عرض مشاركة واحدة
قديم 12-07-2006, 02:30   رقم المشاركة : 3 (permalink)
انسـ عادي ــان
 
الصورة الرمزية انسـ عادي ــان






انسـ عادي ــان غير متواجد حالياً

انسـ عادي ــان is on a distinguished road

رد: التعـــصب...................... آفــــــــة الأمم

اقتباس:
×× اوروبا والإرهاب اللاهوتي


والآن يمكن طرح هذا السؤال:

هل يستطيع مثقف عربي واحد أن يقول إن العصر الذي نعيشه هو عصر مستنير؟ أقصد العصر العربي أو الإسلامي بالطبع وليس العصر الاوروبي، لأننا نعاصر الاوروبيين زمنيا لا فكريا ولا عقليا، من يجرؤ على ادعاء ذلك؟ لا، إنه عصر الأصولية الظافرة، عصر الضجيج والعجيج، عصر طالبان(9) وبقية الجحافل الزاحفة على التاريخ. أكثر ما نستطيع قوله هنا أننا نحضر لعصر تنويري عربي – إسلامي مقبل.

صحيح اننا قد لا نراه بأم أعيننا، ولكنه آت لا ريب فيه، ولا أعتقد أنه بعيد جدا، فوراء الأكمة ما وراءها، ذلك أن الموجة الحالية سوف تنكسر أو تنحسر عما قريب. وبانحسارها سوف يبزغ نور جديد يكاد يخطف الأبصار، نور انتظرناه طويلاً: أي منذ عدة قرون!

ومعلوم أن أكبر عتمة هي آخر عتمة: أي تلك التي تسبق مباشرة انبلاج الفجر.

لكي نقدم مثالا تطبيقيا على صحة هذا القول يكفي أن ننظر إلى القرن الذي سبق مباشرة عصر التنوير في اوروبا: أي القرن السابع عشر. فقد كان عصراً لاهوتياً خطيراً.. انه العصر الذي شهد سيطرة التيار المضاد للاصلاح الديني، العصر الذي حاكم غاليليو(10)، واجبر ديكارت(11) على الهرب من فرنسا، وأرعب سبينوزا(12).. إنه عصر الحروب المذهبية والأهلية التي اجتاحت اوروبا، إنه عصر الإرهاب اللاهوتي الذي لا يقل جبروتاً عن إرهاب طالبان أو بقية الأصوليين الحاليين.

ومع ذلك، فبعده بعشرين سنة فقط، دارت رحى المعركة بين التنويريين والظلاميين وكانت النتيجة لصالح التنوير: أي لصالح توليد تفسير جديد للدين. وهو تفسير تحريري، لا قمعي ولا ظلامي. هنا يكمن طريق الخلاص: بلورة فهم آخر للتراث الديني غير الفهم السائد والمسيطر منذ مئات السنين والذي يحاول الأصوليون إقناعنا بأنه هو وحده الممكن.. هكذا انتصرت اوروبا على نفسها، وحلت عقدتها التاريخية المزمنة المتمثلة بذلك الصدام المروع ما بين العقل اللاهوتي والعقل العلمي أو الفلسفي. هذا الصدام ما بين اللاهوت القروسطي والحداثة لا يقل خطورة عن اصطدام الطائرات الانتحارية ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك!

إن لاهوت القرون الوسطى أو فقه القرون الوسطى، يسمح لأي جاهل بأن يطلق فتاوى التكفير والتحريم والقتل والذبح.. وتفكيكه يمثل ضرورة ملحة وعاجلة بالنسبة لكل المجتمعات العربية والإسلامية.

ولا يمكن لهذه المجتمعات أن تتقدم إلا إذا فككته لأنه يعرقل حركتها ويشعرها في كل خطوة تخطوها بالخطيئة والذنب، كما أنه أصبح يشعرنا بالعار والخجل والحرج أمام الآخرين.

لكن تفكيكه سوف يجبرنا على الدخول في معركة حامية، كلما خف أوارها راح يشتد.


×× التعصب الديني


إذاً.. لا يمكن فهم عصر التنوير إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار مسألة التعصب الديني والحروب المذهبية التي فرقت أوروبا طيلة مائتي سنة، ومفهوم التسامح ظهر أصلاً لحل هذه المشكلة: أي مشكلة التعايش بين المذهبين الأساسيين للمسيحية الأوروبية: المذهب الكاثوليكي والمذهب البروتستانتي. وبالتالي فينبغي أن نموضع التنوير داخل سياقه التاريخي لكي نفهمه على حقيقته. فهو قد ظهر لتلبية حاجة ماسة ألا وهي: نيل حرية الاعتقاد والضمير، ثم حق الاختلاف في تأويل النصوص المقدسة. وعندما اندلع الصراع بين رجال الدين والفلاسفة فإنه كان يخص أيضاً مسألة التسامح، فعلماء الدين المسيحيون كانوا يعتقدون أن الإيمان ببعض العقائد الدينية هو شرط أساسي لا بد منه من أجل النجاة في الدار الآخرة. ومن لا يؤمن بهذه العقائد فهو كافر ومصيره جهنم وبئس المصير. وبالتالي فتنبغي محاربته والتضييق عليه بكل الوسائل، ولا يمكننا أن نتسامح معه لأنه يقع خارج العقيدة اللاهوتية. وبالتالي فمفهوم التسامح لم يكن له أي معنى بالنسبة للأصوليين، إنه يمثل ما ندعوه باللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه. لم يكن أي مسيحي آنذاك قادراً على فهم مطلب الفلاسفة في التسامح، إذ كيف يمكن أن نتسامح مع شخص يرفض الحقيقة الإلهية؟ وهل يحق لهذا الشخص أن يوجد على سطح الأرض أو أن يستمر في الوجود؟!.. ولم يكن الأصوليون يقصدون أيضاً اتباع المذهب المضاد أو اتباع الأديان الأخرى غير المسيحية. فأتباع المذهب الكاثوليكي في فرنسا مثلاً كانوا يعتبرون الأقلية البروتستانتية بمثابة الكفرة أو المهرطقة وبالتالي فلا يمكن التسامح معها.

