عاشرا :
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) رواه ابن حبان ( 4177) والبيهقي 7/468 قال المناوي -رحمه الله تعالى- : " ولهذا كان على الغاية القصوى من حسن الخلق معهن وكان يداعبهن ويباسطهن ... ( وأنا خيركم لأهلي ) أي برا ونفعا لهم ديناً ودنيا أي فتابعوني ما آمركم بشيء إلا وأنا أفعله " ا.هـ فيض القدير 3/496
الحادي عشر :
عن جَابِرٍ -رضي الله عنه- قال : نهى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن الضَّرْبِ في الْوَجْهِ . رواه مسلم (2116 ) .
قال النَّوَوِيُّ -رحمه الله تعالى - : " وأما الضرب في الوجه فمنهي عنه في كل الحيوان المحترم من الآدمي والحمير والخيل والإبل والبغال والغنم وغيرها لكنه في الآدمي أشد لأنه مجمع المحاسن مع أنه لطيف لأنه يظهر فيه أثر الضرب وربما شانه وربما آذى بعض الحواس " ا.هـ شرح النووي على صحيح مسلم 14/97 وانظر : عمدة القاري 21/140 التيسر بشرح الجامع الصغير 2/470 نيل الأوطار 8/250عون المعبود 7/ 167 وعن معاوية بن الحكم السلمي - رضي الله عنه - قال : كَانَتْ لي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فإذا الذِّئبُ قد ذَهَبَ بِشَاةٍ من غَنَمِهَا وأنا رَجُلٌ من بني آدَمَ آسَفُ كما يَأْسَفُونَ لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَظَّمَ ذلك عَلَيَّ قلت : يا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُعْتِقُهَا قال : ( ائْتِنِي بها ) فَأَتَيْتُهُ بها فقال لها : ( أَيْنَ الله ) ؟ قالت : في السَّمَاءِ قال : ( من أنا ) ؟ قالت : أنت رسول اللَّهِ . قال : ( أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ) رواه مسلم ( 537)
الثاني عشر :
عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وكان بيده سواك فدعا وصيفة له أو لها حتى استبان الغضب في وجهه وخرجت أم سلمة إلى الحجرات فوجدت الوصيفة وهي تلعب ببهمة فقالت : ألا أراك تلعبين بهذه البهمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك فقالت : لا والذي بعثك بالحق ما سمعتك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لولا خشية القود لأوجعتك بهذا السواك ) رواه أحمد وأبو يعلى (6944) والبخاري في الأدب (184) قال المنذري : "أحمد بأسانيد أحدها جيد " ا.هـ الترغيب والترهيب 3/153 وقال الهيثمي : "وإسناده جيد عند أبي يعلى والطبراني " ا.هـ مجمع الزوائد 10/353
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَن ضرب سوطا ظلما اقتص منه يوم القيامة ) رواه البزار والطبراني في الأوسط (1445) وإسنادهما حسن . مجمع الزوائد 10/353
وبعد هذه الجولة في تلك الآيات والأحاديث المباركة وما هي إلا فيض من غيض يتبين معنى الآية ويظهر لنا ما يلي :
أولا :
وجوب معاشرة كل واحد من الزوجين الآخر بالمعروف .
ثانيا :
أن القوامة بيد الرجل ومما يدخل في القوامة تقويم سلوك الزوجة متى أساءت أو نشزت بترفعها عليه أو غلظتها معه أو معصيته بما يجب عليها له فيُقوِّمها بالنصح أولا وذلك بتذكيرها بحرمة النشوز ووجوب طاعتها له في غير معصية مع ذكر الأدلة على ذلك كحديث أبي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قال : قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( إذا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عليها لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حتى تُصْبِحَ ) رواه البخاري (3065) فإن لم يُجْدِ ذلك هجر فراشها أو الحديث معها في البيت ولا يتعدى ذلك خارج البيت لحديث حَكِيمِ بن مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عن أبيه - رضي الله عنه - قال : قلت : يا رَسُولَ اللَّهِ ما حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عليه ؟ قال : ( أَنْ تُطْعِمَهَا إذ طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إذا اكْتَسَيْتَ أو اكْتَسَبْتَ ولا تَضْرِبْ الْوَجْهَ ولا تُقَبِّحْ ولا تَهْجُرْ إلا في الْبَيْتِ ) رواه أحمد ( 20036) وأبو داود ( 2142) والنسائي في الكبرى ( 11431) وحسنه النووي في رياض الصالحين (277)
ومدة الهجر لا تزيد على ثلاثة أيام لحديث أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ) رواه البخاري ( 5718) ومسلم ( 2559) فإن لم ينفع ذلك معها جاز له ضربها ضربا غير مبرح بسواك أو بمنديل ملفوف لا بسوط ولا بعصى أو نحوه - والسواك كما لا يخفى دقيق وقصير طوله غالبا طول القلم – ( انظر : كشاف القناع 5/210 ) عن عطاء قال : قلت لابن عباس : ما الضرب غير المبرح ؟ قال : السواك وشبهه يضربها به . رواه ابن جرير 5/68 وانظر : الدر المنثور 2/523 ويحرم عليه ضرب الوجه والمقاتل ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ) ( النساء:34 ) قال ابن كثير - رحمه الله تعالى - : " وقوله تعالى ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا ) أي إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها مما أباحه الله له منها فلا سبيل له عليها بعد ذلك وليس له ضربها ولا هجرانها وقوله ( إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ) تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب فإن الله العلي الكبير وليهن وهو منتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن " ا.هـ تفسير ابن كثير 1/493 فإن تلف من الزوجة شيء بسبب الضرب ضمن ما وقع منه لتبين أنه إتلاف لا إصلاح .( شرح زبد ابن رسلان 1/259)
ثالثا :
يحرم على الزوج ضرب زوجته ظلما بلا سبب ولو كان الضرب يسيرا فالظلم ظلمات يوم القيامة قال ابن جرير - رحمه الله تعالى - : " إنه غير جائز لأحد ضرب أحد من الناس ولا أذاه إلا بالحق لقول الله تعالى ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) (الأحزاب:58) سواء كان المضروب امرأة وضاربها زوجها أو كان مملوكا أو مملوكة وضاربه مولاه أو كان صغيرا وضاربه والده أو وصي والده وصاه عليه " ا.هـ تهذيب الآثار مسند عمر بن الخطاب 1/418. وقال تعالى ( وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) ( البقرة:231) فقد نهى الرجل عن الإضرار بمطلقته فكيف بزوجته .
