سبأ السليم
من الغرائب التي نعيشها في صحافتنا المقروءة والمرئية، تلك التعليقات والآراء التي يدلي بها ويقترحها من هم أبعد ما يكونون عن حقل التعليم والمجتمع المدرسي من كتاب زوايا وأعمدة، حيث الحديث المجاني الانشائي الذي يقتات من المجالس والاشاعات، متناسين مقولة «ليس الخبر كالمعاينة».
والتعليم ممثلا بالمجتمع المدرسي خاصة، غابة من الثنائيات والتناقضات التي توحي بدلالات وخيوط توصلنا الى مكمن الخلل الذي يكثر فيه فيروس المرض الذي نعاني منه، فيقضي على كل ما هو حضاري مهما بذلت الجهود الجبارة والانفاق السخي، سيما عندما نلاحظ ان العربة واقفة وان الاعوام تتشابه ان لم تكن في اتجاهها الى الاسوأ!
الازمة التي يعيشها المجتمع العربي هي ازمة قيم، وبالتالي هي تلك القيم التي تمارس فتتغلغل في كل ممارسات الحياة العملية ومنها التعليمية. وهؤلاء الذين يقومون بتطبيق تلك القيم هم من ذلك المجتمع الذي يتفاعل فينتج تلك الشريحة من المعلمين والطلاب! وتستمر تلك الدائرة، الى ان تتبدل تلك المنظومة من القيم السائدة فيتشربها العقل الجمعي، فيبدأ المجتمع بالتغير تلقائيا حسبما يتلقاه من مقدمات.
وعندما نتأمل المسرح الصحفي الذي يعج بالكتابة عن التعليم نجد كلا يبكي على ليلاه: الطالب يشكو من معلمه والمعلم يشكو من المدير او الطالب والمدير يشكو من الجميع والمشرف بدوره يتذمر من دوره الروتيني. والحقيقة ان المجتمع المدرسي ـ في الغالب ـ يعاني من مشكلة الاحباط، النتيجة المنطقية لحالة التخلف الذي تعيشه المؤسسات التعليمية في انحاء العالم العربي والدوران في اسطوانة مشروخة.
ولذلك لا يمكن ان نتجاهل اي عنصر من عملية التعليم (المنهج، الطالب، المعلم، الاسرة، الاداري) فكل منها يساهم بدوره في اعداد الطالب وتهيئته، ذهنيا وفكريا للحياة. وعندما نلحظ تلك المقدمات التي يتلقاها الطالب فإنني أجد ـ ومن تجربة ومعايشة ـ ان البيت والمعلم هما العنصران اللذان يقومان بتكوين الجانب الاكبر في ذهن الطالب. ومع ذلك فإن البيت لا يعدو ان يكون فندقا يتناغم مع المدرسة بسيمفونية مضعضعة مترهلة ليس لها طعم او قيمة حقيقية، اما المعلم فهو اليتيم الذي يصرخ في واد من التذمر والهجاء والشعور المستمر بالاحباط والتهميش والتجاهل للجهود التي يبذلها ليبقي الجزء الثاني من يومه راحة يستمد منه عافيته وهدوءه ومع ذلك يقابل هذا التعب والكد بالفتور، بل بالانكار واحيانا بالذم والنظرة الدونية وانظروا كيف وبأي وجه يستقبل عندما يراجع ادارة التعليم!
ان المعلم قضية مركزية في المدرسة، بل في التعليم، فهو محرك للعقول ومقلب للمعلومات وصانع لها، وقريب من ذهن المتلقي، وبذلك هو ماكينة نشطة تحتاج الى صيانة وقبل ذلك هو انسان يحس ويعتز بدوره كمربٍ كما يعتز الطالب بذكراه العطرة.
ثم يترك تحت وصاية من هم ـ كما يرى ـ اقل منه دراية وخبرة، إما لوائـح بأن تهافتها وانتهت صلاحيتها او توجيهات «اجتهادية» يمارسها مشرفون لا يعدو دورهم كونه روتينا قائما على الملاحظات التي لا تخرج عن الطبيعة البشرية!
اما البحر اللجي الذي يتخبط فيه المعلم فهو ازمة الثقة التي يعيشها مع من حوله، حيث الهواجس المتبادلة مع المدير والمسافة المكهربة بينه وبين الطالب نتيجة كون المعلم سلطة لا يلبث الطالب يتفلت منها ما استطاع، ثم تتفاعل الاجواء بقيمها المتناقضة، فتبعث الروائح الكريهة وتبدأ الجروح بالتقيح متمثلة بالمصادمات التي تأخذ صورا شتى تنعكس بمعاملة خشنة مع الطلبة او مع المعلم او اداء مترهل، فيستمر التوتر طوال اليوم وتتشقق الامزجة المتوترة لتؤثر في الذهنية ويتداعى شريط الاحباط يوميا ان عند هذا او ذاك، فتضعف العزيمة ويبدأ الروتين اليومي يأخذ مجراه وتصبح العملية التعليمية تلقينا ومعلومات مملة ومكررة وتحصيل حاصل ويهرب المعلم منها بالتغني بأمثال اللامبالاة و«دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر».
وزير المعارف بدأ متحمسا وقد استوعب نظريات ضخمة للنهوض بالتعليم وقام بجهود لا تنكر في اعادة الاعتبار للمعلم ومع عظمة الجهود يسير التطور بطيئا، ان لم يكن جامدا لا يتحرك في زمن لا تنفع معه الا السرعة!
