هذا فيما يخص المثقف في ميزان العلاقة، فماذا عن السياسي؟ .. في الحقيقة، كان دور السياسي في هذه العلاقة أكثر إيجابية، بل إن الطريقة التي تعامل بها السياسي السعودي في خلافه مع المثقف في السعودية كانت مميزة لأنها عملت لصالح المثقف أكثر مما عملت ضده، بل يمكننا القول أن حجم أخطائها وتجاوزاتها تغرق في بحر حسناتها، وهنا يمكننا ملاحظة ثلاثة مظاهر:
- أنه في وقت كانت الأنظمة القومية العربية التسلطية تجرم حرية التعبير، وتذيق خصومها من المثقفين ألواناً من التعذيب، وتنفيهم في الخارج أو تغيبهم في السجون، كان منتهى الخلاف ما بين المثقف والسياسي في السعودية عدم إجازة مقال، أو إيقاف عن الكتابة، وفي حالات قليلة إيقاف المثقف عن العمل لدى الحكومة. صحيح، أننا لا نبرر أية أخطاء حصلت في حق حالات فردية أو جماعية، إلا أننا لم نشهد أبداً حملة منظمة قادها السياسي ضد المثقفين في السعودية. تحدث أخطاء نعم، ولكن السياسي لم يكن معنياً أبداً في التدخل في شؤون المثقف، ولا حتى في خياراته السياسية ومواقفه. الحدود كانت معروفة على الدوام وهي عدم المساس بوحدة البلد، ولا بمشروعيته السياسية والدينية، وفيما عدا ذلك كان المثقف حراً في آرائه السياسية.
- السياسي السعودي لم يكن أبداً في يوم من الأيام انتقامياً، ولا متسلطاً تجاه معارضة المثقف له، بل إن تجارب كثيرة أثبتت أن السياسي في السعودية لديه قدرة كبيرة على التسامح، ونسيان خلافات الأمس حتى مع أشد الخصوم، وهي ميزة جعلته دائماً في موقف الطرف الحكيم والمترفع عن هوامش الاختلاف، وأعطت الفرصة للكثيرين لتصحيح أخطائهم، والأهم أن السعودية لم تفكر يوماً في تصفية أي مثقف لإرضاء أي طرف، ولم تسمح أبداً بالاعتداء على أي مثقف من قبل أي شخص أو جماعة كانت، فالمسموح هو الاختلاف في الرأي فقط ولا شيء أكثر من ذلك.
- أما الميزة الأبرز برأيي، فهي أن السياسي السعودي كان على الدوام أكثر حكمة، وأكثر رصانة في تحديد خياراته ومواقفه السياسية داخلياً وخارجياً. ولعل مواقف السعودية الخارجية هي مثال بارز جداً، فمهما كانت الانتقادات مشروعة تجاه سياسة السعودية الخارجية، إلا أن سجلها التاريخي متميز للغاية، وقد حفظ لها احترام وتقدير الآخرين، ومما يؤسف له أن مواقف المثقفين -لاسيما تجاه القضايا الخارجية- كانت على الدوام أقل إبهاراً من مواقف السياسي، وأكثر اقتراباً مع الطرح العروبي العاطفي. حرب الخليج الثانية، وأحداث 11سبتمبر، والموقف من العلاقة مع أمريكا، ورؤيتهم لحوادث الإرهاب المنظم في العراق، وحرب لبنان الأخيرة هي بعض النماذج فقط لطرح فئة من المثقفين الذين ما يزالون موالين لخيارات سياسية انكشف فشلها منذ عقود.