رابعا :
أن يقصد الزوج من ذلك تأديبها وتقويمها لا التشفي والانتقام منها .
خامسا :
أنه لا يحل له ضربها أكثر من عشر ضربات بحال من الأحوال لحديث أَبَي بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه - قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( لَا تَجْلِدُوا فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إلا في حَدٍّ من حُدُودِ اللَّهِ ) رواه البخاري ( 6458) ومسلم ( 1708) .
سادسا :
أن التأديب متى ما كان في الحدود المشروعة آتى أُكُله ولا يصح تسميته عنفا أسريا أما لو تجاوز الحدود الشرعية فهو محرم شرعا وسمِّه ما شئت بعد ذلك عنفا أسريا أو غير ذلك .
سابعا :
أن الترفع عن الضرب أفضل وأكمل إبقاء للمودة ( الفروع 5/258 المبدع 7/215 كشاف القناع 5/210 ) حتى مع وجود الداعي له لحال النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ما ضرب خادما ولا امرأة . قال شريح -رحمه الله تعالى- :
رأيت رجالا يضربون نساءهم فشلَّت يميني حين أضرب زينبا
وزينب شمس والنساء كواكب إذا طلعت لم تبق منهن كوكبا
( تاريخ دمشق 23/52 سير أعلام النبلاء 4/106 الطبقات الكبرى 6/143 )
ثامنا :
أنه لا يحل للرجل أن يضرب زوجته إن استدعى الأمر ذلك أمام أطفالها أو غيرهم لكون ذلك زيادة في التأديب لم يأذن بها الشارع وينتج عن ذلك أمور لا تحمد عقباها .
تاسعا :
أرى أنه لا يحل للرجل أن يضرب زوجته في حال الغضب ولو مع وجود ما يستدعي ضربها لكونه والحال هذه سيتجاوز الحد المأذون به .
فإن امتثل الزوج ذلك فإنه لا يسأل عن ضربه زوجته ويحمل عليه حديث عمر -رضي الله عنه - إن صح - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته ) رواه أبو داود ( 2147) والنسائي في الكبرى ( 9168) وابن ماجه ( 1986) وهو حديث ضعيف قال ابن المديني - رحمه الله تعالى - : " فإن إسناده مجهول رواه رجل من أهل الكوفة يقال له داود بن عبد الله الأودي لا أعلم أحدا روى عنه شيئا غير عبد الرحمن المسلي وهو عندي أبو وبرة المسلي " ا.هـ العلل لابن المديني 1/93 أما إذا تعسف الزوج وتجاوز حده في التأديب فإنه يقتص منه لزوجته بلا خلاف أعلمه .
ومع الأسف أن العنف الأسري ليس قاصرا على الزوج بل امتد ليصدر من الزوجة ضد زوجها وليس بالقليل فقد سمعت المحامي الكويتي خالد العبد الجليل يقول : إن دراسة في الكويت تثبت أن عشرين في المائة من الزوجات يضربن أزواجهن ضربا مبرحا !!
وهذا قليك من كثير وإلا فالموضوع بحاجة إلى تحرير وإيضاح وتفصيل ومناقشة الشبه التي يطرحها بعض المغرضين ولعل ما ذكرته يكون نواة لذلك .
وأخيرا :
يجب على المسلم التأدب مع كلام الله تعالى فلا يليق بمسلم أن يعترض على حكم من الأحكام التي أذن الله تعالى بها وهو الحكيم العليم بمثل هذه الشبه الباردة وبمثل هذا الكلام الذي يتكلم به كثير ممن لا خلاق لهم بل الواجب على كل مسلم ومسلمة التسليم المطلق لما جاء عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ) (الأحزاب:36) وقال تعالى ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65)
والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .