| موضي ...حلم يموت تحت الأقدام (تابع) 00 أخذت أقلب الأفكار فيما أفعله ، لأخرج من هذا المأزق الذي وقعت فيه 0 الواقع المزري لحي الأمل كان حاضراً ، وأنا أبحث عن حل يتجاوز 00 أن (أتخلص) أنا ، من (ورطة) موضي 00 كنت أريد حلا لها هي ، حتى لا تعود لنفس الطريق 0 من السهل أن (أرميها) ، كما تقول ، قرب مدرستهـا ، لتذهب لبيت أهلها ، وسوف تجد إجابة تقنع بها أمها ، عن سبب تمزق (مريولها) 0 أشعر أني غير قادر على الخروج بشيء ذي بال 00 في موضوعها 0 هل يملك (رجال الهيئة) حلا يعطي التجاوز فرصة ، ويوفر علاجاً جذرياً 00 لو أني لجأت إليهم 00؟
ماذا لو اتصلت عليهم لطلب الاستشارة فقط 00؟ مرت دقيقة أو أكثر ، والأفكار تطوح بي يميناً وشمالاً ، قبل أن يقطع تفكيري صوت بكائها0 توهمت في البداية أنها سمعتني ، وأنا أحدث نفسي حول الاتصال بالهيئة 0 التفت إليها ، كانت قد وضعت وجهها بين كفيها وتنتحب 000 - ما بك يا موضي 00؟ قالت بصوت يقطعه البكاء 00 كيف أشكرك 00 (وش لون) أشكرك 00؟
لم يكن بكاؤها عن سبب ، كانت تفرغ شحنة عاطفية مكبوتة 00 منذ الصباح ، وهي تراكم هماً 00 وخوفاً 00 وإحباطاً 00 وعجزاً 00 وقلقاً 00 وتنتظر أملاً 00 حين اقتربت من مقر عملي ، قلت لها : موضي 00 سأنزل هنا 00 لدي أمور سأنجزها 00 قد يحتاج ذلك ساعة أو أقل 0 سأقف هنا 00 المكان آمن 00 سأترك مكيف السيارة مفتوحاً 0 أبقي الأبواب والزجاج مغلقة 00 لا تفتحي لأي إنسان ، مهما كانت الأسباب 00 ولا تغادري السيارة أبداً 0 سأترك جوالي معك 00 اتصلي على هذا الرقم عند أي طارئ 00 ولا تردي على أي اتصال 0
كنت أهم بالنزول ، عندما قالت : خذ الجوال 00 أنا لا أعرف كيف استخدم الجوال 00 هذه أول مرة في حياتي 00 أرى فيها جوالاً 000 توقفت للحظة ، قبل أن آخذ منها الجوال ، الذي بقي في يدها الممدودة 00 وشعرت بمثل حد السكين يحز في أعماقي 00 وتداعت إلى ذهني قصة (ولد البسام) 00
والصدى يجلجل في تلك المساحات الفارغة ، في قطعة اللحم التي تدعي مجازا (قلباً) : "هذه 00 أول مرة 00 في حياتي 00 أرى فيها 00 جوالاً 000" 00 يا لبلادة المترفين 000 التقطت منها الجوال ، والمرارة 00 والشعور بالإحباط 00 وغياب (الإنسان) ، ترغم شفتي على الانفراج ، لتصنعا شيئا يسمونه (ابتسامة) 000 ليه تضحك 00 ألا تصدقني 00؟
أصدقك 00 والله يا عمري 00 أجل ليه تضحك 00؟ أضحـك على الإنســان البليد في داخلي 00 الرقم 00 العينة المسحية في أبحاث السوق 00 ما فهمت 000 تفهمين بعدين 000 أغلقت الباب ومضيت 0 حينما سرت بضع خطوات سمعت نقراً على الزجاج 00 التفت ، كانت تلوح بيدها 00 تناديني 00 رجعت ، ولما فتحت الباب ، قالت : - أبغى أطلب منك طلب 00 لكني خجلانة 00 تفضلي 000 أنا جايعة 00 من أمس الظهر 00 والله ما ذقت شئ 00 أصل أمس 000 خلص الزيت ، وما قدرت أمي تطبخ 00 وحنا 00 بعد 00 يعنى 000 لم تستطع أن تكمل عبارتها ، ولم تقدران تفصح عما كانت تريد قوله 00 كانت تفرك كفيها ببعضهما ، مطأطئة رأسها 00
