أ. د.عبدالله بن إبراهيم اللحيدان لكل أمر طرفان ووسط، والسياحة لا تخرج عن هذا الإطار، فقد يظن البعض وجوبها، وقد يظن البعض خلاف ذلك، وطائفة وسط في ذلك، ترى جوازها أو استحبابها بضوابط وآداب، وجدير بالذكر هنا أن السفر قطعة من العذاب، وكيف لا يكون كذلك وفيه فراق الأحباب والأصحاب، إلا أن الإنسان لا يستغني عنه بحال؛ إذ هو جزء من حياة البشر، وبه يقضون مصالحهم ويتبادلون المنافع.
وقد فسر العلماء السياحة الواردة في القرآن الكريم بالسفر، قال السعدي رحمه الله عند قوله تعالى: {السَّائِحُونَ} (التوبة: 112) فسرت السياحة بالصوم، أو السياحة في طلب العلم، وفسرت بسياحة القلب في معرفة الله تعالى ومحبته والإنابة إليه على الدوام، والصحيح أن المراد بالسياحة السفر في القربات كالحج والعمرة، والجهاد وطلب العلم وصلة الأقارب ونحو ذلك" أهـ، ولذلك كان السفر عبادة يتقرب بها العبد إلى الله إن صح مقصوده، والأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. وفوائد السفر كثيرة، وقديما قال الشافعي رحمه الله:
تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفريج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد

وسأذكر فائدتين من فوائد السفر، ثم أعرج على دعاء السفر: الفائدة الأولى: أن السفر يتيح للمرء أن يستجم من التعب من العمل دينيا كان أو دنيويا، وإذا صح مقصود العبد في الاستجمام فإنه يثاب عليه، وقد يستأنس لذلك بحديث: "إن لنفسك عليك حقا"، وبحديث أبي طلحة رضي الله عنه وكان أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه "بيرحاء" وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب.. الحديث قال العلماء: فيه جواز دخول أهل الفضل الحوائط والبساتين، والاستظلال بظلها والأكل من ثمارها، والراحة والتنزه، وقد يكون ذلك مستحسناً يترتب عليه الأجر إذا قصد به إجمام النفس من تعب العبادة وتنشيطها في الطاعة.

الفائدة الثانية: أن من فوائد السفر، أن ندرك قيمة الأشياء التي نمتلكها في بيوتنا، فالمسافر تقل ملكيته للأشياء خارج بيته، فالأشياء التي يستخدمها يشترك معه الغير في استخدامها، أما في بيته فكل شيء ملكه، له الحرية المطلقة فيه، ولذلك فالمسافر إذا عاد إلى بيته بعد السفر، خصوصا الأسفار الطويلة، يشعر بأنه دخل إلى المأوى الحقيقي له، الذي تستريح به نفسه ويطمئن به قلبه، فيحمد الله تعالى على نعمه وآلائه عليه، ويكون سفره سببا في تجديد شكر نعمة الله عليه.
وإذا كان الإسلام قد أباح لنا السفر، فإنه شرع للمسافر الكثير من الآداب والأحكام، التي تزيد من نعيمه وسعادته في السفر، وتكون سببا في حفظه، وتأمل استحباب قول المسافر حين الركوب "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (أي مطيقين)، وإنا إلى ربنا لمنقلبون"، قال العلماء: في قوله "وإنا إلى ربنا لمنقلبون"، تذكير بالموت الذي قد ينشأ عن الركوب من تعثر الدابة وسقوطه عنها، فيحمله ذلك على الاستكانة لله سبحانه والتوبة عن سائر المخالفات، وهذا قبل أن تظهر وسائل النقل الحديثة، التي تحمل الأخطار أكثر من الدواب، فجدير بمن يركبها أن يستحضر ذلك، وأن يعلم أنه قد لا يرجع من سفره إلى أهله، وإن من يستحضر هذا المعنى في سفره حري به أن لا يقع فيما نُهي عنه. وفي العصر الحاضر يتأكد على المرء السعي إلى حفظ نفسه وأبنائه من غوائل السفر، لاسيما من يسافرون إلى الخارج، وأشير هنا إلى أن العلماء ـ قديما وحديثا ـ بينوا أحكام السفر للبلدان التي يدين أهلها بالكفر والشرك، وقيدوا ذلك بضوابط وشروط، ومدار ذلك على النية والغاية.

كما يتأكد هنا أن يستحضر الإنسان قول النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي اله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم" وهذا يدعوه إلى أن لا يشق على نفسه ويتكلف في سفره فوق ما يطيق، فيقترض ليسافر، ومراده من ذلك التفاخر عند الناس بسفره، والرياء والسمعة، فيشق على نفسه من أجل ذلك.
ويتفاوت الناس في كل شأن من شؤون حياتهم في الفقر والغنى في الصحة والمرض، وتختلف أوضاعهم الاجتماعية والثقافية، كما تختلف مفاهيمهم تجاه تحديد الأوليات في هذه الحياة.
وفي هذه الأيام ونحن نستقبل الإجازة الصيفية لابد أن ندرك أن الهدف الرئيس منها هو الاستجمام والراحة من عناء دراسي مضى، ولكل فرد وأسرة أن تحدد بنفسها كيفية قضاء الإجازة تبعا لأوضاعها وظروفها.
ومع بداية الإجازة يلقي كثير من الناس السؤال التقليدي المشهور: أين ستقضي الإجازة؟ ويقصد بذلك غالباً أين ستسافر خلال الإجازة، والأولى ترك هذا السؤال لعدة اعتبارات منها: أنه ليس يحتم على كل أحد أن يسافر، ومنها أن هذا السؤال قد يجر البعض إلى الكذب، وذلك هروبا من الحرج، ومنها: أن هذا السؤال يدفع الناس إلى تقليد بعضهم بعضا، ولو لم توجد لديهم الرغبة في السفر أو القدرة عليه، وقد يتكلف بعضهم السفر لا لحاجة وإنما ليقول أبناؤه أمام زملائهم "سافرنا إلى كذا وكذا" وقد يلقنهم الآباء ذلك تفاخرا ورياء.
وعودا على بدء، فإن النية أصل في السفر والسياحة، بل في كل أمر، ومن ليست له نية صحيحة وقصد سليم فليلزم بيته.

يتبع