هذا جانب من المأساة، أما الجانب الآخر فيتضح من خلال المعطيات التي تتحدث عن «بيع» عشرات الآلاف من الأطفال لاستخدامهم في عمليات ترويج المخدرات وتصوير الأفلام الخلاعية، وبحسب تقرير أعدته منظمة «يونيسف» فقد سجل في عام 2004 وحده 64 ألف حادث اعتداء على قاصرين، ثلثهم اجبروا على تقديم خدمات جنسية، إما مباشرة وإما عبر تصوير أفلام خلاعية، وقالت مصادر روسية لـ «الحياة» ان الرقم اتخذ منحى تصاعدياً خلال العامين الأخيرين. والكارثة ان الأرقام التي أعلنتها مراكز متخصصة في موسكو تقول ان في روسيا وحدها نحو أربعة ملايين طفل مشرد يعيشون على السرقة والدعارة وترويج المخدرات. واعترفت يلينا تيوريوكانوفا المسؤولة في معهد المشكلات الاقتصادية الاجتماعية أن هناك نحو ستة ملايين آخرين مرشحين لهذا المصير، واتهمت السلطات بعدم إيلاء جهود كافية لحل هذه المعضلة، اذ يكفي انه في روسيا نحو 1500 ملجأ للأطفال «ظروفها أسوأ كثيراً من ظروف السجون». وأن قسماً كبيراً من الأطفال الذين يعيشون هذه الظروف راض عن حياته وهو يفضلها على حياة الملاجئ بحسب ما قاله كولا (12 سنة) لـ «الحياة». وكولا يسكن في محطة قطارات وسط موسكو وهو لا يخفي انه يتعاطى المخدرات عبر «شم نوع معين من الأصماغ» وهي الوسيلة الأرخص أمام المعدمين من المدمنين.
إضافة الى عمليات بيع الأطفال وتشغيلهم تشغل تجارة الأيدي العاملة الرخيصة عنصراً أساسياً ضمن نشاط المتاجرة بالبضائع الحية في روسيا ودول الجوار، واللافت ان روسيا تقف على رأس لائحة الدول المصدرة والمستوردة في الوقت نفسه لهذا النوع من البضائع، وفي حين تتزايد عمليات «تصدير الفتيات والاطفال» فان روسيا تستورد بالدرجة الأولى العمال الذين تتحول غالبيتهم الى «عبيد» يتم شرائهم وبيعهم داخل سوق العمل ضمن تسعيرات باتت معروفة للعاملين في هذا المجال، ويُجبر هؤلاء «العبيد» على العمل في منشآت البناء والمزارع ويقومون بأعمال الفلاحة والزراعة وغيرها مقابل تـأمين مكان إقامتهم وتزويدهم بالطعام، ولا يحصل كثير من أبناء هذه الفئات على دخل مالي مقابل عملهم، وهذا سبب إطلاق تسمية «عبيد عمل» عليهم.
وبحسب مراكز مختصة فان أعداد هؤلاء تزيد داخل روسيا على أربعة ملايين نسمة غالبيتهم الساحقة من المهاجرين غير الشرعيين القادمين من الصين وكوريا الشمالية وفيتنام، وبينهم مهاجرون من جمهوريات سوفياتية سابقة مثل طاجكستان وتركمانستان. واظهر استطلاع أجراه مركز روسي لحقوق الإنسان في أوساط «المهاجرين – العبيد»، انهم يتعرضون الى أنواع متعددة من الاضطهاد. وبسبب خوفهم من اللجوء الى الأجهزة المختصة تعيش غالبيتهم ظروفاً مهينة، ويبدأ مسلسل استعباد العمال بمصادرة جوازات سفرهم وفرض قيود مباشرة على حرية تنقلهم المحدودة أصلاً بسبب غياب التشريعات التي تحميهم، وقالت الاستطلاعات ان ربع العمال يعملون من دون أجر أو من دون أي ضمانات بأنهم سيحصلون عليه لاحقاً ونحو عشرين في المئة من أصحاب العمل يطالبون عمالهم بتسديد دين مالي تحت مسميات مختلفة ويجبرونهم على العمل لسنوات من دون مقابل تحت ضغط التهديد بتسليمهم الى الأجهزة الأمنية أو في بعض الحالات... القتل، واعترفت نحو ثلث الفتيات اللواتي شملهن الاستطلاع بأنهن تعرضن الى الاغتصاب اكثر من مرة وأجبرت غالبيتهن على ممارسة الجنس مع أصحاب العمل أو قريبين منهم بعدما قدمن كـ «هدية» في معظم الأحيان لليلة واحدة أو اكثر.
