| رد: التعـــصب...................... آفــــــــة الأمم اقتباس:
المعركة التي لابد منها: التعصب والإصلاح
هاشم صالح
في وقت تسيطر فيه مشكلة الأصولية والأصوليين على العالم كله فإنه لا عزاء إلا أن يغطس الإنسان في الزمن ويعود إلى الوراء لكي يرى كيف حلت أوروبا مشكلتها مع أصوليتها.
إن مشكلة الأصولية هي مشكلة المشاكل، أم المشاكل، ولن يستطيع المثقفون العرب أو المسلمون تشخيصها وعلاجها إلا بعد مرور زمن طويل، إنها سوف تستغرق خيرة جهودنا طيلة هذا القرن أو حتى منتصفه على الأقل. هناك مشاكل ليس لها حل في المدى المنظور، وينبغي أن نفهم ذلك، إنها من الضخامة والاتساع بحيث انها تتجاوز مقدرة جيل واحد، وإنما يلزمها مرور عدة أجيال من أجل الإجهاز عليها أو التخلص منها.
ولكن هذا لا يبرر لجيلنا أن يقف مكتوف الأيدي أمام ما يحصل.
فالمشكلة لن تنحل من تلقاء ذاتها، وإنما ينبغي أن يضطلع بها المفكرون من كافة الاختصاصات والمشارب، وإذا ما نظرنا إلى التجربة الأوروبية في التنوير(1) وجدنا أنها كانت صعبة ومريرة، فالمعركة استغرقت ثلاثة قرون متتالية، بل وحتى أربعة: من لوثر وايراسم، إلى هيغل ونيتشه، مروراً بسبينوزا وجون لوك، وفولتير، وديدرو، وروسو، وكانط وسواهم عديدون(2).
كل فلاسفة اوروبا جيشوا طاقتهم للقضاء على هذا المرض الخطير الذي يصيب أي دين: مرض التعصب والظلامية الأصولية.
×× معركة مليار مسلم
إن مغامرة التنوير أو التحرر من الدوغمائية(3) المتحجرة هي معركة المستقبل، معركة العرب، معركة المسلمين، معركة مليار شخص، ولكن لم نتخيل أنها ستتحول بمثل هذه السرعة إلى مشكلة تهم ستة مليارات شخص: أي العالم بأسره.
هكذا اتسعت الأصولية وكبرت حتى أصبحت بحجم العالم، كنا نخوض المعركة، نحن حفنة من المثقفين العرب، في الظل والصمت، كنا نخوضها، ولا نزال، في ظروف غير متكافئة على الإطلاق، كنا نمشي على رؤوس أقدامنا لكيلا نحدث ضجيجا أكثر مما يجب، ولكيلا نثير رد الفعل الهائج للانغلاق التاريخي الطويل، ومع ذلك فإننا لم نسلم من الاتهامات والإشاعات، وأشكال أخرى من المحاربات والضغوط.
إن كل مثقف عربي لا يعتبر مشكلة الأصولية بمثابة المشكلة الأساسية لعصرنا ليس مثقفا ولا يستحق هذه التسمية بأي حال. فالمثقف هو ذلك الشخص الذي يشعر بأنه مهموم بقضايا شعبه وأمته، وإذا ما انشغل بالثانويات وأهمل الأساسيات فهذا يعني أنه خارج قوس. كل المفكرين الكبار على مدار التاريخ هم مفكرو المشكلة الواحدة. انهم يهجسون بها ليل نهار، ينامون معها ويستيقظون عليها.. انها شغلهم الشاغل وقضية العمر. قد تختلف نوعية هذه المشكلة من عصر إلى عصر، ولكن تبقى هناك مشكلة أساسية لا يستطيع أن يكتشفها أو يهجس بها إلا فلاسفة الدرجة الأولى. ونستغرب كيف أن الكم الأكبر من المثقفين العرب لا يعيرون هذه المشكلة الاهتمام الذي تستحق، ولا يرون فيها مشكلة على الاطلاق! وعلى الرغم من وحشية الحرب التي شنها الاصوليون في الجزائر والسودان وايران ومصر وافغانستان وسواها على المجتمع المدني وعلى روح العصر الحديثة وعلى الرغم من أنهم دقوا اسفينا عميقا في صميم الوحدة الوطنية للشعب وزرعوا الفتنة والبلبلة، إلا أن مثقفينا الأشاوس ظلوا يغضون الطرف عن هذا التيار بحجة أنه شعبي أو يمثل الشعب! ولم يستشعروا حتى هذه اللحظة بضرورة (محاربة) الاصوليين المتزمتين على أرضيتهم بالذات: أرضية التراث الديني وكيفية فهمه وتفسيره، فبدلاً من القراءة المنغلقة، بل والارهابية التي يقدمها المتزمتون عن تراثنا الإسلامي، كان ينبغي أن نولد قراءة جديدة لنفس التراث كما فعل فلاسفة التنوير الاوروبي مع تراثهم المسيحي.