حرت في مكاني لبضع ثواني 00 ها هو الإنسان البليد في داخلي ، يتلقى صفعة ثانية 00 جائعة 00 وأنا رائحة الشواء ، الذي أتخمت منه البارحة ، حتى لم يبق مكانا لنسمـة هواء 00 ما زالت خياشيمي 00 هناك شئ نفعله حينما يبلغ بنا الشعور بالمرارة والمهانة أقصاه 000 نبصق على شئ 00 صورة المسئول في الجريدة 00 مثلاً 00 أو على الأرض بجانبنا 00 وهو أقصى احتجاج نقدر عليه 00 كنت أريد أن أبصق على خيالي ، الذي يعكسه الزجاج 00 على (شكل) الإنسان الذي أدعي أنه موجود لدي 00 كنت أهم بأن أفعل ذلك ، لكني خشيت أن تفهم أنها هي المقصودة 00 رفعت رأسها ، وأنا مازلت واقفاً 0
كانت عيناها تلمعان من خلف غطاء وجهها 0 قالت ، وهي ما تزال تفرك كفيها ، لكن بوتيرة أقل : الظاهر أن طلبي ما كان في محله 000 أو (شكلي) أحرجتك 00 لا 00 أبداً 00 نمشي الآن 000 كنت على وشك أن أغلق الباب حين لمحت بقعة دم على ثوبها ، قريبا من موضع الركبة 0 انقبض قلبي بشدة ، وداهمني خاطر سيئ00 وشعور بالغضب ، لم أستطع أن أواريه ، فقلت لها بلهجة جافة 00 لا تخلو من اتهام : موضي 00 من وين الدم هذا 00؟ انجرحت ركبتي 00
يوم طحت من السيارة 00 عيناها مازالتا تلمعان من خلف الغطاء 00 معلقتان بوجهي ، الذي ارتسمت عليه علامة استفهام كبيرة 00 أحست أن إجابتها لم تقنعني ، وأني لم أصدق كلامها ، فأزاحت عباءتها ، ورفعت ثوبها عن موضع الإصابة ، دون أن تتكلم ، أو ترفع رأسها 0 كان جرحا سطحياً ، تيبس الدم حوله 0 ليس عميقا ، لكنه بدا ، بلونه الداكن ، وتشققاته ، التي أبرزها إهابها الأبيض الرقيق ، مثيرا للألم والشفقة 0 أغلقت الباب ، وركبت من الناحية الأخرى 0 كانت ما تزال مطأطئة رأسها 00
أعرف أني جرحت كرامتها 00 كثيرا ما نوقع أذى بهذا الحجم وأكثر ، بالآخرين 00 وكثيرا ما يكون ذلك بدافع من الـشعور بـ (طهرانية) مبالغ فيها لذواتنا 00 والشعور بـ (دنس) الآخر ، وقابليته بحجر 000" 00 وأحيانـا نمارس الأذى ، ونوقعه بقسوة 00 لا تعطي فرصة للتجاوز 00 على من نحب 00 بدعوى الحب 00 كيف يؤذي من يحب 000؟ حاولـت أن أغير الموضوع ، وألطف الموقف ، بسؤالها عن ماذا تريد أن تأكل ، لكنها لم ترد0 فكرت أن أشتري لها سندويتشات وعصير ، لكني لا أعرف محلاً قريباً ، يقدم هذا النوع من الفطائر ، وعملية البحث ستأخذ مني وقتاً 0 اتجهت إلى مطعم قريب ، يقدم وجبات سريعة
في الطريق إليه لمحت صيدلية 00 نزلت واشتريت شاشاً ومعقماً ولاصقاًَ 0 وصلنا المطعم 00 قلت لها : انزلي 000 إلى أين 00؟ إلى المطعم 00 لتفطري 000
نزلنا وفي قسم العائلات ، أخذنا إحدى المقصورات 0 كانت تتلفت 00 واضح أنها تدخل مطعماً لأول مرة 00 قالت ببراءة : آكل قدام الناس 000 ما يشوفوني الرجال 00؟ لا 00 أنت لوحدك هنا 00
تيقنت أنها بريئة 00 ولم تتمرس على الانحراف 00 تستحي أن يراها الرجال كاشفة وجهها وهي تأكل 00 الحياء لا يتكلف ، ولا يصطنع 00 التظاهر في مثل هذه المواقف ، بغير الحقيقة ، يتطلب درجة عالية من الخبث ، والتمرس على المكر 00