حتى نعطي للقارئ نموذجاً -رغم أنني لا أرغب بتسمية أحد في هذه المقالة- أشير فقط إلى كتاب مهم وبارز صدر مؤخراً للصحافي والباحث المتميز الأستاذ محمد السيف. الكتاب الذي حمل عنوان "عبدالله الطريقي: صخور النفط ورمال السياسة" يوثق بسرد تاريخي ممتع سيرة عبدالله الطريقي -وزير النفط السعودي ( 1960- 1962) -، ويرصد بدقة مواقف الطريقي الثقافية وخياراته السياسية، ويشير إلى علاقته بالمناخ الثقافي السائد في العالم العربي، وعلاقته بالتيار القومي الناصري، ورؤية بعض المثقفين السعوديين لتجربته. وعلى الرغم من أن الطريقي لم يكن مثقفاً -بالإطار الذي نناقشه- بل كان سياسياً إلا أنه يعكس مثالاً مهماً لقراءة علاقة المثقف بالسياسي في السعودية. ف عبدالله الطريقي كان شخصية متميزة منذ صغره، ولفت بنجابته انتباه المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود -رحمه الله-، وابتعث إلى مصر أولاً للدراسة الجامعية، ثم إلى الولايات المتحدة لدراسة الماجستير في علوم الأرض. كشاب متوقد وجاد عاد إلى بلده ليخدم في قطاع البترول، وليقدم إسهامات متميزة في تأسيس صناعة النفط السعودية، وليرتقي إلى مناصب قيادية عالية بفضل اجتهاده وتمكنه في مجال اختصاصه. لكن الطريقي كآخرين وقع ضحية لتجاذبات الثقافة والسياسية، وكجزء من جيل الخمسينات آمن الطريقي بالمشروع القومي العربي، وقادته رهاناته السياسية الخاطئة إلى قراءة سياسية مغلوطة. خرج الطريقي بمحض إرادته، وظل لسنوات مخلصاً لمواقفه العروبية الناصرية، ولموقفه المعارض للشراكة مع الدول الغربية. طموحاته في مجال تأميم صناعة النفط السعودية وتقنينها -كما يحلو للمثقفين السعوديين المعجبين به- كانت مبررة ومشروعة، ولكن آراءه -كما ينقل السيف في كتابه عن عبدالرحمن منيف - "سبقت عصره"، ولكن هل هذه هي الحقيقة؟ .. لا، فآراء الطريقي السياسية كانت خاطئة ليس لأنها سبقت عصره بل لأنها تجاوزت منطق عصره ولم تراع الظروف السياسية المحيطة بالبلد، وهي وإن كانت تتبدى وكأنها تسير في سياق مصلحة البلد، إلا أنها كانت تخطأ بشكل كبير حين تختصر مصالح البلد في العلاقة مع شركات النفط الأجنبية، وتتناسى حجم الأهمية التي جسدتها الشراكة مع قوى دولية كبرى. إن مشكلة الطريقي -كما هي مشكلة كثيرين من أبناء جيله والجيل الذي تلاه- هو أنه راهن على مشروع قومي طوبوي وهمش المشروع الوطني لصالحه، وأنه في سياق فكرة قومية شعبية تناسى حق المواطن العادي في الاختيار وهمش دوره إلا في حدود المطالبة بالحصة المادية لعائدات النفط، والذي كان يعتبره الطريقي في الأخير نفطاً لكل العرب وليس للسعوديين وحدهم. الأمر الآخر، هو إنني وبرغم إعجابي بنزاهة الطريقي، إلا أنني لم أجد فيما ضمه الأستاذ محمد السيف في كتابه من مقالات الطريقي أي طرح سياسي واقعي يتفهم طبيعة المجتمع السعودي، وتعقيدات العلاقة بين السياسي والمواطن، وهي في الحقيقة تلخص أفكارا وطروحات بعض أبناء جيله من المثقفين السعوديين الذين تأثروا بأطروحات الناصرية والمد القومي.
الطريقي -للتاريخ - كان شريفاً حتى في اختلافه، والسياسي في السعودية كان أكثر وعياً بأهمية الاعتناء حتى بأبنائه الذين اختلف معهم، ولذلك حينما قرر الطريقي العودة إلى السعودية في الثمانينات رحبت السعودية به، وبادر سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز إلى استقباله والترحيب به، وحين علم بعدم امتلاكه السكن اللائق برجل في مكانته تحدث إلى القيادة السعودية وتم تأمين التكريم اللائق بعودة أحد أبناء البلد إلى بلده. الأمثلة هنا كثيرة، وسمو الأمير سلمان يجسد أيضاً نموذجاً مميزاً لعلاقة السياسي بالمثقف، فهو نفسه على اطلاع ثقافي واسع ويتابع باهتمام الحراك الثقافي في البلد، وقد لخص رؤيته للعلاقة ما بين المثقف والسياسي في كلمة له الشهر الماضي أثناء ترؤسه لجمعية الشيخ حمد الجاسر الخيرية، حيث قال واصفاً طبيعة المجتمع السعودي وعلاقة السياسي بالمثقف: (هذه طبيعة مجتمعنا .. لا ننسى أبداً من أحسن ومن عمل وإن اختلفنا معه في الرأي ولكن لا ننسى إطلاقاً أن بلدنا بلد موحد وملتئم على بعضه وبلد يقدر رجاله ويقدر أعمالهم في ماضيهم وحاضرهم).
