| المثقف السعودي و خصومه في المجتمع المثقف السعودي .. بين السياسي والسياسة
عادل بن زيد الطريفي هذا ما افتقده بعض المثقفين في السعودية، وهو أن العلاقة مهما بالغنا في تعقيد أوصافها هي في حقيقتها علاقة عائلية، فالمثقف هو ابن من أبناء البلد والاختلاف في الرأي بينه وبين السياسي أمر مشروع وضروري، ولكن ذلك لا يعني أن يظن المثقف أنه بالإمكان تجاوز طبيعة المجتمع وولائه لقيادته.
؟ لطالما كانت علاقة المثقف بالسياسي قضية جدلية منذ القدم، فحدود الالتقاء والتقاطع بينهم عديدة جداً، كما أن مظان الاختلاف واسعة هي الأخرى. الخمسينات والستينات من القرن الماضي مثلت مرحلة هامة في تحديد العلاقة ما بين المثقف والسلطة في العالم الغربي والعربي -والسعودية بطبيعة الحال-، ولكن ثمة اختلاف كبير ما بين التجربة العربية والتجربة الغربية، ففي الغرب تمكنت الحرب العالمية الثانية، من خلق تيار عام ثقافي مستقل عن السلطة، ولكنه في ذات الوقت يشترك معها في المصالح العظمى للدولة، وكذلك في الثوابت الاجتماعية والوطنية، ورغم طغيان ظاهرة "اليسار الثقافي" و"اليسار الجديد" في الستينات والسبعينات، إلا أن التيار العام Main Stream ظل متماسكاً في مواقفه العريضة المنسجمة مع مصالح البلد، ولم يراهن أبداً على الشعارات الكوزموبوليتية والوجودية التي بنى عليها اليسار موقفه المعارض للسلطة، وربما يكون للحرب الباردة أثر كبير في ذلك. بينما في العالم العربي تعرض المثقف لتقلبات سياسية عديدة منذ بداية حركات الاستقلال الوطني ضد الاستعمار الأجنبي، ومروراً بالثورات الاشتراكية القومية ضد السلطات التقليدية، ووصولاً إلى انقلابات عسكرية ونظم تسلطية حكمت المنطقة طوال ثلاثة عقود، وانتهاءً إلى صراع ثقافي وديني مفتوح بين حركات الإسلام السياسي والأنظمة السياسية القائمة، كل هذه المتغيرات أفقدته ميزة الاستقرار والطمأنينة المترتبة عليها.
أمام هذه التجربة العريضة يمكننا استنتاج أمرين بارزين فيما يخص العلاقة بين المثقف والسلطة في منطقتنا: أولاً، أن التقلبات السياسية المتعاقبة عطلت تكوين تيار متصالح مع السلطة ومشارك لها، وهنا بإمكانك أن تلوم الأنظمة التسلطية التي اضطهدت المثقف أو همشته، وأن تلوم الأخير كذلك لأنه عجز عن تقديم نفسه بشكل مستقل -من الناحية السياسية- وظل على الدوام يعلب دور المعارض الصامت، والصريح في أحيان أقل. ثانياً، -ولعله أبرز استنتاج- يندر أن تجد نموذجاً لمثقف عربي استطاع أن يقدم لجمهوره نموذجاً سياسياً واعياً، وهنا علينا أن ندرك أن هنالك فرقاً بين إبداع المثقف -سواءً كان ذلك أدبياً أو فلسفياً أو حتى صحفياً- وما بين خيارات ذلك المثقف السياسية، ومواقفه أو آرائه تجاه السياسة الداخلية أو الخارجية لبلده. في العالم العربي برز لدينا مثقفون متميزون في إنتاجهم، ولكن الرصيد العام لمواقفهم وخياراتهم السياسية سلبي، وفي أغلب الأحيان غير ناضج، ولهذا لم يتكون لدينا تيار عام ثقافي يضع الأساس للمصالح الوطنية والشعبية، ويحدد نقاط التوافق الكبرى مع السلطة السياسية، وهوامش الاختلاف السياسي فيما بين الطرفين. والمحصلة أن المثقف أصبح همه الرئيسي في بعض الحالات أن يقدم نفسه بدور الضحية للأنظمة السياسية المتعاقبة، ففي فترات التوتر يسجن لأجل تأييده لحركات راديكالية تهدد بقاء السلطة، وفي فترات السكون يتفرغ لكتابة مذكراته عن سنوات الاعتقال الرهيبة. طبعاً، أنا هنا أشير لبعض النماذج الموجودة، ولست أحكم على أكثرية التجارب المرة التي تعرض لها مثقفون أبرياء في بعض الدول العربية، وفي أنحاء أخرى من العالم.