لا يمكن أن تتقنه طفلة في هذا السن 00 وأوجعني قلبي مرة أخرى 00 أن ظننت بها ظن السوء 00
طلبت لها أكلاً ، وسألتها إن كانت تريد عصيراً بعينه ، قالت : أبغي (كوتيل) 00 تقصدين (كوكتيل) 000؟ ما أدري 00 أسمع البنات يقولون ، عصير (الكوتيل) حلو 000 مرة أخرى يبرح بي الألم 00 تبدو لغة المحرومين 00 ساذجة 00 بريئة ، لكنها تدمي القلب 0
يحق لك أن تزهو 00 ابن الطبقة الوسطى ، أو فوقها بقليل 00 تعرف الكوكتيل 00 والسكالوب 00 والستيك 00 ها أنت أمام كائن يشاركك نفس الكوكب 00ونفس الوطن 00 بل على الطرف الثاني من المدينة 00 ربما لم يعرف سائلا غير الماء في حياته 00 أو معلبات الكولا ، التي تعمل عمل (الأسيد) في قنوات جهازه الهضمي 0 إنه (البرجوازي) البشع 00 يتربع في داخلك 00 كتمثـال من البرونز 00 منصوب في ميدان ، في عاصمة (رأسمالية) 00 يأتيه العمال ، والمهاجـرون المغتربون 00 المسحوقون 00 يتمسحون فيه 00 ويطوفون حوله 00 يلتقطون الصور التذكارية 00 ويصطنعون عنده (لقطات فرح) 00 انتزعوها من بقايا آدمية مطحونة 00 في قيعان المناجم 00 أو بين هدير آلات المصانع 00 يتفصدون دماً 00 وعرقاً ، يصنع منه طلاء 00 يحفظك من الصدأ 00 ويبقيك لامعا 00 متوهجا 00 ليؤموك مرة ، تلو أخرى 00 صرت (ربا) صنما 00 حولك 00 (يولد) فرح المسحوقين 00 ومن عصارة أجسادهم تبقي لامعاً 00 لتسعدهم 00 أي فخر أعظم من هذا 000؟
جاء الأكل ، واستلمته من العامل ، ووضعته على الطاولة 00 وقلت لها : أفطري 00 بعد عشر دقائق أرجع لك 00 وين تروح 00؟ أتركك 00 تأخذين راحتك 00
لا 00 لا تتركني 00 أنا راحتي معك 00 انتفض قلبي لعبارتها 00 تملكني براءة الأنقياء 00 وصدق المشاعر 00 تذكرت الشاش والمعقم الذي اشتريته ، فأخبرتها أني سأذهب لإحضار بعض الأغراض من السيارة 0 كنت أريد أن أدعها لوحدها ، حتى تنتهي من إفطارها ، ولأحضر تلك الأغراض لتطهير جرحها 00 رغم أني تعمدت التأخير ، إلا أنني حينما عدت .
كانت ما تزال في بداية وجبتها 0 شعرت بحرج ، لكنها نظرت إلى بعينين ساكنتين ، وقالت : خفت 00 لما تأخرت علي 00 جلست أرقبها تتناول الطعام 0 تتصرف بهدوء وعفوية ، دون إحساس بالمكان حولها 00 كانت جائعة فعلاً 000 طريقة التهامها للطعام 00 تلقائيتها في التصرف 00
حينما نزعت غطاء وجهها ، الذي كان يتدلى على كتفيها ، ووضعته على الكرسي بجانبها 00 تنقلها بين صنف وآخر من الطعام بدون أي (إتيكيت) 00 كأنما تتذوق (العالم) لأول مرة 00 بل هي كذلك 00 إنها الدهشة التي تصيبنا ، حينما نصادف الأشياء للمرة الأولى ، فنتصرف مثل الأطفال 000 "أوووه أيها المترف" 00 يلج نداء في داخلي 00
"أصبحت تعلم المحرومين الإتيكيت" 00 أصبحت أنت (الأستاذ) 00 وغيرك حولتهم الدهشة إلى أطفال 00 لم لا تفهم 00؟ إنه الجوع ، والحرمان 00 والبراءة التي ما تلوثت 00 شعرت بفيض من الحب يغمر قلبي تجاهها 00 براءتها 00 عفويتها 00 تلقائيتها 00 والشعور بالأمان الذي هبط عليها ، وهي معي 00 فنسيت العالم من حولها 0 حينما يسكن إنسان إليك ، تعتريك حالة من الاستسلام 00 والحب اللانهائي