ولهذا لا يعذر اي مهموم بالمشروع النهضوي ـ الفكري ـ ان ينقل ما وصلت اليه مراكز البحث العلمي في الغرب من نظريات وآراء تسهم في دفع عجلة التنمية والتعليم والارتقاء بذهن الطالب بتقرير الفكر القائم على المنطق وحضور المنهج العقلاني في التعامل مع الحياة والحث على الفضيلة بالطرق المقنعة والغرض البراغماتي، اما ان تسقط تلك النظريات اسقاطا وبذلك الشكل الذي انتج لوحة متنافرة الالوان مشوهة بعيدة كل البعد عن التناسق المنطقي ـ هذا لا يمكن ان يبشر الا بتلك النوعية من الافراد المتناقضة في تفكيرها، فتفصل ما تعتقد عما تفعل. واضرب بذلك مثلا بقضية تكاد تكون مركزية في سيل التوجيهات التربوية وهي «الضرب» الذي يعد غيابه دلالة على الجانب الحضاري الراقي الذي تطبقه الوزارة ـ اي وزارة ـ مع ورود النص الشرعي ونظريات علم نفس، بل دشنه فيلسوف المانيا «كانط» الذي اصر على ان العقاب يعد اسلوبا تربويا ناجعا ومنه الضرب.
قرر الوزير منعه فجأة ـ وهذا المبدأ جيد بحد ذاته ـ لكن هذا القرار نقل من بيئة الى اخرى دون مراعاة لفوارق البيئة والتربية، حيث ممارسات الاسرة والشارع متباينة في الحياة اليومية وبالاخص فيما يتعلق بالطفل او المراهق، في هذه الحالة يبدأ «النسق المضمر» في الطالب بالتحرك ويصبح سيد الموقف والمعلم «الضعيف» يتملق الطالب كأحوالنا الاجتماعية ـ في الغالب ـ ترى القوي يعلو الضعيف ان في علاقة المرأة مع الرجل او الاخ مع اخته ومن هنا تكمن مشكلة غياب حس المشاركة وتقسيم المسؤولية وتوزيع المهام والتعاون وتكريس مفهوم «كل على ثغر»، لكنه النسق الاجتماعي الكاسح: سلطات متراكمة وكل سلطة تمارس الضغط على ما تحتها ليتم العمل كيفما اتفق وبذلك ينفصل الهدف المقصود وتصبح النتيجة من تلك المقدمات خداجا لا ينفع!
ان الحضارة نتاج التربية والتربية تبدأ مع تكوين الانسان قبل الولادة، بل قبل ذلك انها رعاية حياة ومناخات وتهيئة اجواء صحية للعلم واهمها الاجواء النفسية والجهد العضلي، لا يمكن ان يتعب العامل او الموظف، لكن الروتين والملل والتفاوت في توزيع المهام والطبقية في ادارة العمل، كل هذا سبب رئيس في الاحباط والسلبية والعجز.
اعطني اجواء صحية راقية اعطك معلما ناجحا. ومن المفارقات العجيبة ذلك اليوم الذي يطلق عليه «اليوم العالمي للمعلم» الذي لم يعلم به أحد من زملائنا، الا اثناء تلك الجلبة التي قامت بها ادارة المدرسة من قرقعة الميكروفونات لالقاء «محاضرة» عن هذا اليوم الحزين الذي استقبله المعلمون بالسخرية المرة والشعور بالقهر، مقولات تكرر كما في عيد الفصح وحكم ونصائح فقدت معانيها واصبحت ذكرى للتندر ومرآة عاكسة تعرض الصورة البشعة التي آل اليها وضعنا التعليمي ولن انسى ما حييت ما حدث لنا في هذا اليوم ـ العام الماضي 1423/1422هـ، عندما قام مدير مدرستنا بتوزيع شهادات التقدير والهدايا العينية بتلك المناسبة، واستثنى خمسة معلمين بصفتهم «مقصرين» في حين ندرك ان هذا اليوم تكريم للمعلم ـ أيا كان هذا المعلم ـ الذي يرنو الى هذا اليوم كيوم حب وبلسم شافٍ يروي الغليل ويوم لاعادة الاعتبار والتقدير، فكيف اذا قوبل بالجفاء والنكران وعدم الثقة!
ولا ينقضي عجبي عندما تمضي السنون، سنة بعد سنة دون ان نعرف مكمن الخلل ولا نخلق المناخ المناسب لاقامة مدارس تربوية خليقة بالاشادة فتصبح اماكن جذب ومهوى افئدة لاصحاب القلوب الغضة، لا اماكن طرد ينتعش الانسان حالما يغادرها.
ان هذه الاجواء الخانقة للابداع والتي تعبث بها الغيبة والنميمة والمشاحنات والتزلف والنفاق لا يمكن ان تصفو الا بالحب واعطاء كل ذي حق حقه والدفع بالتي هي احسن واعطاء الطالب فرصة لتقييم معلمه والمعلم فرصة لتقييم مديره وتأهيله بالدورات والبرامج المستمرة ومن اساتذة متخصصين وفسح المجالات للشفافية وحسن النية والمساواة والعدل.
بغير هذا سنبقى كما كنا ونرفع شعارنا الدائم «ليس بالامكان ابدع مما كان»!