هذه المقدمة ضرورية قبل مناقشة علاقة المثقف بالسلطة في السعودية، فمظاهر ما ذكرت عربياً وغربياً لها نماذجها لدينا، كما أن لدينا اختلافات تظهر بالمقارنة. التجربة السعودية مثيرة للإعجاب، وتحمل سمات مختلفة عن مثيلاتها العربية، ولكنها تعاني في نفس الوقت من ذات العيوب. في السعودية نشأ المثقف في محيط دولة مهتمة بالتعليم والتنوير في بلد كانت الأمية فيه هي الأساس، وقد شهد المثقف في بواكير نشأة الدولة السعودية مساندة وتأييد من قبل السياسي لنشر العلم والمعرفة، ولهذا تكونت لدينا أسماء من الرعيل الأول أسهموا في نشر العلم، وإنشاء المطابع والصحافة، وظل السياسي يقف في مساندة المثقف ضد من الذين عارضوا سياسة التعليم ونشر المعرفة الحديثة، وكانوا ضد الصحافة منذ نشأتها ودورها في خلق الجمهور الثقافي، هذه كانت المرحلة الأولى. أما المرحلة الثانية فقد واجهت عوائق كثيرة أبرزها انتشار الأفكار القومية واليسارية، ولسوء الحظ فإن العلاقة ما بين المثقف والسلطة تدهورت بدل أن تتقدم، فقطاع غير قليل من المثقفين في البلد راهنوا على الانبعاث القومي والوحدوي، وبشروا بالدعاية الناصرية، وعوضاً عن أن يساهموا في تحقيق استقلالية للمثقف انخرطوا في تبعية سياسية قومية منتصف الستينات، ويسارية أوائل السبعينات. وفي الوقت الحيوي الذي كان السياسي يحتاج فيه إلى المثقف للمساهمة معه في بناء التصورات العريضة للمصالح الوطنية -وبالتالي أن يشارك المثقف في صناعة استقلاله- كان المثقف السعودي منهمكاً في معارك ليست له تارة مع الشرق، وأخرى مع الغرب، وفي كل قضية عربية كان المثقف السعودي يجود بكل طاقته لقضايا لم تكن تعني وطنه في شيء، وكان البعض لا يفرق ما بين تغليب مصلحة البلد السياسية أو الانخراط في تنظيم سري قومي أو يساري، أو طرح رؤى سياسية لا تنسجم والواقع السياسي القائم في البلد.
نتيجة لذلك أصبح السياسي غير راض عن الدور الذي يعلبه المثقف، ولم يكن يرى فرصة لخلق مناخ شراكة بين الطرفين، ولهذا بات يتعامل مع المثقفين بشكل فردي، ويحاول فرز مواقفهم وفق مقاييس ذلك الوقت. ولكن حين بدا أن هنالك تهديدات خارجية للسلطة في البلد، كان رد فعل السياسي حازماً، ولفترة قصيرة تحولت الساحة إلى حالة استقطاب ما بين الولاء وعدم الموالاة وكانت نتائجها غير مفيدة للطرفين. حين ارتفعت العائدات النفطية نهاية السبعينات تمكن السياسي من تأكيد مشروعه الوطني تجاه المشروعات القومية التي كان يؤمن بها بعض المثقفين في السعودية، فعبر عن ذلك بإعادة تشكيل البنى التحتية الحديثة التي تمثل وجه السعودية المعاصر اليوم، وبخلق مؤسسات خدمية وشبكة رعاية صحية ضخمة، وأخيراً ركز استثماره في المواطن السعودي وابتعثه للتعليم في الخارج لزيادة كوادر البلد العلمية والمهنية، وبذلك أثبت السياسي السعودي جدارته أمام رهانات الآخرين، ومهما يكن انتقادك تجاه السياسي السعودي إلا أنك لا تستطيع إنكار ضخامة النقلة الحضارية التي حققها لبلده، فيما عجزت كل الشعارات