عرض مشاركة واحدة
قديم 19-10-2007, 03:27   رقم المشاركة : 3 (permalink)
محمد الحمد
 
الصورة الرمزية محمد الحمد






محمد الحمد غير متواجد حالياً

محمد الحمد is on a distinguished road

رد: أمل دنقل ( لا تُصالح)

-4-


وفي الوصية الرابعة يعود الشاعر مرة أخرى لاستخدام صيغة السؤال ثلاث مرات، في هذا المقطع الذي وقع في سبعة عشر سطرًا، حيث يقول الشاعر:


كيف تخطو على جثة ابن أبيك ؟


وكيف تصير المليك .. .. ..


على أوجه البهجة المستعارة ؟


كيف تنظر في يد من صافحوك .. ..


فلا تبصر الدم .. .. ..


في كل كف .. .. ؟


إن هذه الأسئلة تفيد الاستنكار وتؤكد على استحالة أن يحدث مثل هذا، وبمثل هذه الكيفية، التي جاء ذكرها في الأسئلة؛ لذا نرى الشاعر يبدأ أسئلته الثلاثة بـ "كيف".


في هذه الوصية يلاحظ كثرة استخدام القافية، وكثرة تنوعها:


1- (الأمارة - المستعارة - شارة - الأمارة "مرة أخرى").


2- (أبيك - المليك - صافحوك).


3- (كل كف - من الخلف - ألف خلف).


4- (سيف - زيف).


5- (الشرف - الترف).


وكما لوحظ فإن النوع الأول من القافية كان أكثر انتشارًا وأكثر توزيعًا بين سطور هذه الوصية، حيث انتشرت هذه القافية في أواخر السطور (الثاني - الخامس - الحادي عشر - الثالث عشر).


-5-


في الوصية الخامسة - كما سبق أن أوضحنا - يستخدم الشاعر "لا تصالح" ثلاث مرات في السطر الأول - السطر السابع - السطر السادس عشر، في حين أن هذه الوصية تكونت من واحد وعشرين سطرًا.


وهو يستخدم الصيغة (ولو قال - ولو قيل) مرتين في هذا المقطع في قوله:


لا تصالح


ولو قال من مال عند الصدام


".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام .."


لا تصالح


ولو قيل ما قيل من كلمات السلام


إن الغائب يصبح حاضرًا في هذا الجزء من الوصية؛ لأننا سنعرف - أو أننا نعرف بالفعل - من هو الذي يمكن أن يقول ما بنا طاقة لامتشاق الحسام، ومن الذي يداعبنا بكلمات عن السلام أو بكلمات من السلام.


إن القافية في هذا الجزء تتراوح بين الميم الساكنة المسبوقة بألف المد والسين الساكنة، وذلك في قوله (الصدام - الحسام - السلام - الغرام - ينام - الطعام - الفطام) و (تتنفس - بخرس - المدنس - منكس - المقدس).


كما يلاحظ أن الشاعر يعود إلى استخدام صيغة التساؤل في هذه الوصية بالإضافة إلى صيغة الأمر، فعلى حين تجد أن الشاعر يستخدم التساؤل خمس مرات في قوله:


1- كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنس ؟


2- كيف تنظر في عيني امرأة أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها ؟


3- كيف تصبح فارسها في الغرام ؟


4- كيف ترجو غدًا .. لوليد ينام ؟


5- كيف تحلم أو تتغنى بمستقبل لغلام وهو يكبر بين يديك - بقلب منكس ؟


نجد أنه يستخدم النهي في: لا تقتسم، والأمر في: ارو (تكررت ثلاث مرات) خلافًا للنهي في: لا تصالح الذي تكرر ثلاث مرات أيضًا، أي أن الشاعر استخدم صيغة الأمر سبع مرات في هذه الوصية.


وربما يكون هذا الجزء هو أكثر الأجزاء استخدامًا لصيغة التساؤل وفعل الأمر معًا، إن التساؤلات السابقة التي تفيد الاستنكار والتعجب تفيد أيضًا معرفة الشاعر لخصوصية الشخصية التي يخاطبها، بل معرفة الخصائص النفسية، وهنا يلاحظ على هذه التساؤلات:


إن الشاعر يستخدم الصيغة التي تبدأ بـ "كيف" التي ربما تفيد التعجب، ولكن طرحها خمس مرات على هذا النحو يدل على أن الشاعر يريد الوصول إلى الكيفية التي يفكر بها هذا الآخر الذي يخاطبه أو يوجه إليه التساؤلات، إنه يريد أن يتخطى الطريقة التي يفكر بها الآخر نظريًّا إلى الطريقة العملية، عن طريق تكرار هذه الصيغة التي بدأت بـ "كيف"، وربما أنه يستنكر على هذا الآخر أن يفعل مثل هذه الأفعال، فإنه بطريقة غير مباشرة يقول لنا إنه عرف أو يعرف خصائص شخصيته، بل إنه في التساؤل:


كيف تنظر في عين امرأة


أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها ؟


يضع الآخر في مواجهة مع النفس، وتكون المواجهة عنيفة جدًا أو أعنف ما يكون؛ لأنه يطعنه في رجولته، ويطعنه فيما يتعارف عليه الرجل الشرقي من حمايته للضعيف، خاصة إذا كان هذا التساؤل على هذا النحو، إنه يأتي كصفعة قوية لعلَّ الآخر يفيق من غفوته ويعمل بنصيحة الشاعر في قوله "لا تصالح" التي هي سر كتابة هذه الوصايا، أيضًا يأتي التساؤل الثاني:


كيف تصبح فارسها في الغرام ؟؟؟


مؤكدًا على هذا المعنى.


