسة العالمية والتي تفسر الكثير من المواقف المعلنة و غير المعلنة، وأن تصوغ من تلك التعقيدات مواقف متسقة و المصلحة الوطنية. واحدة من الحقائق التي لم تستطع تلك النخب هضمها هي أن المواقف السياسية للدول الكبرى أثمرت عن وضع يمكن للشعب العراقي استثماره، وذلك بالتخلص من نظام حكم ديكتاتوري وبناء مؤسسات حكم ديموقراطية ترغم المحتل على الخروج من العراق بشكل سلمي وسريع أو الانكفاء في معسكرات كمعسكرات الجيش الأمريكي في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.
إزاء هذا العجز في التحليل لجأت النخب تارة إلى أسطرة الزرقاوي - الظاهرة والفرد - وتارة إلى تبرير أعماله باعتبارها مقاومة للمحتل الأجنبي. فمن يذهب إلى أن الزرقاوي وهم أو صناعة أمريكية، وهم كثر، يعبرون عن فكر يتبنى نظرية المؤامرة والتي هي تعبير سطحي فج لا يملك بعداً عملياً أو استشرافياً لأن العلاقات السياسية اليوم هي علاقات مصالح متشابكة لا تصمد أمام المتغيرات العالمية ولا تحتاج إلى التآمر كتكتيك أو استراتيجية. نظرية المؤامرة على صعيد الواقع لا تقدم ولا تؤخر،إذ إنها تفتقر إلى أبسط مقومات القوة التحليلية. أما من يبررون أعمال و ممارسات الفكر الإرهابي للزرقاوي أو غيره باعتبارها حقاً أو شكلاً من أشكال المقاومة فهم أشد وهماً و أكثر ضرراً. إن كل أشكال العنف من القتل والتفجير والإرهاب العشوائي الذي لا يفرق بين مدني وعسكري ويسقط كرامة وحرمة النفس الإنسانية لا يمكن تبريرها تحت أي غطاء ديني أو سياسي من أي فريق و في أي مكان. الفكر الإرهابي واقع بربري همجي لا يقبله عاقل، والوهم هو أن نعتقد أن ممارسات هذا الفكر ستعيد أرضنا المحتلة أو تحرر مقدساتنا أو تجعلنا أمة تسود العالم. يقوم العالم اليوم على تجاوز الأزمات واستثمار الظروف والمشاركة في السباق الحضاري الذي لا تدخله الأمم إلا بمقدار ما تنجزه وتبنيه وتقدمه للعالم. المقاومة حق مشروع ضد الاحتلال لكن المقاومة الحقة لا تستخدم العنف وقتل المدنيين على طريقة الإعدامات وتفجير أماكن العبادة و زرع الفتنة الطائفية واستغلال الدين وتسييسه لخدمة المصالح الشخصية. لقد عرفت الكثير من الشعوب الاحتلال والاضطهاد و الهزائم العسكرية لكنها قاومت بعيداً عن مثل هذه الممارسات. عاشت جنوب إفريقيا لما يزيد عن سبعين عاماً تحت الحكم العنصري للأقلية البيضاء قادت خلالها الأغلبية السوداء مقاومة لم تتخل عن بعدها الإنساني، وبمجرد انتقال السلطة إلى الشكل الديموقراطي الذي يجمع السود والبيض على حدٍ سواء انتفت المقاومة المسلحة. مقاومة الفيتناميين للوجود الأمريكي لم تتلبس التفجير وقتل الأبرياء وجز الرؤوس، بل انتقل الفيتناميون فور تخلصهم من القوات الأمريكية إلى طور إيجابي من العلاقات الدولية المتكافئة. وبالمثل يمكن الاستشهاد بثورة المليون شهيد في الجزائر و مقاومتها للاستعمار الفرنسي.
إن الأفكار لا تموت بمجرد موت أحد معتنقيها حتى ولو كان رمزاً، ولا تهزم بمجرد قتل أكبر مروجيها، فمقتل الزرقاوي لن ينهي فكر الإرهاب وممارساته في العراق. وليس لنا إذا ما استشعرنا الأمانة نحو أوطاننا إلا أن نعمق من نقد ممارسات وتمظهرات هذا الفكر على أرض الواقع و ليس الترويج لها إعلامياً وتبريرها سياسياً أو دينياً.
شدة:
الزرقاوي ارهابي ومن يحمل نفس الفكر ارهابي