موضوع الأخت حصة محمد آل الشيخ الذي نشرته صحيفة الوطن السعودية يثير الجراح ويكشف للكثيرين كم نحن بحاجة إلى إعادة النظر في الكثير من التشريعات واللوائح المتعلقة بوضع المرأة السعودية الأم والأخت والزوجة والجده. موضوع صريح ومباشر ومثير ومغلف بالحرص على هذه الأمة وترميم الأخطاء التي تناسينا وجودها وإعتدنا على ممارسة الحياة معها.
أترككم مع الموضوع.
نؤدلج المجتمع بقوانين ازدواجية تجاه الأم ونطالبه بالبر
يقول الغزالي: المأساة أننا ـ نحن المسلمين ـ مولعون بضم تقاليدنا وآرائنا إلى عقائد الإسلام لتكون دينا مع الدين.
(المعقولية) كقياس للمستحدث ـ خاصة فيما يتعلق بشؤون حياة الآخرين وحرياتهم ـ هو قياس مهم بتصالحه مع الزمان والمكان ومراعاة الأحوال. يتضح البعد عن المعقولية في قراءتنا للنصوص الدينية حينما يتعذر علينا القيام بأمر هام: هو فصل ما جاء به الإسلام عما جاء لأجله، فما جاء به يختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال تلازماً لحركية الإسلام المتمرحلة للصلاحية، وإثباتاً لمرونته، أما ما جاء من أجله فهو القيم: (العدل، والمساواة، والرحمة، والإنصاف).
فالإنسان عندما يسلك السلوك الفاضل، فإنما يتبع إملاء عقله، قبل أن يتبع تكليفاً مفروضاً عليه، مصداق ذلك يتضح بوضوح في الحديثين الشريفين (الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس) (استفت قلبك) فكلما كانت (الثقة) المعيار الأساسي للتعامل الإنساني، نجح المربون في تأصيل القيم الأخلاقية التي يودونها، يتمظهر ذلك في حراك الفرد الحر الفاعل متناغماً مع تلك القيم، بتمسكه بأخلاقه في أي مكان وزمان، وبنفس الصحة كلما كانت التربية بأساليب رغمية قمعية كلما فقدت صدقيتها وتأثيرها بانحسار أو ابتعاد سلطة المربي.
الحديث عن أسلوب مبتكر اتخذ كسلطة ذكورية على الأنثى باختلاف مراحلها العمرية لنجده يمضي بنفس الأسلوب منذ ولادتها لحين يتوفاها الله، بمسمى (تصريح السفر) وهو نظام يخص جوازات النساء لدينا تماشياً مع فرضية الخصوصية، عبارة عن كرت أصفر تعبأ بياناته في الجوازات يلحق بجواز الأنثى (هي أنثى بإطلاق لأنه لا توجد سن رشد تصل إليها كالرجل في بلدي) في نظرة تمايزية تنزع عنها المساواة في أدنى صورها. هذا الكرت يوقعه ولي الأمر كتصريح للمرأة بالسفر للموضح اسمها أعلاه (صيغة الكرت) لا يستثنى من الحكم سن معينة، ومهما كانت قرابة الولي أو المحرم فهو الهيئة القابلة للولاية ابتداء بالأب، فالزوج، فالأخ فالعم، فالخال...إلخ، سواء كانت تلك المولى عليها (زوجة أو أختاً أو بنتاً أو أماً أو جدة أو...) حتى تفارق الحياة قبل اضطرارها لإمارة منطقتها (لمن لا ولي ذكر لها) لتستلم الإذن بسفرها (أيضاً خصوصية تقييدية على المرأة).
الأب المفترض كونه شريكا، يتربع على سقف الولاية وحده ولا يطالب حتى بإثبات أهلية فالتجاوزات تمضي لمصلحته وترافقه أينما حل.
إذا طلق الأب الأم وأراد التعنت، استخدم سلطته بمنع ابنته من السفر مع والدتها وهذا يحدث كثيرا بلا أدنى محاولة تغيير، فسقطات القرار تقع على المرأة وتحقق ذاتاً أخرى للرجل.
