وقفات من النص : ـ من الاعلى
--------------------------------------------------------------------------
وحرية التفكير لا تعني شيئًا ما لم يصاحبها حرية التعبير, فالتعبير هو الآلة التي توصل الفكرة, بَرةٌ كانت أو فاجرةٌ للناس, ولا يقتل الفكرة إلا الصمت عنها, أو خذلانها من الوصول للناس, وكم من حق ورشد قتله الصامتون, وكم من مظلمة قهرت الناس بسبب سكوت العارفين, والكبت والصمت عن التعبير عن الحق يلازم لحظات الانحطاط في إنسانية الإنسان, وتردي مشاعره, وموت ضميره. وهناك لا يستطيع أحد أن ينادي فقط بحرية الفكر, لأن الفكر ينمو في الهواء الطلق, والجهل يكبر ويسود وينتصر في أجواء الانغلاق والعفونة. فتتلازم الدعامتان: حرية التعبير, ونضوج الفكر تلازمًا مصيريًا, لأن الفكر الذي قد يسود, أو يجبر عليه الناس, قد لا يكون صحيحًا, ولا معقولاً, وجهلاً مركبًا, ولكنه يستمد قوته من تحريم غيره. وما حدث في الدول الشيوعية جدير بفهم الناس له, وتقدير حقيقة خطر الانغلاق الفكري. ومعظم المجتمعات البشرية تمارس شرورًا من هذا القبيل, غير أن الطغيان المذل يقتل أهم جوانب عزة الإنسان, ويحطم قواه الذهنية, ويجعل من يتنفج بالتِحكم ضحية لتحكمه, ومغلوبًا تحت سيطرة من أعطى نسبة أعلى من حرية التفكير والتعبير.
===============================
فمتى ما تبين لنا الفارق بين النص وفهم النص, استطعنا احترام النص وفهم النص, وما دمنا نكثف المساحة حول النص, ونملأها بأقوال الناس وأفهامهم, ثم نلقي عليها قداسة النص القطعي فإن هذا الأسلوب الحمائي لا يخدم الشرع, ولا يطور الفهم, ولا يجدد الحياة العلمية والعملية,
-------------------------------------------------
وفي زماننا زاد الخوف من الفكر الغربي, ومن مشكلات العصر الكبيرة, فكان أحد ملاجئ الهروب الفخر بالتراث, وهذه سنة للمغلوب الذي يبحث عن ذاته أمام الاستلاب الحضاري, سلب النفس والقيمة, ثم المبالغة في دور وقيمة التراث, وبالتالي إكساب التراث لباس الشرع والقداسة, وهو موقف دفاعي وليس موقفًا إحيائيًا, فالإحياء يقتضي التخفف من الأثقال, والشفافية والفاعلية, والمرهق بهذه الثقافات والقيود ومجاميع التراث, وتقديس الموروث يجد نفسه كليلاً عن النهوض بالعبء فيخطئ من يقوم, ويتهمهم بالتهاون والتساهل, بل وبالخروج عن طريقة السلف الصالح. وهو محق في بعض اتهامه أنهم خرجوا أو سيخرجون عن بعض ميراث السلف, ولكن هذا بعض مقتضيات تجديد الحياة, ولكنه بالمقابل لا يملك حلاً سوى تمجيد التقليد.
---------------------------------
والحقيقة أنه يصعب رؤية الخط الفارق بين المفكر والفيلسوف, إلا من اتضح لديه أن المفكر صاحب دور حيوي مباشر في الحركة اليومية للأفكار والسياسة والدين والأدب والخلق, وقد يكون المفكر على مستوى الفليسوف معرفة, ولكنه يتميز بالعمل, إذ كثير من الفلاسفة علماء فلسفة, بأفكار معتادة مكرورة, أجادوا معرفتها ولم يستطيعوا تحريكها في الحياة, وهناك من الفلاسفة من يَجدُ أكثر من المفكرين في العمل في الإقناع برأيه, أو عمله. أما المفكر فهو مساهم حيوي مؤثر في الحياة اليومية للناس, وإن لم يكن له نصيب مما سماه الناس فلسفة, ولكن له مشروعه العملي في الوجود. والله أعلم.
--------------------------------------
يعطيك العافية همس
اقتباسك كان همسات ولكن بصوت مسموع وعالي
يعطيك العافية مليون مرة