لعل الكثيرين يعرفون حكاية بائعة الرمان مع الحجاج بن يوسف الثقفي , الحكاية التي تعد تشريعاً إنسانياً يجوّز الإصابة بالسيدا ( الإيدز ) من أجل خدمة المجموع المتضور جوعاً في ظل الوضع العربي المقلوب, و الحاجة الممضة التي دفعت القافلة للنباح على كلاب المواكب الضخمة .... !
يقول ابن خلدون في المقدمة ( ... فتلجأ الأمم المقهورة ُ إلى تقليد الأمم المنتصرة عليها في كل شيئ ) و هو بهذا الرأي يشير إلى حديث المصطفى ( لتتبعن سنن من كان قبلكم ...) حيث تنخلع الأوباش عن جذورها لترتدي مسوح غيرها في محاولةٍ قميئة لاختصارالفجوات الحضارية بشيئٍ من المحاكاة تماماً كما تفعل القردة و البابونات !
ما نشهده في جميع أصعدتنا الشبابية و منتدياتنا الثقافية و الأدبية و مباغينا المعرفية من سعارٍ على اقتفاء أثر هذا الناعق أو تلك المتميعة يصيب الحليم بالحيرة و يخلق في مدى البصر ثآليل َ توهن كاهل المصلحين ...
في كل إصباحٍ أذهب فيه إلى مركز خاصٍ لتلقي بعض التدريبات العملية و النظرية في أمراض الباطنة أصادف في مروري مركزاً تجارياً ضخماً بالقرب من مركز التدريب إياه , أصدقكم القول أني يُسقط في يدي عندما أبصر شاشات العرض الكبيرة و هي تعرض ( فلاناً) و قد اصطفت بجواره طوابير الراقصات من رخاص النساء و من اللائي نثرن حياءهن بحفنةٍ من ( الرمان) و الشاي المقطر بعد أن يؤتى بهن ّ زرافاتِ و وحدانا من دهاليز فنادق الخنا , و مراقص حفلات الشيكولاته و مواخير التربيات الفنية ! فيبعنَ أخلاقهن مقابل كساء يرتدينه أمام شاشات العرض الكبرى التي ترفض أن تعرض حقيقةً ( أو ربع حقيقة) لتعلم النشأ المغيب الوعي نزاً يسيراً عن حقائق أمته الكبرى و قصة الخراب ! ... تظهر هذه التماثيل العارية و لا هم ّ لهن إلا ( بطالة جنسية مقنعة ) ليهززن بجذع نخيل الركبان , و يقطرنَ شبقهن و يثرن الشيوخ المسنة قبل الشباب السادر في متلازمات العته الثقافي و التبلد الذهني ... و الانفلات من كل قيد تحت دواعي التمدن !
( نصب الزيت على النار ) لا تصلح هذه التوصيفة لقياس الموقف بما يستحقه من ترخيم و اثخان , لأننا نفعل أكثر من صب الزيت على النار حيث نقوم بدور بكتيريا التعفن في تفتيت البقية الباقية من جسدنا المتهالك على آرائك الوجع و نحلل أسقامنا تحللاً ذاتياً حتى تختفي عن المدى المنظور كل ثمالات العفة و الطهر و بقية مما ترك آل ( النبوة ) !
( نانسي عجرم ) المثال الأكثر بروزاً في حوانيت خزينا العربي , ظهرت فجأةً لتأخذ دور الريادة كما يفعل ثوار( البيت الحرام) و لتتهافت على سيقانها العارية كل المراحيض التي تدعى ( فضائيات ) فأصبحت بقدرة ( قادر) الوجبة السريعة لمحبي التثقيف الغربي , و الوجبة الملازمة لساعات العمل للكسالى و محاليل ( سالاين ) لكل الموعوكين و المشكوكين بلواعج اللهفة و الشوق من الذين ذابت خدودهم على حيطان صدود الحبيبات و من اللائي صهرتهن الدمعات الحرى كما تقول ( العجرومة ) : انت حبيبي اللي مدوبني !
قال لي زميل ٌ لي يعرف عني الكثير : يزن , استطعنا - أخيراً - أن ننافس أمريكا في واحدةٍ من أعرق خصوصياتها ؟ قلت : نعم ؟ قال : أنجبت أمريكا فرقة ( سبايس جيرلز ) فأنجب لبناننا الحبيب ( فور كاتس ) , بل استطعنا ان نحاكيهم - بمفهوم الغلبة و الابتداء من حيث انتهوا - في مسلسلنا العربي الجديد و الذي سيسفر ُ عن حجبه قريباً ليصعق الحلقات الأمريكية الإباحية في تتاليات ( باي شو ) ليبصر العالم أن الفخذ العربي حين يشمر عن بياضه لا يمكن لأحد إلا أن ينحني إجلالاً لتلألئه , و أن (السـُّـرة) الشرق- أوسطية هي من أعرق ( السرات ) في المفهوم الفني الحديث كما أثبتت ذلك الفضائيات التي ( تنقب ) عن مراكز خلودنا ( العضوي ) ما بين جديلةٍ تسافر ( في كل الدنيا ) منذ عهد ( حليم) إلى ( أخاصمك آه ) في العصر ( العجرومي) الثالث ... !!
أحياناً نسرف في التعبير عن نكستنا , و في لحظةِ فتور ذهني و إحساسٍ دفين بالضعة تطيش مفرداتنا فنقرأ الحقائق قراءة ً نكوسية فيذهب البعض ليكيل اللوم على ( الحاكم ) بينما يشير البعض إلى ( الخطاب الديني ) و البعض الآخر تسكره النشوة و تسِّــيل لعابه الخصورُ و السيقان و الليال الممردةِ من قوارير ... هنا تفلس كل أدبياتنا في إعادة تشكيل الواقع العربي المسلم وفق ثوابتنا العقدية و موروثنا الثقافي المتنور لأننا لم نقف على الداء الحقيقي بل أوجدنا سلّةَ تشخيصات تحمل في طياتها اتهاماً غير علمي لأنفسنا قادنا عن غير قصد إلى التراشق و المكايدات و افتعال المشاكل ضد أنفسنا لنزيد تحللنا الأخلاقي و الثقافي ضراوة ً ... و لم تعد شعف الجبال مأمنا يقينا الفتن ....
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ذو يزن الغفوري ...
4 /8 /2003
لحظة حزن ... و شعور بالنكسة !