والولي المتسامح يبقي الكرت ساري المفعول بسريان الجواز، وبعضهم يجعل توقيعه لسفرة واحدة فقط كونه يهوى الاستجداء المتكرر، تمريراً لرجولته المدعومة بقرارات تتماهى ونرجسيته، فإذا مات الأب، اختطفت الولاية من الأم (المدرسة) لتنقل ولاية أبنائها لعمهم أو خالهم وهلم جرا، بتعد صارخ على حق الأمومة في أهليتها لولاية أبنائها فتصبح الأم تحت رحمة الولي الجديد لأبنائها المعطى حقاً بلا وجه حق. لأن الجميع يحلم بالتعامل الإنساني بلا تمايز، فإنه ليستنكر ابتداع وسائل جديدة تنزع لحرمان أحد الأبوين من حقه، ليوهب لآخر، بحيث يسقط حق المرأة في حرية التنقل، والولاية الكاملة على أبنائها كالأب. جرت الأخلاقيات بأن تكون الأم هي الأولى بالبر، فكيف تختطف هذه التربية الإلهية بتجاوزات لا منطقية تجعل الابن يحرر السماح بالسفر لوالدته، بل قد يتعداها لمن ربت والدته؟!
وبما أن البر تقرير إلهي عادل فالمربية الأولى ورسائلها ووسائلها التربوية تبقى أدعى رسوخا من سواها، ولأن نزع حق الولاية من الأم على أولادها يأتي تعسفاً، يلجأ لعنصر المفاجأة في قلب المفاهيم ليحل دور الولاية المعكوسة عقلاً ومنطقاً لبلوغ الابن الحادية والعشرين لتسقط الولاية عنه، وينتقل بواسطتها لتفرض على أمه بأسلوب لا يعارض ـ سوى المسار السليم لحقوق التربية الموجبة للبر بالأم، تلك التي حملته ووضعته كرها، وبلغت المشقة معه صغيراً وكبيراً، بتبادل مواقع يختلط العقوق فيها بالبر، ليقدم الابن منتزعاً ولاية أمه تلك التي لا تبلغ الرشد أبداً.
لمن يريد الحق، يقول الحق تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) الآية بالمفهوم الأولي لها: يتبادل الرجل والمرأة ولاية بعضهم بعضا مشتركين، بمنهج رباني يقيم العدل والمساواة، في ولاية صغرى أو كبرى باختلاف المذاهب حولها، وإن كان رأي الفذ ابن حزم في ولاية المرأة مشرفاً، ونحن في القرن الواحد والعشرين مازلنا نجعل للذكر ولاية والدته، والمقياس المحلل لهذا التوجه مقياس الذكورة المبجل! فأين تطبيق حق الأم في الآية؟ حتى لمن اختصر ولايتها في بيتها، أليس ابنها يعيش ضمن تلك الحدود؟! مشكلتنا في قراءاتنا للنص القرآني: التناول السطحي والغشائي الحرفي المبتعد عن المعنى، ناهيك عن فهم المغزى، وهو ما شمل الآية السابقة، أما التغيير فيجب توجيهه للبنى الذهنية سواء ذهنية الرجال أو النساء، ومثل هذا التغيير وثيق الصلة بالأعراف والتقاليد والعادات التي يعزى إليها الكثير من أشكال الإجحاف التي تلحق المرأة... لذا يجب غربلة التراث لاختيار ما هو قاعدة صلبة (التراث العقلاني) واستلهام العناصر الإيجابية منه مع الاحتفاظ بالدين، والابتعاد عن الاستغراق السلبي في عوالم الماضي، بجعل العقل الحركي الواعي يتعامل بفلترة تراثية لاستئصال ما خالف المقاييس العقلية فضلاً عن المعايير الأخلاقية، خاصة ما يقزم دور المرأة أو يسقط الدونية عليها بزعم أنها ناقصة الأهلية.
يقول محمد أركون في كتابه: الفكر الإسلامي نقد واجتهاد: (كلما راحوا يؤدلجون المقدس التقليدي الموروث لأسباب سياسية تفاقم وضع المرأة وتدهورت مكانتها على المستويين الأثنوجرافي والإسلامي من التراث، وأصبح المرور إلى حالة الحداثة صعبا وشاقاً).