فلو ان هؤلاء الفلاسفة قالوا بينهم وبين أنفسهم: ان معظم شعبنا اصولي أو يتبع الاصوليين في تفسيرهم للدين، وبالتالي فينبغي علينا أن نلحق بالشعب ونستسلم للمقادير.. لو قالوا ذلك لما حصل أي تطور في اوروبا. كانت اوروبا ستظل جاهلة، متخلفة، تتخبط في حروبها الأهلية والمذهبية حتى هذه اللحظة، فالوفاء للشعب يعني انقاذ الشعب من تصوراته الخاطئة، ومن أحكامه المسبقة المكرسة منذ مئات السنين لا اتباعه بشكل أعمى. هنا يكمن الفرق بين المثقف ورجل الشارع، مع احترامي لرجل الشارع الذي لا يستطيع تغيير وضعه. على هذا النحو فهم فلاسفة التنوير مهمتهم ورسالتهم ولم يدغدغوا عواطف الشعب أو غرائزه، وإنما صارحوه بالحقيقة، وهكذا أنقذوا شعوبهم من وهدة التخلف والانحطاط، وارتفعوا بها إلى مستوى الحضارة والتمدن والرقي.
×× ليكن نيوتن.. فكان
لكن ما معنى مفهوم التنوير يا ترى؟ وكيف ظهر في القرن الثامن عشر؟ وكيف تبددت أمامه الظلمات الحالكة للأصولية؟
في كتابه عن عصر الأنوار في اوروبا يرى المؤرخ السويسري اولريتش إم هوف ان مصطلح التنوير في اللغة الانكليزية لم يظهر إلا في القرن التاسع عشر على الرغم من أن مدلوله كان موجوداً من قبل. ومعلوم أن الظاهرة تسبق أحيانا تسميتها. وعندما ظهر هذا المصطلح راح يتنافس مع مصطلح آخر هو: عصر العقل. فالفيلسوف بيركلي(4) مثلاً راح يتحدث عنه بشكل شاعري قائلاً: هذا البحر من الأنوار التي هجمت علينا وشقت طريقها على الرغم من عراقيل العبودية والشعوذات.. وراح مفكر انكليزي آخر يقول: إن هذا القرن مستنير أكثر مما كانت تحكم به أو حتى تتصوره القرون السابقة. وأما الشاعر بوب فقد لخص الحركة الفلسفية والعلمية لعصره قائلاً: الطبيعة وقوانين الطبيعة كانت مخبوءة في الظل.. وفجأة قال الله: ليكن نيوتن(5)، فكان! وأصبح كل شيء مضاء.. وبالتالي فإن النور أشرق على اوروبا والعالم كله من غربها لا من شرقها على عكس الشمس، لقد جاء أولاً من انكلترا الليبرالية قبل أن ينتقل إلى فرنسا فالمانيا فسواها.
أما المفهوم الفرنسي للتنوير فيعني: الذكاء، المعرفة، وضوح الفكر، ثم أصبح علامة على العصر كله. وراح الفلاسفة يعتقدون أن أنوار العقل الطبيعي وحدها قادرة على السير بالبشر نحو تقدم العلم والحكمة والحضارة. وفي عام 1750 أي في عز عصر التنوير، راح أحد الفلاسفة يقول: أخيراً تبددت كل الظلمات، وانهمرت علينا الأنوار من كل الجهات، ما أجمل هذا النور ما أجمل التقدم البشري!
أما المصطلح الالماني الدال على التنوير بصفته حركة تشمل العصر كله فلم يظهر إلا عام 1780: أي عندما كان كانط(6) يكتب مؤلفاته الكبرى ثم ترسخ المفهوم في القرن التاسع عشر بالطبع. عندئذ راح أحد المفكرين الألماني يتحدث عن حرية الفكر والصحافة ويقول انهما يمثلان بالنسبة للعقل ما تمثله الأنوار بالنسبة للعينين. وأما هيردي الذي عاش في القرن الثامن عشر فكان يقول واصفاً عصره: انه عصرنا المستنير، عصرنا الأكثر إشعاعاً بين العصور.
أما مفهوم التنوير في ايطاليا فهو حديث العهد، ولم يتشكل كتيار إلا في القرن العشرين، والواقع أن اوروبا الجنوبية تأخرت عن التنوير قياساً إلى أوروبا الشمالية، وبالتالي فلا يحق لنا أن نضع ايطاليا ثم بالأخص اسبانيا والبرتغال على نفس المستوى الحضاري الذي وصلت إليه بلدان كانكلترا وفرنسا والمانيا وهولندا... نقول ذلك على الرغم من أن ايطاليا لحقت بالركب مؤخراً: أي خلال الخمسين سنة الأخيرة. ثم تبعتها اسبانيا وكذلك البرتغال إلى حد ما. هذا على الرغم من أن الأصولية الكاثوليكية ظلت قوية في بلاد فرانكو وسالازا(7) وإن كانت الحداثة والديمقراطية قد انتصرتا في العشرين سنة الأخيرة. بالطبع لا ننسى سويسرا، بلد جان جاك روسو(8)، هذا البلد الرائع الذي لعب دورا كبيرا في العقلانية والتنوير. وكذلك السويد والدنمارك والنرويج،.. هذا هو التنوير الذي أزال الغشاوات عن الأعين، ولكن المتعصبين الأصوليين حاولوا عرقلتهم عن طريق الإبقاء على الظلمات، على الجهالات العمياء، وكان حقدهم على الأنوار كبيراً.
|
|