عندما كنت صغيرا كنت اقضي الاجازة في القرية عند جدي، نخرج صباحا لرعي الاغنام ونعود بعد الظهر.
كنت اجهد نفسي كثيرا لتوجيه الاغنام للمسار الذي أرغب أن تذهب إليه. القطيع (ان جازت تسميته كذلك) كان فوق العشرين رأس بقليل، وجدي كان يمشي امامي ويستحثني أن اتبعه ومعي القطيع.
مر اليوم الاول والثاني على نفس المنوال ... وفي اليوم الثالث أيقضني جدي لنذهب للرعي فقلت له أنني متعب ولا اريد الذهاب فقال لي: تعال معي واريك طريقة سهله تجعل الاغنام تتبعك. ثم أراني كيف أنني لو امسكت باحدى الاغنام وجررتها فباقي القطيع سيتبعني دون تردد!
فرحت كثيرا بالاسلوب الجديد الذي علمني اياه جدي واصبحت اتفنن في رعي الاغنام دون بذل اي جهد.
بعد تلك الاجازة لم امارس رعي الاغنام لأن جدي باعها جميعا وفضل البقاء في البيت لأنه لا يملك القدرة الجسدية على رعايتها.
في المدينة/وبعد تلك الاجازة/ كان معظم حديثي لاصدقائي عن الاغنام وكيفية العناية بها. كنت افاخر كثيرا بأنني املك معلومات عن الاغنام لا يملكها غيري.
اشتهرت في المدرسة بين اصدقائي انني خبير الاغنام! حتى ان اثنين من الطلاب في الصف الرابع احتكموا عندي وانا في الصف الثالث حول اي الاغنام افضل؟ الحري ام النجدي؟

مرت الايام وقبيل الاختبارات النهائية قررت ادارة المدرسة عمل رحلة برية للطلاب!
في الرحلة ارسلت ادارة المدرسة احد المدرسين ليشتري 3 خرفان (حرية) لأنني ابديت رأيي لمدير المدرسة في نوعية الخرفان ووافقني الطلاب فرضخ المدير لرأينا كنوع من ممارسة الديموقراطية معنا.
اتت الخرفان وحال وصولها ناداني زملائي لاتفقدها، ففعلت بمهارة شديدة وابديت مزاياها وعيوبها.
وأتت اللحظة الحاسمة التي لم أتوقعها بتاتا او بالاصح لم اتوقع تأثيرها علي!! انها لحظة الذبح!!

حال ألقي اول خروف في الارض ومرت السكين على نحره وتدفقت الدماء من رقبته لم أدري بنفسي الا وانا تحت احدى الاشجار والمدرسين متجمعين حولي يرشون الماء على وجهي وكثير منهم يردد (بسم الله عليك لا تخاف يا بابا)

*
*
*
في العمل تم تعيين مهندس حاصل على بكالريوس من احدى الجامعات البريطانية رئيسا علينا
حضر اول يوم وهو يلبس الثوب والشماغ والجزمة وبدأ يستمع الينا والى مطالبنا
كنا اذا دخلنا عليه المكتب يقف احتراما لنا ... واذا اتى الينا في مكاتبنا لطلب امر ما يخص العمل يبدأ بقوله : معليش بتعبك معيا يا فاضل بس ممكن تعمل الورقة هذه ؟؟
بعد مرور شهرين اتانا الرئيس الاكبر واجتمع بنا وطلب منا آرائنا في المهندس الجديد؟
كلنا قلنا بصوت واحد : انه اكثر من رائع !!
سألنا : هل هو جيد في عمله ؟
اجبنا : كلمة جيد قليله في حقه !!
سعد الرئيس الكبير برأينا وغادر
في اليوم التالي اجتمع فينا المهندس في قاعة الاجتماعات
حال دخولنا القاعة رأينا صحون المعجنات على الطاولة والكراسي المرصوصة وامام كل كرسي اجندة الاجتماع
جلسنا ونحن نشعر بفخر كبير! ومعظمنا عينه على صحن المعجنات لا الاجندة!ّ
عرض المهندس الاجندة على الشاشة الكبيرة امامنا وكانت اول جملة مكتوبة بالانجليزية كالتالي:
This shit focuses on ... etc
هو بالطبع كان يقصد كلمة
sheet
اي ورقة .. ولكن ربما كان خطأ املائي غير مقصود
بدأ المهندس حديثه بالانجليزية والمصيبة انه كان يقرأ الكلمة
shit
وليس
sheet
وتكررت الاخطاء الاملائية واللفظية طول الاجتماع مما اعطانا قناعة اكيدة ان هذا الرجل يستحيل ان يكون قد قضى استة اشهر في بريطانيا فما بالك بأربع سنوات!!
بعد انتهاء الاجتماع كنت اول الخارجين من القاعة وتبعني زميل لي
التفت اليه وقلت له : هي الهندسة حقته في ايه؟
قال لي : في الميكانيكا على ما اضن؟
قلت : يعني مش في رعي الأغنام؟
تمت