سأورد قصتين: الأولى ذكرتها موظفة الجوازات عن المشكلات التي تواجه بعض النساء: هي امرأة في العقد السابع لم يسمح لها بتجديد جوازها (تجديد) إلا بحضور وليها شخصياً ليوقع على الموافقة (الولي هو ابنها الذي يسكن في الشمال، وهي في الرياض) حاول الابن استجداء مرونة بإرسال موافقته عبر الفاكس فرفض طلبه، ليجشم عناء السفر معطلاً مصالحه ليوقع صك البراءة لوالدته، كيف نؤدلج المجتمع بقوانين ازدواجية تجاه الأم؟ ونطالبه بمراعاة البر؟
القصة الأخرى: لامرأة متزوجة تريد السفر لزوجها مع أخيها لأمريكا، وفي المطار منعت من السفر لأن الكرت الجوهري ليس بحوزتها، لتسافر وحدها بعد حضور الكرت (المبجل) لتحرم من مصاحبة أخيها؟! مثل هذا التعسف المبني على رؤية معقدة تجاه المرأة، هل يسمح لنا بسؤال تجاه تلك الأوضاع المفارقة للأدب مع مربية الذكور؟؟ كيف تدرج هذه التصرفات وتدمج بالدين افتراء على الله ورسوله عليه الصلاة والسلام؟ والتي كانت المرأة في وقته تسافر وتمارس حرية الحركة والتنقل بلا هذا الخوف المرضي منها؟ بل وتقود المعارك كمشاركة وقائدة، وكانت المرأة تجير الرجال، ويجري عليه السلام إجارتها بلا ورقة مختومة من ولي أمرها، وتستقبل الضيوف في غياب زوجها، بل كانت تستشار حتى في أمور الحكم، وإعلان الحروب، فمكانتها لا تنتقص بأنوثتها، لأنه عليه السلام يرشد للأخلاق التي أمر بإتمامها ولا يقيدها بملاحقة تعيق فهم علتها، بل يترك حرية الاتباع بطرقه ودرجته للإنسان بلا وسائل استقصائية، فلم يرد عنه توظيف مراقبي طرق يمنعون المرأة من التنقل والحركة ليلزمها لزوم ما لا يلزم، فالتوجيهات المتعلقة بالسلوك ترد مع هامش حرية، لتطبق بلا ملاحقة وتتبع؟!
تمرير التقاليد والأعراف البالية وتبريرها بمبررات شرعية تغطي تشوهاتها الذكورية المسماة تجملاً (التراث) واستحداث ـ بواسطتها ـ أنظمة مساهمة بممنوع ومحرم مسببة عوائق ذهنية حركية، يسقط عليها اسم الشرع، معللة لتجاوزات حقوقية لم يبتكر مثلها في التاريخ، هو ما أوقع قضية المرأة بين سندان الحداثة ومطرقة التقاليد.
تدرون ماذا يعيق استعادة المرأة لحقوقها المسلوبة؟ أنها تطلبها من أناس مؤدلجين مفترين على الدين، ولأنها ضيعت نقطة البدء: البحث عن حقوقها المدنية وإزالة المعوقات الثقافية المجتمعية للحصول عليها، والكشف التربوي ـ بتفعيل دور المراكز البحثية العلمية ـ عن التزمت المجافي لجوهر الدين المانع للإنسان من اختبار الفضيلة بنفسه وحفظها في الغيب، وإثبات أن الممنوعات والعوائق لا تولد سوى حاجز مادي لا يتولى نفساً ولا يتجه للروح ولا يعدل سلوكاً ولا يهدف لخلق.
هذا يجعلنا أمام تساؤل كبير: ما المضمر الثقافي لكرت التصريح بالسفر للمرأة؟ هل هو إثبات نقص أهلية؟ أم تحرير شهادة عفة ونزاهة يوقع من وليها المجبل (سؤال يحتاج لبحث أثنوجرافي). مقتطفات ذات علاقة.
1- التسجيل الإلكتروني لهاتف الجوازات يردد: لاستخراج تصريح بالسفر للقصر والنساء اضغط الرقم (القصر + واو العطف + النساء بإطلاق (استثناء القصر ذكوراً وإطلاق النساء، هناك مثل يقول: (إذا بليتم فاستتروا) فالهاتف له مستخدموه من غير أصحاب الخصوصية.
2- التوظيف اللغوي لدينا يساوي بين الإنسان (الأنثى) والممتلكات المادية (المباني، الأراضي) بتسمية واحدة لهذه الملكية: (صك).
3- يرمز اللون الأصفر في الصين للملكية، ربعنا أخذوا العلم منهم بحرفنة جاوزت المباشرية للرمزية!!
منقول
بقلم: حصة بنت محمد آل الشيخ - صحيفة الوطن السعودية -
الجمعة 20 ذو القعدة 1428هـ الموافق 30 نوفمبر 2007م العدد (2618)