نقول ذلك على الرغم من أن البروتستانت كانوا يؤمنون أيضاً بالمسيح مثل الكاثوليك، ولم يكن لهم كتاب آخر غير الإنجيل!.. ولكنهم كانوا يختلفون عن الكاثوليك في ما عدا ذلك، أي في فروع الدين في الواقع وليس في أصوله (تماماً كما هو عليه الحال في ما يخص الشيعة والسنة، حيث يوجد إجماع على الكتاب والنبوة، أي على القرآن ومحمد، وخلاف في ما عدا ذلك..) هذا يعني أن الأصولي شخص لا يستطيع تحمل أي اختلاف في ما يخص شؤون الدين والعقيدة.

ينبغي هنا أن نقوم بتحليل نفساني للشخصية الأصولية المتزمتة لكي نفهم ذلك، فالشخص الأصولي هو شخص سعيد جداً، ومطمئن جداً جداً على عكس ما نتوهم، إنه أسعد خلق الله على الأرض، لماذا؟ لأنه يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، الحقيقة التي لا حقيقة بعدها. وبالتالي فهو يستغرب جداً كيف يوجد أناس آخرون لا يعترفون بهذه الحقيقة أو لا يعتنقونها فوراً. إنه يعتبر ذلك بمثابة الفضيحة التي لا تحتمل، ولذلك يعتبر شرعياً حذف أو تصفية كل شخص لا يؤمن بهذه العقيدة (الإلهية). من هنا جرأة الأصوليين على الذبح والقتل، فعندما يصعدون إلى الطائرة مثلاً يذبحون المضيفات من الوريد إلى الوريد دون أن يرف لهم جفن! وفي الجزائر يذبحون الأساتذة والمثقفين أمام أطفالهم أحياناً كما تذبح النعاج أو الخراف بل ويذبحون المرأة والطفل وعائلات بأسرها دون أن يسبب لهم ذلك أي مشكلة ضميرية، لماذا؟ لأنهم يطبقون الفتوى وينفذون حكم الله في الأرض، أو هكذا يعتقدون.. إذا لم نموضع الأمور على هذا المستوى من العمق فإننا لن نفهم أبداً ما يجري حالياً وسبب جرأة الأصوليين على ارتكاب المجازر واحتقار الحياة الإنسانية.


×× ضمانة شرعية


فمن يمتلك الحقيقة الإلهية يحق له كل شيء، وينبغي أن يصل دفاعه عنها إلى حد التضحية بنفسه من أجلها، أو إلى حد قتل الآخرين، وفي كلتا الحالتين فهو شهيد ومرضي عند الله.. إن الفتوى الدينية تقدم للأصولي ضمانة شرعية واطمئناناً نفسياً لا يقدر بثمن، ولولاها لما تجرأ على القتل، لولاها لاختل عقله أو لجن بسبب ما يرتكبه من أعمال إجرامية، لهذا السبب نقول بأن تفكيك لاهوت القرون الوسطى (أو فقه القرون الوسطى) يمثل ضرورة ملحة حالياً ومستقبلاً. فما دام هذا اللاهوت الظلامي سائداً ومسيطراً على عقلية الملايين، فلا حل ولا خلاص. وسوف يستمر القتل والذبح باسم الله، وعلى بركة الله إلى ما شاء الله.. ولكن المشكلة مهولة ومخيفة حقاً، فإذا كان المسيحيون الاوروبيون قد ناضلوا طيلة ثلاثة قرون من أجل التحرر من أصوليتهم، فكم يلزمنا نحن؟ ينبغي أن نعلم أن الاشتباك مع اللاهوت الأصولي ابتدأ منذ لحظة سبينوزا في أواخر القرن السابع عشر، ولم ينتصر فعلاً إلا بانعقاد المجمع الكنسي المشهور باسم الفاتيكان الثاني عام 1962-1965م.

هذا يعني أن مشكلة الأصولية شغلت الاوروبيين طيلة ثلاثة قرون تقريباً قبل أن تجد لها حلاً. فهل يمكننا نحن أن ننتظر طيلة ثلاثمائة سنة؟ بالطبع لا ولكن يخطئ من يظن أن مشكلة الأصولية عندنا سوف تحل غداً أو بعد غد.


×× تطور الاعتقاد هل هو زندقة؟


كان بوسويه(13) أكبر مفكر أصولي كاثوليكي في القرن السابع عشر، وقد خلع المشروعية اللاهوتية على سياسة لويس الرابع عشر(14) الهادفة إلى استئصال المذهب البروتستانتي من فرنسا، فما هي حجته؟ قال بما معناه: إن الاعتقاد المسيحي على طريقة المذهب الكاثوليكي لا يتغير ولا يتبدل على مدار العصور، إنه صالح لكل زمان ومكان، وذلك على عكس الاعتقاد البروتستانتي الذي تغير أكثر من مرة أو تطور وتحول.. ومجرد تطوره أو تغيره دليل على زندقته وهرطقته وأنه من صنع البشر. هذا في حين أن ثبات المذهب الكاثوليكي على مدار العصور والأجيال دليل على أنه إلهي بالكامل، وبالتالي فكيف يمكن أن نساوي بين تراث بشري وتراث إلهي؟ وكيف يمكن أن نضع البروتستانت الزنادقة على قدم المساواة مع المؤمنين الحقيقيين، أي الكاثوليك؟ معاذ الله!






التوقيع :