وإذا كان الشاعر قد لجأ إلى ما أسميناه بالصورة الشعرية المستحيلة في قوله:


واغرس السيف في جبهة الصحراء


إلى أن يجيب العدم


وذلك في الوصية الثانية، فإنه يلجأ مرة أخرى إلى مثل هذه الصورة الشعرية المستحيلة في هذه الوصية الخامسة في قوله - في نهايتها:


واروِ قلبك بالدم .. ..


واروِ التراب المقدس .. ..


واروِ أسلافك الراقدين .. ..


إلى أن ترد عليك العظام !


وتكمن الاستحالة في هذه الصورة في السطر الأخير "إلى أن ترد عليك العظام"، وكما قلنا إنه من المستحيل أن يجيب العدم في الوصية الثانية، فإننا نؤكد أيضًا على استحالة أن ترد العظام، ومن هنا يظل الآخر عاكفًا على إرواء قلبه بالدم وعاكفًا على إرواء التراب المقدس من هذا الدم، وعاكفًا على إرواء الأسلاف الراقدين إلى أن ترد عليه العظام، أي إلى أن تحدث معجزة وترد العظام أو إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.


-6-


الوصية السادسة تتكون من خمسة وعشرين سطرًا، وهنا نلاحظ أن الشاعر يلجأ إلى الحكمة في قوله:


إنه الثأر


تبهت شعلته في الضلوع .. ..


إذا ما توالت عليه الفصول


وتأتي الحكمة من نفس بيئة القصيدة، ومن نفس البناء المعماري والبناء النفسي الذي اعتمدت عليه القصيدة كلها.


ويلاحظ أيضًا أن صيغ التساؤل التي تكررت في الوصايا السابقة تنعدم في هذه الوصية، وأن فعل الأمر الذي تعودنا على أن نراه في الوصايا السابقة ينخفض عدده ليصبح فعلاً واحدًا هو "خذ" في قوله:


فخذ - الآن - ما تستطيع


هذا خلافًا للفعل "لا تصالح" الذي تكرر مرتين في السطر الأول، والسطر التاسع عشر، ويلاحظ على هذا الجزء السادس أن الشاعر يلجأ إلى نوعين من القافية تراوحت بين اللام فالهاء الساكنة في قوله: (القبيلة - الجليلة - القليلة - حيلة - الذليلة)، وقافية الواو أو الياء فاللام الساكنة في قوله: (القبول - يطول - جيل - المستحيل - الفصول).


-7-


أما في الوصية السابعة فإن الشاعر يستخدم الفعل "لا تصالح" مرة واحدة فقط في السطر الأول من الوصية، وهنا يلجأ الشاعر مرة أخرى إلى أسلوب النصيحة في قوله:


لا تصالح، ولو حذَّرتك النجوم


ويلاحظ استخدامه لصورة من حياة الأقدمين في قراءاتهم للنجوم واستشارتهم للكهان، وهذه الوصية تتكون من 23 سطرًا، كما يلاحظ أيضًا على هذه الوصية أن عنصر الحكي أو القص واضح فيها، بالرغم من أنها بدأت بالفعل "لا تصالح":


لم يصح قاتلي انتبه


كان يمشي معي


ثم صافحني


ثم سار قليلاً


ولكنه في الغصون اختبأ


فجأة


ثقبتني قشعريرة بين ضلعين ..


واهتز قلبي كفقاعة - وانْفَثَأ !


وتحاملت حتى احتملت على ساعدي


فرأيت: ابن عمي الزنيم


واقفًا يتشفى بوجهٍ لئيم


لم يكن في يدي حربة


أو سلاح قديم


لم يكن غير غيظي الذي يشتكي الظمأ !


ويلاحظ في هذه الوصية أن الفعل الماضي نسبته قد ارتفعت كثيرًا؛ لأن هذا الفعل يتناسب مع عملية الحكي أو القص أو السرد، ومن هذه الأفعال الماضية التي لاحظنا وجودها (حذرتك – رمى – صافحني – سار –* اختبأ – ثقبتني – اهتز – انفثأ – تحاملت – احتملت – رأيت)، هذا بالإضافة إلى الصيغ أو التعبيرات المركبة التي تدل على الزمن الماضي مثل: (لم أمد – لم يصح – كان يمشي - لم أكن).


أما عن القافية فقد تراوحت بين استخدام الهمزة الساكنة مع فتح ما قبلها والتي تكررت ست مرات (النبأ - الخطأ - لم أطأ - اختبأ - انفثأ - الظمأ) واستخدام الياء أو الواو فالميم الساكنة، والتي تكررت أيضًا ست مرات في قوله: (النجوم - التخوم - الكروم - الزنيم - لئيم - قديم).


يتبع
..






رد مع اقتباس