جمال أحمد خاشقجي
حرّموا العمليات الانتحارية وإلا فستقتلنا جميعاً
يا لهول ما حصل، إن مقتل زعيمة المعارضة الباكستانية السيدة المرحومة بي نظير بوتو في عمل انتحاري، خبر كارثي بكل ما تعنيه الكلمة، ليس في حق باكستان رغم أن الذي حصل أمس مدمر لها، وإنما لأمتنا ومستقبلنا واستقرارنا.
يجب أن يهزنا هذا الخبر جميعا، عالم الدين قبل رجل السياسة، المعارض قبل رجل الدولة، فنحن جميعا أهداف سهلة لانتحاري غاضب جاهل، إنهم "الحشاشون" من جديد، هدفهم نشر الفوضى لكي يعيدوا"بناءنا" من جديد وفق صيغة من يحركهم، أما الانتحاريون فمجرد آلات، مغسولة أدمغتهم يطلقون بيننا مفجرين أجسادهم وأجسادنا ومعها ديننا وقيمنا.
سننشغل بسؤال لماذا بي نظير؟ ونبحث عن تأثير اغتيالها في مستقبل باكستان وما الذي سيفعله الرئيس مشرف؟ هل سيضعف؟ هل سيعيد الأحكام العرفية؟ كل ذلك لا يهم"حسن الصباح" في قلعته، زعيم الحشاشين الذين عاصروا صلاح الدين الأيوبي وعجز عن القضاء عليهم لشدة بأسهم وسريتهم واعتمادهم على أحداث جهال، يدخلهم في عالم وهمي، يعدهم بجنة ونعيم وكأن مفاتيحها في يده.
القصة مكررة، ولكننا نرفض الاعتراف بذلك، ونصر على البحث عن بعد سياسي أو تحول استراتيجي من وراء أفعال القاعدة. إنهم يريدون الفوضى ولا شيء غير الفوضى ولذلك قتلوا بي نظير، لأنها هدف سهل نسبيا، يسهل حشد الكراهية اللازمة للتكفير المبرر للعمل الانتحاري الذي استهدفها في عقل شاب أو امرأة جاهلة. إنها امرأة ناجحة متعلمة وهم يكرهون هذا النوع تحديدا من النساء، شيء غريب ينتابهم عندما يرون أو يسمعون بامرأة ناجحة متعلمة. إنها صريحة في رفضها للتطرف الديني واستخدامه وكل ما يؤدي إليه وبالتالي يستطيعون بناء جدلية تفضي إلى استباحة دمها.
يجب أن يهز هذا الخبر علماء الدين، ويتنادوا من باكستان إلى الرباط في مؤتمر جامع، غير حكومي، ويضعوا جانبا كل معارضة يعارضونها لحكومة، وكل تحفظ يتحفظونه على سياسة خارجية أو تربوية أو اجتماعية، ليضعوا الإسلام ومستقبله أمامهم والذي تتآكل منه لبنة مع كل عملية انتحارية.
إن الذي أرسل انتحاري بي نظير بوتو سيرسل يوما انتحاريا آخر لقتل صاحب الفضيلة أو سعادة المفكر والصحفي والكاتب، الأستاذ الجامعي، إننا وديننا ومستقبل أمتنا مرهونون بموقفنا من أخطر سلاح مضاء في يد القاعدة، إنه العمليات الانتحارية.
يستطيع الأمن أن يمنع عملية أو اثنتين، ولكنه لن يستطيع أن يضمن نجاحا دائما لمنع كل انتحاري هانت عليه نفسه وضيع دينه، السبيل الوحيد هو إعادة بناء الشق الذي صنعه بعض علمائنا يوم أفتوا بجواز هذه العمليات، مذكرا مرة أخرى بموقف الشيخين المرحومين ابن باز وابن عثيمين اللذين رفضا بإصرار إجازتها.
قبل أيام نشرنا في "الوطن" تقريرا عن الموقف المتردد لعلماء الدين الباكستانيين الذين حرموا العمليات الانتحارية في باكستان وأباحوها في أفغانستان والعراق.. إذن لعل الذي أرسل انتحاري بي نظير استعان بفتوى عالم من أفغانستان أو العراق!