ربما هذا ما افتقده بعض المثقفين في السعودية، وهو أن العلاقة مهما بالغنا في تعقيد أوصافها هي في حقيقتها علاقة عائلية، فالمثقف هو ابن من أبناء البلد والاختلاف في الرأي بينه وبين السياسي أمر مشروع وضروري، ولكن ذلك لا يعني أن يظن المثقف أنه بالإمكان تجاوز طبيعة المجتمع وولائه لقيادته، فالمواطن العادي قبل غيره يدرك أن الحفاظ على هذه العلاقة أمر مصيري لمستقبل هذا البلد واستقراره، وتجارب الدول المجاورة التي غرقت في فضوى الاقتتال على الكرسي خير مثال.
في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - تشهد السعودية مجموعة إصلاحات كبيرة، ومن المؤكد أن المثقفين الذين كانوا يعتقدون أنهم يدركون إشكاليات البلد نهاية التسعينات، قد لا يكونون قادرين على استقصاء حجم الإصلاحات والتغييرات التي تسير فيها القيادة السعودية. وهنا يكون من الضروري أن يحفظ المثقفون السعوديون للملك عبدالله جهوده الشخصية في نشر ثقافة التسامح، وتدشين فضاء الحوار الوطني في البلد بين كافة التيارات الثقافية والدينية، ووقوفه بشكل حازم ضد التيارات الأصولية الإرهابية التي تهدد سلامة المجتمع. المرحلة الحالية تمثل فرصة لأن يعيد المثقفون السعوديون النظر في علاقتهم بالسياسي والسياسية، فالبلد ليست بحاجة إلى مثقفين مطبلين لما يقوله أو يفعله السياسي، كما أنها لا تستفيد من أي طرح غير واقعي، أو بيانات وعرائض سياسية تتجاوز واقع البلد الفعلي، وتراهن على مواقف أو مطالب مفتوحة لا يضبطها ضابط، ولا يحدها منطق معقول، فالإصلاح يأتي بشكل مدروس ومرحلي، ووفق رؤية مستقبلية تأخذ في حسبنها كافة الاعتبارات السياسية والاجتماعية.
مؤخراً، باتت هناك ظاهرة بين المثقفين مؤداها أن استقلالية المثقف السعودي لا تتم إلا في اجتنابه لكل ما يمت للسياسي بصلة، واعتبار أي مشاركة أو مساندة للسياسي في موقف مهم لمصلحة البلد خضوع وتبعية. هؤلاء يخطئون في فهم استقلالية المثقف، وهم في الحقيقة ليسوا مستقلين إذا هم اتبعوا ذلك، فبعض هؤلاء قد تصالح مع تيار الإسلام السياسي -على سبيل المثال- ودخل معهم في تنازلات لتوقيع عرائض أو تأييد مواقف سياسية أو مطالب داخلية وخارجية، وبالنهاية فقدوا استقلاليتهم دون أن يشعروا. اليوم، لا أحد يشكك في أهمية الإصلاح ولا ضرورة التغيير، [color="red"]ومهمة المثقف هي أن يبحث عن مساحات الاتفاق مع السياسي، وأن يجتهد في تحديد هوامش الاختلاف، وأن يستعيد ثقة السياسي بالوقوف معه فيما يتوجب الوقوف معه فيه. هكذا تبنى الثقة بين الطرفين، وإذا ما قدم المثقف مشروعاً يستحق الاهتمام فإن السياسي لن يتأخر، فهو لم يتأخر في السابق، ولكن خياراتنا ومواقفنا السياسية كمثقفين كانت قليلة الصواب. أما إذا كانت لدينا رسالة للسياسي، فإن هنالك جيلاً مثقفاً جديداً يؤمن بما يؤمن به السياسي ومعتز بمواقف البلد الداخلية والخارجية، ويرغب في صناعة علاقة إيجابية بين المثقف والسياسي .. تماماً كما كنا في البدء.
المرجع: [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]