وروى تيمور وهو قادم من طاجكستان انه كان شاهداً على حادث في موقع للبناء مات خلاله أحد العمال من طريق الخطأ، وذكر أصحاب العمل للشرطة انه كان ثملاً ومات بسبب عدم انتباهه، ولم يجر فتح تحقيق رسمي بالحادث.
«فراشات الليل»... أوسع الصادرات الروسية انتشاراً!
... أي مصير؟
وعلى رغم كل ما يمكن ان يقال عن اتساع ظاهرة «التجارة بالبضائع الحية» وخطورتها فان العنصر الأهم منها التجارة بالفتيات الباحثات عن فرصة عمل، ولم يعد سراً منذ سنوات ان روسيا ومعها جمهوريات سوفياتية سابقة وخصوصا أوكرانيا ومولدافيا وازبكستان غدت المصادر الأساسية لـ «تصدير» فتيات تراوح أعمارهن بين 18 و25 سنة الى عدد كبير من بلدان العالم للعمل في مجال الدعارة، وبحسب معطيات المنظمة الدولية لشؤون المهاجرين فان نحو 50 ألف ناطقة بالروسية تدخل سنوياً هذه السوق المحاطة بالإثارة ظاهرياً لكنها مملوءة بالعنف والدماء في كثير من الأحيان، كما انه مصدر دخل هائل قدرته جهات مختصة بنحو عشرة بلايين دولار سنوياً، ما يضع تجارة «الرقيق الأبيض» في المرتبة الثالثة بعد السلاح والمخدرات.
ومن الطبيعي ان تكون هياكل الجريمة المنظمة المعروفة باسم الـ «مافيات» تفرض سيطرة مطلقة على هذه السوق ويتعرض من يحاول اقتحام أسوارها الى عمليات انتقام وإبعاد قسرية وصلت في كثير من الأحيان الى التصفيات الجسدية.
وبحسب تقارير مؤسسات تابعة للأمم المتحدة فان نحو نصف مليون شابة من الجمهوريات السوفياتية السابقة تسللت الى دول الاتحاد الاوروبي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي للعمل في الملاهي الليلية كنادلات في المطاعم او راقصات في استعراضات التعري، وتتجه غالبيتهن الساحقة للعمل في مجال الدعارة لاحقاً، بحسب تعبير مسؤول في لجنة برلمانية روسية مختصة ببحث المشكلات الاجتماعية.
وتنقسم «سوق النساء» في روسيا الى فرعين أحدهما داخلي يستقطب مئات الألوف من الفتيات من روسيا نفسها ومن الجمهوريات المجاورة. وبحسب معطيات أجهزة الأمن الروسية، ففي موسكو وحدها تعمل 150 ألفاً من «فراشات الليل»، 80 في المئة منهن من الوافدات على روسيا، وتشرف هياكل الجريمة المنظمة على نشاط الرقيق الأبيض في شكل صارم اذ تشير تقديرات أجهزة الأمن الى ان نحو 80 ألف فتاة في العاصمة الروسية يتم إجبارهن بطرق مختلفة على العمل في مجال الدعارة لحساب المافيا، ويصل ايراد الفتاة الواحدة يومياً الى اكثر من ألفي دولار تحصل هي على نسبة عشرة في المئة منه في احسن الأحوال، وهو ما يدفع العديدات للمغامرة بالعمل وحدهن من دون الغطاء الذي تقدمه المافيا ما يعرض الفتاة في احسن الأحوال الى الوقوع في أيدي رجال الشرطة الذين يقومون بدورهم باستغلال الفتيات بحسب تأكيدات المختصين الروس.