00
تأمل حينما يدفن طفل رأسه في حجرك 00 ويغفو 00 تنتابك حال من الاستسلام غريبة 00 وتحس أن قلبك تحول إلى مهد له 00 لوحده 00 وتتمنى لو توقف العالم كله من حولك 00 بساعاته 00 وسياراته 00 وضجيجه كله 00 لكي لا يصحو 00هكذا كان شعوري نحوها 00 وأنا أنظر إليها 00 تحيلني سكينتها 00 واطمئنانها إلى 00 إلى (إنسان) 00 قال عنه عبد الكريم يوماً ، إنه غير موجود 00 وددت لو أخذتها إلي 00 وضممت رأسها إلى صدري 00 ليذوب الجليد 00 لأبكي 00 لأستعيد إنسانيتي المهدرة 00
أليس شيئا هائلاً أن تجد إنسانا يسكن إليك 00 و 00 تسكن إليه 00 ؟ تذكرت صاحب السيارة الذي قذفها ، فتداعى إلى ذهني مخزون هائل من اللعنات 000 أي نفس سويه يسوغ لها أن تفتك ببراءة مثل هذه 00؟ أي توحش قادر على أن يغرس خنجر الغدر في هذا الطهر الفطري 000؟ كنت ساهماً 00 أهلوس بمثل هذه الأفكار 00 وأتذكر كثيرات 00 فتك بطهرهن 00 بسبب مثل هذه البراءة ، والعفوية 00 جالساً قبالتها 00 شاخصاً 00 صامتاً ، حين قالت ، وهي ترفع خصلة شعر سقطت على وجهها : كثر الله خيرك 00
دبت الحياة في محياها ، بعد الجوع والعطش ، كما نبت الحياء في أرض مجدبة 00 غمرها الغيث 00 وجهها عاد أكثر بشاشة 00 جبينها العريض صار أكثر ضياء 00 عيناها ، كأنما أوقدت فيهما قناديل فـرح 00 امتد وهجها إلى ثناياها ، فازدادت تألقاً 00 لتصنع لها ابتسامة آسرة 00 كلما افتر ثغرها 00 عندما أنهت ترتيب عباءتها ، وشرعت تضع غطاء رأسها ، ووجهها في مكانه ، قلت لها : لابد أن أعقم الجرح ، حتى لا يلتهب 000 هزت رأسها موافقة 0 رفعت ثوبها إلى حدود الجزء الممزق ، ليظهر الجرح ، ولأتمكن من تنظيفه 0
أخبرتها أن المادة المعقمة تحتوي على مادة قلوية ، وستشعر نتيجة لذلك بألم ، وعليها أن تتحمل 0
كنت قد أنهيت تنظيف الجرح ، ووضعت الشاش واللاصق عليه ، وأتهيأ للنهوض ، حين شعـرت بكفيها تطبقان على جانبي رأسي ، وتأخذه إليها ، ثم تنحني وتطبع قبلة على جبيني ، وتقول : يا ليتك (أخوي) 000 يا ليتك 000 وسكتت 00 رفعت رأسي ، ونظرت إلى وجهها 00 كان ينطق بكل اللغات 00 إلا لغة الجسد 00 لقد تلاشي الجسد ، كوسيلة تعبير بيننا 00 ولم يكن هناك إلا أنا 00 ودوائر من النور 00 تلمع في مساحات وجههـا 00 الـذي غدا أمامي كمحراب هائل 00 طفقت أردد فيه الصلوات 00 اعتبريني أخاً لك 000 قلتها وأنا أنهض ، وهي تتبعني بنظراتها 00 وتغالب دمعتين 00 عقربا الساعة في سباق ، الصغير يؤشر على الرقم 11 ، والكبير التحم بالرقم 2 00 لا أدري أيهما سبق 0 لم يعد لتقسيم الفراغات في تلك الدائرة التي يسمونها (ساعة) ، أي معنى لدي 000 في لغة الوقت ، التي اخترعوها ، الساعة الآن هي الحادية عشرة وعشر دقائق 00
يتبع
آخر تعديل راعي الهوى يوم 16-07-2003 في 03:55. |