السياسية المناوئة له في المنطقة عن تحقيق أي شيء يذكر غير المزيد من التضييق والتراجع في البلدان التي حكمتها. كردة فعل تجاه تفوق السياسي أمام خسارة رهاناته السياسية انكفأ المثقف السعودي على نفسه، وغرقت بعض رموز السبعينات والثمانينات في نخبوية ثقافية -أدبية- اعتزلت بالتالي عن المجتمع، وفيما تحول البعض إلى تكنوقراط بارزين، ولكنهم حذرين في ذات الوقت من فتح ملف العلاقة بين السياسي والمثقف، اكتفى البعض الآخر بالتزام حدود ما هو موجود أصلاً، وظلوا يخسرون مساحات التحرك عاماً بعد عام، ويعود السبب الكبير في ذلك إلى أن عدداً غير قليل من المثقفين القوميين واليساريين -السعوديين- كانوا قد قرروا التصالح مع السياسي، ولكنهم في الحقيقة لم يتصالحوا مع السياسية، أي أنهم قرروا الاحتفاظ -بدرجة ما- بخياراتهم السياسية السابقة - سواءً كانت قومية أو يسارية- دون أن يبدعوا رؤية سياسية ناضجة تبحث عن المشترك مع السياسي وتضع الثقافة السعودية في موقف سياسي واقعي مدرك لمتغيرات السياسة في الداخل والخارج. وعلى الرغم من ظهور ملامح التغيير في اللغة والخطاب وبروز مفردات ليبرالية وديمقراطية بعض الشيء - تبعاً لتأثيرات العولمة التي اجتاحت العالم أوائل التسعينات - إلا أن بعض المثقفين كانوا غير مستعدين بعد للتخلي عن خياراتهم السياسية السابقة رغم وضوح فشلها. أثناء حرب الخليج الثانية شهدنا حالات ارتباك عديدة في مواقف بعض المثقفين السعوديين، فعلى الرغم من أن الغالبية أيدت الموقف السياسي الرسمي، إلا أن البعض كان في حالة صدمة مما حدث أكثر من اعتماده موقفاً سياسياً واعياً بأهمية ما يحدث وبتبعاته. انعزال المثقف ونخبويته - التي أريد بها التعويض عن عدم مشاركته في الرأي السياسي العام - أضعفت من نفوذه، وقادت إلى حالة من ضياع الرؤية إلى أن أخذه تيار الإسلام السياسي على حين غفلة، وفي ظرف سنوات قلائل تمكن الأخير من شيطنة المثقف وإلباس كافة التهم الأخلاقية السلبية في المخيال الشعبي ضده. وكردة فعل حاول المثقف تحميل السياسي والمجتمع تبعات ما حل به، وربما يتحملون قدراً من الخطأ، ولكن المسئولية الرئيسية لتراجع دوره كانت متعلقة به منذ البداية، فهو لم يفلح سابقاً في تحديد الخطوط العريضة للمصلحة الوطنية، وأخطأ في عدد كبير من خياراته ومواقفه السياسية، وبالتالي أصبح ضحية للتيار الأصولي الذي أراد فرض رؤيته على ما يجب أن تكون عليه البلد.
يتبع | التوقيع | جميل أن تعطي من يسألك ما هو في حاجة إليه ولكن أجمل ما في ذلك أن تعطي من لايسألك و أنت تعرف حاجته . 
. ((( جبران خليل جبران)))
[center]ليست مشكلتي إن لم يفهم البعض ما اعنيه..
فهذه قناعاتي .. وهذه افكاري .. وهذه كتاباتي بين يديكم
أكتب ما اشعر به .. وأقول ما أنا مؤمن به ..
ليس بالضرورة ما أكتبه يعكس حياتي ..الشخصية
هي في النهاية مجرد رؤيه لأفكاري...! واخيراااااااا
تفضل بدخول Mohammed Ayyub - |
آخر تعديل بواسطة تجربة انسان ، 14-07-2007 الساعة 11:48.
|