واللافت في السوق الداخلي في روسيا تنوع الأسباب والخلفيات التي تدفع الفتيات الى العمل في هذا المجال، وإذا كان تدني الأحوال المعيشية والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية تشكل العنصر الأساسي الذي يدفع الفتيات الى امتهان الدعارة كوسيلة سريعة وسهلة لضمان دخل مادي، فان ثمة فروقاً تظهر بين العاملات في مجال الدعارة في موسكو مثلاً وزميلاتهن في الأقاليم الأخرى، ودلت شهادات عدد من فتيات الليل الى ان العاصمة الروسية تستقطب الجزء الساعي الى تحقيق ثروة سهلة المنال من طريق العمل المباشر في النوادي الليلية أو حتى في زوايا الشوارع، في حين تخرج الى «الشارع» في مدينة كازان ذات الغالبية المسلمة الأم الوحيدة التي تعيل طفلاً او اكثر بمفردها او العاطلة عن العمل كلياً، أما في تومسك المدينة السيبيرية المعروفة بارتفاع فاحش للأسعار فان غالبية «فراشات الليل» من الطالبات في السنوات الأخيرة للدراسة. والمشكلة بحسب المختصين ان كل الدراسات التي أجريت أخيراً أظهرت توافر قطاع واسع من الفتيات المرشحات لدخول سوق العمل في هذا المجال على رغم مخاطره، وتصل أعداد هذا القطاع الى نحو ثلاثة ملايين فتاة تراوح أعمارهن بين 16 و28 سنة، قسم كبير منهن لم ينه دراسته ويصعب عليه إيجاد وظيفة براتب مقبول.
والمثير ان دراسة قام بها مركز متخصص في مدينة كراسندار الروسية جاءت بنتائج وصفت بأنها مخيفة، فقد أجرى المركز استطلاعاً في أوساط تلميذات المراحل المدرسية الأخيرة وطالبات الجامعات دلت نتائجه الى ان ثلثي الفتيات مستعدات للسفر الى خارج روسيا والعمل في اي مجال فور انتهاء دراستهن. واللافت ان صاحبات هذا الرأي أبدين حماسة كبيرة للسفر حتى لو كان العمل المعروض يقيد حريتهن او يترك آثاراً سلبية من النواحي الصحية عليهن. وتشير الدراسة الى انه في هذه المنطقة وحدها من روسيا يوجد نحو 800 ألف فتاة مستعدة للموافقة على أي عقد عمل في الخارج حتى لو كان في مجال الدعارة.
وقال أحد الخبراء القائمين على الدراسة لـ «الحياة» انه واثق من ان الرقم الحقيقي لمثل هؤلاء الفتيات في كل روسيا يفوق البضعة ملايين.
طريق الحرير العظيم
الفرع الثاني لتجارة «بنات الليل» هو الأعظم والأوسع انتشاراً، لأنه مرتبط بتصدير «الفراشات» من روسيا والجمهوريات السوفياتية عبر الأراضي الروسية الى كل انحاء العالم تقريباً. وبحسب تقديرات مراكز الخدمة الاجتماعية فإن نصف السوق الآسيوية في مجال الخدمات الجنسية تتم تغطيتها من روسيا ودول الرابطة المستقلة، وفي بلدان الشرق الأوسط تلقى «الروسيات» وهو الاسم الذي يطلق عادة على كل الفتيات العاملات في هذا المجال من الناطقات بالروسية بغض النظر عن أصولهن الأوكرانية او المولدافية او غيرها، إقبالاً كبيراً. وذكر مصدر في الأردن مثلاً ان السنوات الاخيرة شهدت تزايداً ملحوظاً في عدد النوادي الليلية الذي وصل الى زهاء ألفي نادي تعمل في كل منها بين 10 و15 فتاة من روسيا ودول الرابطة، والوضع نفسه ينطبق على لبنان وسورية ومصر التي تشكل أيضاً معبراً أساسياً لدخول «الرقيق الأبيض» الى اسرائيل.
خلال السنـــوات الأخيرة كشِف نشاط عـــدد من شبكات الجريمة المنظمة التي تخصصت في هذا الشأن، وكمثال، ألقت السلطات الأوكرانية أخيراً القبض على رجل أعمال إسرائيلي أنشأ شبكة لتهريب الفتيات الى إسرائيل للعمل في مجال الدعارة. وأظهرت التحقيقات ان الرجل الذي غطى نشاطه بعمليات تجارية في مجال العقارات «باع» خلال اشهر 35 فتاة تم تهريبهن عبر الحدود المصرية - الإسرائيلية، وهذه ثاني شبكة خلال الأشهر الأخيرة يتم الكشف عنها. وتحفل سجلات الأجهزة الأمنية الروسية بملفات مماثلة.
[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]